لا ينبغي مطلقاً أن تتحول مشاعر الاستياء والغضب من تطورات قضية التمويل الأجنبي أن تتحول عندنا إلي »حالة انكسار« وطني! إن أسوأ ما يمكن أن يحدث لنا هو أن نقع أسري لما يراد لنا، وأن يسود بيننا الاعتقاد بأن التبعية لأمريكا قد أصبحت قدراً لا نستطيع الهروب منه، وإن ما كان قبل الثورة سيستمر بعدها، حتي لو اختلفت الأسماء والعناوين!! حالة الغضب الشعبي لما حدث هي في حد ذاتها رفض للانكسار ورفض للتبعية، وإعلان بأن استقلال الإرادة الوطنية سيظل هدفاً لقوي الثورة الحقيقية التي مازالت حتي الآن بعيدة عن المسئولية.. أو مستبعدة عنها!! وما حدث ليس إلا دليلاً جديداً علي أن الطريق لتحقيق أهداف الثورة مازال طويلاً وصعباً، ولكنه الطريق الذي لا بديل عنه مهما كانت الصعاب، ومهما ارتفعت التضحيات. لقد كان واضحاً منذ البداية أن للقضية الخاصة بالتمويل الأجنبي بعدها السياسي، وأنها تخفي وراءها العديد من الخلافات والصراعات في ملف العلاقات المصرية الأمريكية. وعندما ترسل أمريكا رئيس أركان جيوشها للتباحث حول القضية، فالأكيد أنه لم يكن قادماً للحديث عن فتح مكتب بدون رخصة!! القضايا أخطر والخلافات أعمق. ومن هنا التساؤل: لماذا توريط القضاء المصري في مثل هذا الصراع؟.. ثم لماذا الإساءة بعد ذلك لهذا القضاء الذي ينبغي أن نحافظ عليه، ولماذا التدخل الذي انقلب إلي فضيحة لا يمكن أن تمر بدون حساب؟ أيضاً.. كان من المؤكد منذ بداية الأزمة أننا لا نسعي لقطيعة مع أمريكا أو إلي حرب معها، وإنما لتصحيح علاقة كانت تقوم علي التبعية، وينبغي أن تقوم بعد الثورة علي الاحترام المتبادل. وقد كان طبيعياً أن يستخدم الأمريكان كل أوراق الضغط، وأن نستخدم نحن ما بأيدينا من أوراق، ولكن حين ينتهي الأمر بإرسال الطائرة العسكرية الأمريكية لنقل المتهمين الأمريكان قبل صدور قرار إلغاء منعهم من السفر، فلا يكفي هنا أن تشكر واشنطن المجلس العسكري والإخوان المسلمين ورئيس المحكمة لتمرير »الصفقة«.. بل لابد من تفسير لما حدث، مع الأخذ في الاعتبار أن هناك ملفاً قد انفتح وهو ملف التدخل الأجنبي في شئون مصر، وأنه لن يغلق إلا بعد أن نتأكد جميعاً من استقلال القرار المصري ومن استعادة الإرادة التي غابت طويلاً في سنوات التبعية قبل الثورة. ويبقي قضاء مصر الذي دفع في هذه الواقعة ثمن الارتباك السياسي، وليس لنا أن نخوض في التفاصيل، ولكنها فرصة للتأكيد علي أمر حيوي وهو أن استقلال القضاء لن يتحقق إلا إذا قام القضاة أنفسهم بواجبهم، وبدأوا في محاسبة من يفرط في هذا الاستقلال، ومن يقبل بالضغوط مهما كان مصدرها. أمر أخير لا يمكن تجاهله وهو: كيف يمكن أن نطمئن علي سلامة الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي أشرف عليها رئيس محكمة الاستئناف، بعدما أثير عن دوره في هذه القضية؟!.. الحقائق مطلوبة، وبسرعة، لأن الآثار هنا أخطر مما يتصور الجميع!