لا للاجتراء علي ثوابت هذا الشعب نحتاج إلي ضمير إبداعي مسئول عنوان وقح لديوان من المفترض أنه يضم قصائد للشعر، ذلك الفن الذي لطالما ارتقي بالمشاعر، وصعد بالأحاسيس إلي القمم، صدم وعينا بعد أن تواترت الأنباء مؤخرا عن صدوره، وعرضه في الدورة الأخيرة لمعرض الكتاب، وهو لإحدي المتشاعرات الباحثات عن شهرة أو عن مال وفير لكنه »حرام»، حتي ولو جاء ذلك علي أنقاض القيم الحامية، ومنذ أيام داهمتنا الأنباء بذكر ديوان آخر، ولا أدري لماذا الشعر بالذات الذي يحاولون الإساءة إليه، يحمل عنوانا مستفزا هو »خير نسوان الأرض»، وقد اتهمه أحد المحامين مؤخرا بالإساءة إلي الجيش المصري، مما يرجح أن الأمر قد لا يكون مجرد حالات فردية لباحثين عن الشهرة، ودعونا نطرح السؤال الملح حقا: لماذا يصر البعض علي استخدام بعض النصوص الأدبية كأداة للهدم؟، ولماذا يصرون علي إهانة الإبداع وتشويهه بنماذج بالغة الرداءة والفجاجة تسيء إليه قبل أي شيء آخر قبل القيم والثوابت الوطنية والأخلاقية وسائر سمات الهوية؟، عدد من مفكرينا ونقادنا ومبدعينا حاولوا تقديم إجابة شافية. في البداية يقول الشاعر أحمد سويلم: حرية التعبير هي حرية مسئولة بمعني أن المبدع هنا مسئول عن كلمته أن تكون إيجابية ومفيدة وتراعي تقاليد المجتمع وتقوم بدور تطوير هذا المجتمع وإيقاظ الوعي فيه، إن هناك فرقا بين الحرية المطلقة غير المفيدة والحرية المسئولة، لأن المبدع عضو في هذا المجتمع وفاعلية إبداعه تؤثر تأثيرا قويا في المتلقي، من هنا كانت المسئولية بحجم هذا الإبداع، والحرية المطلقة لا توجد في العالم، ولكنها حرية في إطار مسئولية المبدع عن وعي هذا المجتمع، ولا شك أنه توجد ضوابط ذاتية في المبدع ذاته، ولابد أن يكون لديه ضمير إبداعي مسئول عن هذه الكلمة التي يكتبها، والقانون مهم جدا لأن يحكم الإيقاع الاجتماعي الموجود في أي مجتمع، وبدون قانون يصبح المجتمع في فوضي وعشوائية، كما أن الرأي العام الثقافي لابد أن يراعي بمسئولية بالغة ما يحدث في المجتمع وأن يعطي لكل شيء حجمه الطبيعي الذي يقدر تطور المجتمع وتقدمه، وأعتقد أن الجيش والشرطة ومحاربة الإرهاب موضوعات مهمة للأدب علينا أن نعي أهميتها وقد قضيت 6 سنوات في القوات المسلحة وشاركت في العبور العظيم، وأعلم تماما مقدار التضحية التي قدمناها جميعا. أما الناقدة د.أماني فؤاد فتقول: لست مع حرية الإبداع بطريقة مطلقة وبهذه الصورة الفجة، في كل مكان في العالم هناك حدود، ونحن نتصور أن في أوربا لا قيود علي حرية الإبداع، وعلي العكس تماما، هناك يوجد فارق مهم جدا وهو أن المبدعين يتكون لديهم نتيجة الثقافة والدراية بالشئون السياسية والعلمية وغيرها في مناحي الحياة نزوع إلي أن يكون إبداعهم منضبطا لمصلحة الوطن الذي يعيشون فيه، وعند الأديب هناك إحساس بوطنيته وبالوطن الذي يعيشون فيه، إحساسه بأن القيمة التي يتكلم عنها لابد أن تكون أخلاقية، مهما كانت تتمتع بتناول حر، لكن لا تسيء إلي ثوابت وطنه، وتضيف د.أماني فؤاد: الجيش المصري له خصوصية فهو ليس جيشا مرتزقا، الجيش المصري والملتحقون به هم نسيج متكامل من طبقات المجتمع حتي في ميادين البناء هو الجهة الوحيدة المنظمة القادرة علي تنظيم نفسها في فترة كانت معظم مؤسسات الدولة تنهار، وقد حافظ علي مؤسسات الدولة، لذلك أقول إن أي فرد يتعرض للجيش المصري فهويسيء لكل فرد فينا. وتواصل الناقدة البارزة حديثها قائلة: ومع أنني من أكثر الذين دافعوا عن حرية المبدعين وقدرتهم علي أن يتكلموا في أي شيء، ولكن في نفس الوقت لابد أن يكون المبدع هو الضمير الذاتي الذي لا يسيء فيه إلي ثوابت الأمة، ولا يدعو إلي انهيارات تمس الوطن نفسه، إذن الحس الذاتي وإعلاء القيم شأن المبدع الحقيقي، وعليه أن يتجاهل هؤلاء الزائفين، وذلك مطلوب، يجب أن تعقد ندوة لمجموعة من المثقفين تجري فيها مناقشة سخافات هذا الرجل وإبداعه، كما أنه لابد أن يكون هناك بيان من المثقفين لرفض هذا النوع من الإجتراء علي ثوابت هذا الشعب، وكل أمر من الأمور التي يقوم بها البعض لعمل »استعراض إعلامي» مرفوض. ويقول الناقد د. يوسف نوفل: الإبداع في الفنون والآداب عامة له غاية سامية تدفع المبدعين عبر العصور إلي الإبداع الفني بشتي أشكاله، هذه الغاية هي السعي إلي الجمال الفني، ولا أقصد الجمال الحسي والمظهري، ولكن الجمال الذي يأخذ بالفن إلي وجهة سامية، إذن لابد أن نحدد الثوابت التي سيجري من خلالها الإبداع الفني بتنوع أشكاله، فغايته الكبري هي السمو والجمال الفني، إذن مادمنا حددنا هدفنا فليأخذ الفنان طرقه المتنوعة بحريته الفنية، لكي يبرز لنا هذا السمو والجمال بالطريقة التي يراها مباشرة أو غير مباشرة، سواء في الفن التشكيلي أو المسرح أو الشعر، هذا هو سقف الحرية الذي يتحرك فيه الفنان أو المبدع بحريته التامة لا قيد عليه في سلوك القالب أو الجنس الأدبي الذي يتناوله والشكل اللغوي الذي يبرز فيه عمله كما ذكرت، إذن مادمنا نحن المتلقين والمبدعين قد اتفقنا علي الغاية السامية، وهي الحرية الواسعة التي تطلق للمبدع، أما أن ننحرف بمفهوم الحرية ودلالتها عن مغزاها الحقيقي ونحيد بها عن مجالها الفني، ونجعلها كأنها في مجال السياسي أو الاجتماعي، ونطلق عليها مصطلح »حرية التعبير» فهذا »لي» للأمور ولي لعنق الحقيقة، والاتجاه بها إلي مسار غير مسارها، ولذلك أقول: لا حجة لمثل هذه الإبداعات التافهة غير الفنية. ويضيف الناقد الكبير: أما عن رد فعل المثقفين والنقاد فهو غض الطرف عن الأشياء التافهة لأن حديثنا عنها يعلي من قيمتها، وخير ما يمكن أن نواجه به هذه الأعمال الصمت، فالصمت أشد فتكا من الحديث، لأنها دون المستوي الفني الجدير بالمناقشة.