ما قصة إقليم كتالونيا الذى يشغل العالم مؤخرًا، إثر خطوات انفرادية قام بها للانفصال عن الوطن الأم، إسبانيا؟ ما الذى دفع الإقليم لهذه الخطوة؟ ما موقف الأطراف محليًا وإقليميًا «داخل الاتحاد الأوروبى» من نتائج استفتاء الإقليم، والخطورات الدرامية اللاحقة؟ ما موقع الإقليم من خريطة الموارد الإسبانية، وهل انفصاله سيؤثر على الاقتصاد القومى الإسبانى؟! جغرافيا يقع إقليم كتالونيا شمال شرق أسبانيا وتبلغ مساحته 32 ألف كيلو متر مربع، ويبلغ عدد سكانه 7 ملايين نسمة تقريبًا وتعتبر اللغة الكاتالونية هى الأولى ويرجع عهدها بالإقليم لأكثر من 1000 عام الذى تكون بعد الاحتلال الرومانى لمنطقة أراجودا ثم اللغة الأسبانية، ويمثل الإقليم 16% من عدد سكان أسبانيا يعتنق غالبيتهم الديانة المسيحية على مذهب الرومانية الكاثوليكية، وتعد برشلونة هى العاصمة الأولى إذ ينقسم الإقليم إلى 4 مقاطعات هى جرندة، ولردة، وطراغوتة ثم برشلونة العاصمة، ويشتمل الإقليم على 946 بلدية،وضعها الدستورى متنازع عليه مع مملكة إسبانيا التى تعتبرها منطقة حكم ذاتى داخل حدودها. وينتج الإقليم 20% من الناتج المحلى الأسبانى بعد أن حقق الإقليم أكثر من 200 مليار يورو عام 2016 ليسجل رقمًا كبيرًا فى الاقتصاد الأسباني، كما ينتج الإقليم 25% من صادرات أسبانيا ويعمل 50% من سكانه فى المجال الصناعى والتجارى والزراعي، ومع وجود الإقليم فإنه يوجد له شطره آخر فى كتالونيا الشمالية التى انتزعتها فرنسا عند المناطق الحدودية كما يوجد للإقليم امتداد داخل وجوار حدود الدول المجاورة ليصل تعداد الهوية الكاتالونية إلى أكثر من11 مليون نسمة، تتمثل الشرعية فى الإقليم فى برلمان كتالونيا الذى يتألف من 135 نائبا يمثلون القطاعات الأربعة به. أسباب كان الإقليم مستقلًا من الأساس عن الدولة المركزية ثم عاد ليعلن محاولة استقلاله بعد الحرب الأسبانية لعوامل ثقافية وتاريخية تتعلق بالهوية واللغة والاقتصاد تتعلق بالموارد وعدالة التوزيع ولهذه العوامل وغيرها تم الاعتراف بالشخصية الكاتالونية بالدستور الأسبانى باعتبارهم أمة بذاتها، ورغم ذلك يشعر سكان الإقليم بانتقاص حقوقه السياسية والاقتصادية ومنها تحمل سكان الإقليم أعباء المناطق الضعيفة فى أسبانيا، كما يتعاطف مع الإقليم سكان الإقليم الموجودة بحدود الدول معه وهم يدعمون ويشجعون الإقليم على الاستقلال. ومع القرن التاسع عشر أعيد تشكيل العالم إلى هويات وطنية وهى هويات موجودة فى كل الدول ولها خصوصيتها ومنها إقليم كتالونيا التى يعترف بهويتها المحلية والتاريخية ولكن ذلك لا يمكن وفق المفهوم الواقعى أن يصنع دولة لأن الدولة يجب أن يتوافر لها الكثير من المقومات ومنها أن تكون دولة قابلة للبقاء، مواثيق الاعتراف الدولى بتلك الهويات التى لا يمكن برغم مطالبها ومبرراتها أن تبنى دولة. وفى الحالة الكاتالونية لابد من توافر ثلاثة اعترافات لها ومنها اعتراف الحكومة المركزية بمدريد، واعتراف الاتحاد الأوروبى أى تصويت دوله بالإجماع، ثم الاعتراف الدولي, وجانب تلك النقاط وهو الأهم آن يتعرض شعب ما للاستغلال والإذلال والاضطهاد و وهو ما لم يتوافر للإقليم الذى ينعم بالحكم الشمولى الديمقراطى داخل اسبانيا. ومن أسباب دعوة الإقليم إلى الانفصال شعوره أثناء الأزمة المالية التى اجتاحت أوروبا عام 2008 بتحمل الكثير من الأعباء لصالح الأقاليم الأسبانية الأخرى برغم تمتعه بالثروات التى يعتبر نفسه شريكا فى تلك الثروة التى يشعر باضطهاد الحكومة المركزية لحقوق سكانه فيما يتعلق بعدالة توزيع الثروات وعدالة التوظيف وما يتعلق بالموازنة والملفات العامة والملفات السياسية والاقتصادية، وبسبب خشيتهم من قدرة الاتحاد الأوروبى وضعفه فى حل الأزمات إضافة إلى عوامل انتشار الإرهاب ودخول مهاجرين وثقافات جديدة فى بلدان الاتحاد الأوروبى أثرت على الهويات المحلية من الناحية الاقتصادية والحضارية والثقافية مما أدى إلى الاحتقان وعودة الأحزاب والأفكار القومية والعنصرية من الهويات المحلية الأصلية للحفاظ على خصوصياتهم. محاولات منذ قرون ولعوامل تاريخية وثقافية وجغرافية يسعى إقليم كتالونيا نحو تحقيق الانفصال, وخلال أواخر القرن الماضى نظم الإقليم سلسلة من الاستفتاءات أكدت مطالب الأغلبية بالانفصال، وقد وافقت الحكومة الإسبانية على بعضها فى حدود الحكم الذاتي، ورفضت نتائج أخرى كانت تسعى للانفصال , ففى 25 أكتوبر 1979 وافق مواطنو كتالونيا فى استفتاء شعبى على قانون الحكم الذاتى الجديد لإقليمهم، والذى اعترف باللغتين الإسبانية والكتالونية كلغتين رسميتين فى الإقليم، وسمح للسلطات الإقليمية بتولى مسؤوليات المقاطعة، بعد أن ألغيت المؤسسات الكتالونية 1939 بعد حرب أهلية,ثم نظم مواطنو كتالونيا استفتاء شعبيًا لاحقًا فى 18 يونيو 2006 أقروا خلاله قانونا جديدًا للحكم الذاتى يونيو يوسع من صلاحيات الحكم الذاتى فى الإقليم بعد مفاوضات فى حينه مع رئيس الحكومة الإسبانية السابق خوسيه لويس ثاباتيرو ومصادقة البرلمان الإسبانى عليه. وفى يونيو عام 2010 تظاهر آلاف من الكتالونين احتجاجا على إلغاء المحكمة الدستورية الاسبانية جزءا من قانون الحكم الذاتى الجديد, وخلال العام 2014 وتحديدا فى شهر نوفمبر أجرى استفتاء بالإقليم وصوَّتت الأغلبية الساحقة من سكانه لصالح خيار الاستقلال عن إسبانيا، وفي 11 يونيو ألغت المحكمة الدستورية الإسبانية نتائج الاستفتاء على استقلال إقليم كتالونيا. ومنذ ذلك التاريخ وحتى سبتمبر الماضى 2017، أكدت الحكومة الإسبانية بأنها ستعرقل أى محاولة لاستقلال منطقة كتالونيا، مؤكدة أن إجراءها ووفقا للدستور سيكون غير قانونى , وفى يوم 9 سبتمبر 2017 أقر برلمان كتالونيا قانونا يحدد أسس الاستفتاء على استقلال الإقليم عن إسبانيا وحدد له موعد الأول من أكتوبر الماضى 2017 أى قبول تحدى قرارات الحكومة الإسبانية, وبالفعل فان الاستفتاء قد تم فى موعده برغم الإعاقات والإجراءات الأمنية والقمعية التى اتخذتها السلطات الأسبانية للحيلولة أمام إجراء الاستفتاء دون جدوى بعد أن جاء الاستفتاء ليعلن وبأغلبية ساحقة موافقته على الانفصال وبنسبة تعدت ال90%. مواقف جاء تعامل الاتحاد الأوروبى مع الأزمة صامتا ومحرجا ولم تصدر فى البداية أية تعليقات من المفوضية الأوروبية ولا من مجلس الاتحاد الأوروبى وبخاصة بعد مشاهد العنف التى مورست ضد المقترعين من سكان الإقليم على الاستفتاء فى أوائل أكتوبر الماضى.. حيث التزم الصمت والحياد بحجة عدم التدخل فى الشئون الداخلية لأسبانيا. وتعامل مع رئيس الحكومة رينو راخوى باعتباره يمثل القانون ويلتزم بالدستور الأسبانى فى تلك الأزمة وبالتالى التخلى عن استخدام الاتحاد لما تنص عليه المعاهدات الدولية بخصوص الحقوق الأساسية للمواطنين، باستثناء رئيس وزراء بلجيكا الذى استنكر العنف ودعا الطرفين للحوار برغم أن إقليم فلندر فى بلجيكا يطالب هو الآخر بالاستقلال على غرار إقليم كتالونيا، وغير ذلك ظل الاتحاد الأوروبى بعيدا عن التدخل لخوفه من خشية انتقال عدوى التقسيم فى بلدان أوروبا وبالتالى انهيار المشروع الأوروبى الذى سيتحول إلى خليط من الهويات والأقليات وليس خليطا من الدول كما هو عليه الآن. أزمة استفتاء واستقلال كتالونيا أعادت القلق لمستقبل الاتحاد الأوربى لتجد بروكسل نفسها فجأة فى وضع محرج ومتأزم قبل أن تخرج المفوضية الأوروبية عن صمتها عقب التصعيد بين الانفصاليين والشرطة يوم الاستفتاء، لتؤكد رفضها لاستخدام العنف كأداة للتغيير وإعلانها فى الوقت نقسه عدم تدخلها فى الأزمة وذلك عبر تصريحات حذرة وخجولة خشية من إثارة غضب الحكومة المركزية فى مدريد، معتبرة من أن الاستفتاء غير قانونى وفقا للمادة 155 من الدستور الإسباني، وداعية جميع الأطراف للانتقال سريعا من حال المواجهة إلى تغليب الحوار. بداية الاتحاد الأوروبى رفض أن يقوم بدور الوسيط حتى لا يمنح الشرعية للانفصاليين الكاتالونيين، ولا تؤخذ باعتبارها الحالة الأولى التى يمكن أن تشجع الحركات الانفصالية الأخرى فى دول الاتحاد , ففى حال نجاح الانفصاليين الكاتالونيين فى مخالفة التوقعات وانتزاع الاعتراف باستقلالهم، فكيف سينعكس ذلك على مستوى صلاحية الاتفاقيات الدولية فى حالة انفصال منطقة عن إحدى الدول الأعضاء ؟ فبحسب قواعد ما يعرف بمبادئ برودى المنسوبة إلى الرئيس السابق للهيئة التنفيذية الأوروبية رومانو برودى فإن أى دولة وليدة تنقسم عن دولة عضو فى الاتحاد الأوروبى لا تعتبر بشكل مباشر جزءًا من الاتحاد الأوروبى. بدورها اختارت الحكومة الإسبانية الأسوأ عبر استخدام القوة ثم اللجوء للمادة 155من الدستور الأسبانى والاعتماد على آراء مجلس الشيوخ والمحكمة الدستورية الاسبانية العليا وجميعهم أعلن عن بطلان الاستفتاء ومن ثم بطلان الانفصال الذى أعلنه الكاتالونيون يوم 27 من أكتوبر الماضى من جانب واحد والذى تم على إثره عزل رئيس الإقليم كارلس بيغديمونت المقيم فى بروكسل لدواعٍ أمنية و14 من قياداته ووزرائه واستدعاء المحكمة الجنائية الاسبانية بأمر من المدعى العام لهم للتحقيق معهم قبل أن يصدر قرارا لاحقا باعتقالهم إذا ما رفضوا الحضور. وفى ظل تفاقم تلك الأزمة وتوالى أحداثها الخطيرة والمدوية يراقب الاتحاد الأوربى وبخاصة بلدانه من جيران إسبانيا ما يجرى فيها. فهناك فى أوروبا الغربية وحدها حركات لأقاليم ومناطق مماثلة تتطلع بشدة نحو المطالبة بالانفصال عن بلدانها , ومن أمثلة ذلك جزر فارو الدنمركية إلى فلاندرز المستقلة فى بلجيكا، إلى اسكتلندا وويلز فى ببريطانيا , ومن كورسيكا الفرنسية إلى بادانيا الغنية فى إيطاليا، وغيرها الكثير من المناطق التى تتمتع بالحكم الذاتى داخل أوربا معتمدة فى دعواتها بالانفصال على ما يجمعها ويوحدها أو على ما يمكن أن يفصلها عن البلدان التى تنتمى إليها ولما يهدد بتصدع بلدان الاتحاد الأوربى وتحدى دوله القومية. تحركات وعلى اثر استدعاء المحكمة الأسبانية العليا فى مدريد لرئيس وقادة ووزراء الإقليم البالغ عددهم 14 لتوجيه تهم التمرد ومخالفة الدستور والاختلاس ومحاولة تقسيم البلاد إليهم ,وقد امتثل منهم تسعة أعضاء أمام المحكمة يوم الخميس الماضى الموافق 2من شهر نوفمبر الجارى وامتنع خمسة أعضاء من قادة حكومة كتالونيا المقالة للإدلاء بإفاداتهم أمام القضاء، فيما رفض رئيس إقليم كتالونيا الانفصالى المُقال كارلوس بودجيمون الحضور منددا من بروكسل التى يتواجد بها بالمحاكمة السياسية التى يتعرض لها ومن بينهم أيضا بودجيمون الموجود فى بلجيكا منذ الاثنين مع آخرين، مما جعل النيابة العامة الأسبانية تصدر يوم الخميس الماضى 2نوفمبر 2017 مذكرة توقيف أوروبية بحق رئيس الإقليم كارلس بيغديمونت المقيم فى بلجيكا مع أربعة من وزرائه لرفضهم المثول أمام المحكمة والعودة لمدريد للتحقيق معهم على خلفية تحركاتهم المرفوضة بعد إصدارهم لقرار الانفصال. وتستمر جلسة الاستماع فى المحكمة الوطنية، وهى محكمة عليا متخصصة فى القضايا الحساسة، إلى الوزراء فى الحكومة الكاتالونية المُقالة. وطلب المدعى العام الإسبانى أن توجه إليهم جميعا تهم اختلاس الأموال العامة والعصيان والتمرد. وقد تصل العقوبة القصوى للتهمتين الأخيرتين إلى السجن لمدة تتراوح بين 15 و30 عاما ويتهمهم المدعى العام بتشجيع حركة عصيان فى صفوف الشعب الكاتالونى فى مواجهة سلطة مؤسسات الدولة الشرعية لتحقيق هدف الانفصال والدعوة إلى العصيان والتمرد ومخالفة الدستور الأسبانى وغيرها من قضايا الاختلاس، متجاهلين قرارات القضاء من بينها منع تنظيم استفتاء تقرير المصير فى الأول من أكتوبر الماضى. أمام هذه الأحداث الدرامية يرى مراقبون أن أسبانيا ستظل كيانًا متكاملًا ومعترفًا به من جانب الاتحاد الأوروبى ومن جانب المجتمع الدولى وسيبقى دستوره ساريا مثل دستور الاتحاد الأوروبى المتعلق بتلك الأزمات الذى يعتبر الإقليم يتمتع بالحكم الذاتى وتابعا للحكومة المركزية فى أسبانيا وقبول الاتحاد الأوروبى فرض حكومة أسبانيا الوصاية على الإقليم وتسيير شئون مؤسساته فى شتى المجالات لتعيش أسبانيا على صفيح ساخن بعد تعرضها لشبح التقسيم ومعايشتها لأصعب يومين فى تاريخها يوم إجراء الاستفتاء ويوم إعلان إقليم كتالونيا الانفصال فى 27 أكتوبر الماضى ليظل أمر إقليم كتالونيا هو الأخر فى مهب الريح بعد أن تكسرت آمال انفصاله بأيدى وقبضة الحكومة المركزية فى مدريد ووقوف الاتحاد الأوروبى والمجتمع الدولى حجر عثرة أمام هذا الانفصال خشية من انتشار عدواه فى الكثير من بلاد العالم.