العلاقات السياسية والدبلوماسية، الميزان التجاري، التعاون العسكري، النفوذ.. كلها مفاهيم وعوامل وأشكال للعلاقات بين الدول وبعضها البعض، يسبقها عامل غاية في الأهمية، هو التبادل والتأثير الثقافي أو ما يطلق عليه "القوى الناعمة"، فالاستعداد الشعبي للتعاون دائمًا ما يسبق الجهود الرسمية، وربما يحدد النفوذ الثقافي لدولة ما في محيطها الإقليمي، قوة قرارها ونفوذه، وحجم الاستفادة الإقتصادية والسياسية. على جانب أخر لا يفوت المهتمون بالثقافة والفنون فعاليات مهمة تنظمها ملحقيات ثقافية تابعة للسفارات الأجنبية في مصر، كاهتمام المسرحيين بمهرجان المسرح الذي يقيمه المركز الثقافي الفرنسي، أو الندوات الثقافية والمسابقات الأدبية لمعهد جوته الألماني، فضلًا عن تمويل تلك الملحقيات لأنشطة وفعاليات تدعم نشر ثقافة بلادها في المجتمع المصري كنموذج حي للقوى الناعمة "الفاعلة" لتلك البلاد. وفي وقت تحتاج فيه مصر إلى ترتيب أوراقها فيما يخص علاقتها الخارجية ودعم وجودها وتأثيرها رسميًا وشعبيًا في دول العالم وبالأخص في محيطها العربي والإفريقي، تحاول «البديل» أن تتلمس الطريق نحو إعادة بناء أذرع وقوى مصر الناعمة، ولأنه أمر شاق فلا يجب إلا أن نتكشف الطريق بالسؤال عن حال أحد أهم تلك الأذرع "الملحقيات الثقافية المصرية بالخارج"، وقبل أن نتساءل عن تأثيرها المرجو، كان لنا أن نتساءل: هل تمثل الملحقيات نموذجًا لقوى مصر الناعمة أصلًا؟ الشاعر سيد يوسف- الملحق الثقافي المصري السابق بدولة أوزبكستان، يؤكد لنا أن الملحقيات الثقافية المصرية بالخارج ليست ممثلة لقوى مصر الناعمة، ولكنه يؤكد أيضًا أن "الصورة ليست بهذه القتامة، هناك جهد يبذل، ولكنه يشبه الحرث في البحر". إذًا السؤال هنا ما الذي يمنعها من أن تكون من مكونات قوانا الناعمة؟، يجيب «يوسف»: أساس ذلك هو أننا لا نكاد نحدد ما نريد من وجود تلك الملحقيات والمراكز في تلك البلاد، وبطبيعة الحال فإن تحديد الأهداف هو أهم وسائل رسم خطة التحرك والعمل في أية مؤسسة، وبالجملة أستطيع أن أقول إن المكاتب والمراكز الثقافية المصرية بالخارج تبذل جهدًا طيبًا ولا تبخل الدولة عليها بالنفقة المادية، ولكن تلك النفقة تكون "في صورة مرتبات وبدلات للعاملين أكثر من توجيهها للأنشطة"، كما أن الأنشطة لا تقوم على أهداف الصالح العام لمصر بقدر ما تكون في صورة فعاليات بروتوكولية وأنشطة ترفيهية لا يكاد أثرها يغير شيئًا في صورة تلك الشعوب عن بلادنا. ويرى «يوسف» أن تلك المكاتب والمراكز الثقافية المصرية تحتاج وضع أهداف جديدة تناسب مصر واحتياجاتها، ليتم بعد ذلك طرح أسئلة من قبيل هل هي فاعلة أم لا، لأن استمرار العمل على الوتيرة الحالية هو كما قلت "أشبه بالحرث في البحر". "أما فكرة المركز الثقافي المخصص لبث الحضارة المصرية في البلد الموجود بها المركز فهي مسألة لا تراها كثيرا أو بوضوح في تلك المكاتب، وإن كانت موجود أحيانا بحكم الشهرة التاريخية العريضة لمصر في بعض الدول" هنا يضع شاعرنا يده على مكمن الأزمة؛ ويوضح: أنك تملك تأثيرا ثقافيًا قبل حتى أن تحاول إجراء هذا التأثير، وربما يكون السؤال الأمثل: هل نحن نستغل الوجود الثقافي المصري في الخارج على نحو يوجهها لما فيه صالح مصر؟ والإجابة في هذه الحال "لا" بطبيعة الحال، وليس الأمر راجعًا لقصور مادي، بقدر ما هو ناتج عن عدم وجود عقليات ديناميكية في تلك المكاتب والمراكز. يستطرد «يوسف»: سأحكي نموذجًا لتأثير المراكز الثقافية المصرية بالخارج، في أوزبكستان.. إحدى دول الاتحاد السوفيتي السابق، وشعبها أحد الشعوب المسلمة التي تمتلك صفات جيدة للغاية، ولها انطباعات ممتازة عن مصر والمنطقة العربية، وتمتلك كمًا هائلًا التنوع والحجم من الثروات المختلفة، مثل المنتجات الزراعية (القمح والقطن)، والذهب والغاز ، فضلا عن كونها دولة نووية بامتياز، في مناخ كهذا فإنك لا تحتاج لأكثر من تواصل مباشر بين المسؤولين لإجراء تعاون على أكثر من صعيد، يكفل تحقيق أمان غذائي لمصر، ويتيح لك تقديم عروض ممتازة تقوم على التكافؤ والاستفادة المتبادلة، غير أن ما يجري هو محاولة لتثبيت الوجود الحضاري التاريخي لمصر وتأكيد الصورة الذهنية عن مصر في عقول أبناء الشعب الأوزبكي، هذا جيد بالطبع، لكن كان يمكن أن تكون للمركز أهداف أكبر وأكثر. ولتعرف تأثير المركز الثقافي المصري بطشقند في أوزبكستان، سأقول لك إن السفير الأمريكي أبدى أكثر من مرة اندهاشه للتأثير الثقافي المصري في أوزبكستان ولقدرة المركز المصري على جذب قطاعات عريضة من الشعب الأوزبكي للانخراط في أنشطته الثقافية والتعليمية، ولو علم السفير الأمريكي السبب لزال اندهاشه، الحقيقة أن الانجذاب الشعبي لأنشطة المركز المصري لا يعود للسياسة الناجحة لإدارته، رغم وجود محاولات جيدة في هذا الصدد، بقدر ما يرجع للصورة التي يراها هذا الشعب عن مصر. ملمح مهم يجمع بين تلك الملحقيات الثقافية ويختلف عنه الملحق الثقافي المصري في دول العالم، غالبًا ما يسمى الملحق باسم أحد أعمدة ثقافة تلك الشعوب "جوته، دانتي، سرفانتس"، أما المصري فلا يعبأ بذلك، بل نجد أن هناك أسماء ليست ذات صلة بالثقافة المصرية مثل "مثمر" الملحق الثقافي بدولة المغرب. وبمطالعتنا لبيانات موقع وزارة الخارجية المصرية وتحديدًا قسم العلاقات الثقافية الدولية، وخاصة ما يتعلق بالعلاقات الإفريقية، التي فقدنا التواصل والتعامل معها على المستويين الرسمي والشعبي، يشعر المواطن المصري بنجاح عظيم لقوى مصر الناعمة، وأنها تقدم لتلك الشعوب ما يدعم وجود الثقافة المصرية لديها وبالتالي لنا أن نتوقع تعاونًا على مستويات كثيرة، ولكن واقع العلاقات يبين أن الأمر لا يعدو أن يكون نشاطًا شكليًا، لا يلقى صدى إلا في الدوائر الرسمية والمجاملات الدبلوماسية.