لسنوات طويلة انصب اهتمامي علي متابعة قضايا ذوي الاحتياجات الخاصة، سواء علي المستوي الصحفي أو الانساني، عشت الكثير من معاناة تلك الفئة المهمة والمهمشة في مجتمعنا.. وعايشت العديد من مظاهر الشكوي لكثيرين منهم في مختلف أنحاء مصر. ورغم قتامة الصورة وقسوة الواقع الذي عاشته تلك الفئة لسنوات، لكنني اعتقد ان ما عاشه متحدو الإعاقة والمهتمون بقضاياهم طوال الأيام القليلة الماضية محا كثيرا من تلك المعاناة، وحول الألم إلي أمل، والطموح إلي واقع. فمن كان يتصور أن يشاهد يوما شابا من متحدي الإعاقة - وهو ياسين الزغبي- يجلس إلي جوار رئيس الجمهورية، بل يقف له الرئيس عبد الفتاح السيسي تحية وتقديرا، ويحتضنه بود ومحبة خالصة، في لحظة أغنتنا فيها لغة الجسد عن آلاف الكلمات.. ومن كان يتصور أن مصر التي تشير التقديرات إلي أن نحو 10٪ من سكانها من متحدي الإعاقة ستخصص عاما كاملا للاحتفاء بقضايا ذوي الاحتياجات الخاصة، تسلط خلاله الضوء علي قضاياهم الحقيقية، وهمومهم الممتدة منذ سنوات. إن الذين أدهشهم ذلك الحضور الطاغي لنائب رئيس الأرجنتين السيدة مارتا جابرييلا ميكيتي خلال زيارتها الأخيرة لمصر، وما تتمتع به من قدرة علي خدمة بلادها وهي علي كرسي متحرك، سيدهشون أكثر عندما يعرفون ان في مصر وفي بلداننا العربية الملايين من النماذج التي تفوق في قدراتها وعطائها لأوطانها ما تقدمه السيدة ميكيتي، لكن للأسف ثقافة الشفقة والصورة المنقوصة عن تلك الفئة المظلومة مجتمعيا جعلت مجتمعاتنا ترتدي »النظارة السوداء» وهي تنظر إلي طاقات تلك الفئة وقدراتها المبدعة علي خدمة الوطن. والحقيقة أن السنوات الأربع الأخيرة منذ ثورة 30 يونيو شهدت العديد من الانجازات والمكتسبات، وهي - لو تعلمون- عظيمة وهائلة، بل تفوق ما تحقق لتلك الفئة في عقود طويلة، فلأول مرة ينص الدستور صراحة علي رعاية الدولة لتلك الفئة، كما انضم إلي البرلمان للمرة الأولي في التاريخ مجموعة من متحدي الإعاقة كنواب عن الشعب، وصار لدينا مجلس قومي لشئون الإعاقة للتعامل مع الدولة وتذليل العقبات، ويجري إعداد قانون شامل لرعاية الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة. لكن في المقابل، علينا أن ندرك أن هذا الملف أعقد مما نتخيل، وهناك مئات الألاف من ذوي الاحتياجات الخاصة، لا سيما في القري والنجوع يعانون ويلات الإهمال والتخلف الفكري والثقافي والنظرة الدونية من قبل المجتمع للمعاقين، ولا يجد معظمهم مقعدا في مدرسة ليتعلم، ومعظم المكفوفين لا يتاح لهم دخول الجامعات، نتيجة قصور في توافر المقررات الدراسية بطريقة برايل، وتجربة الدمج بالمدارس تعاني الكثير من العقبات، ولا توجد لدينا ثقافة المباني والشوارع الصديقة للمعاقين، بل تمثل رحلاتهم اليومية تأديب وتهذيب لم يرتكبوا جرما ليستحقوه. كل ما تحقق عظيم، لكنه ليس سوي بداية في مشوار الألف ميل، وقد بدأناه بخطوات كبيرة المهم أن نستمر.