أتابع التليفزيون المصري، وقلبي مع شباب وصبايا ماسبيرو آملاً أن يصلوا به إلي بر الأمان مع رئيسته الجديدة نهال كمال، وأن يتحول إلي منبر للحقيقة بعد أن كان سلاحًا فاسدًا موجهًا إلي الرؤوس بهدف اغتيال الوعي. كنا لا نتذكر وجود تليفزيون مصري إلا من خلال الاختناق المروري أمام برج عملاق علي النيل، لكننا حرصنا في أيام الثورة علي إطلالة قصيرة عليه بين وقت وآخر لمحاولة توقع حالة النظام. والآن نتابع المخاض الصعب للتغيير التليفزيوني، وأخبار امتحانات المذيعين التي أسفرت عن ضعف حاد في المستوي، لكن التليفزيون ليس صحراء كما يبدو في نتائج هذه الاختبارات، يحتاج فقط إلي تحريك. هناك كفاءات في النيل للأخبار يمكن الاستفادة منها. كان من الطبيعي أيضًا ألا يسلم المخاض من محاولات البارونات الصغار لإغراق التليفزيون بانسحابهم مع أطقم برامجهم. الثورة المضادة واضحة في البرامج التي تولاها أبناء التليفزيون، من خلال تواطؤ مخرجين وعمال كاميرا وإضاءة لكي يظهر المذيع منطفئًا بلا بريق. لا تغيير في الكادر، لا تنويع في أحجام اللقطات، ولا مواد فيلمية تقطع ملل الحديث. وهذه الألاعيب يجب ألا تصرفنا عن متابعة مذيعين ومذيعات وجوههم جديدة وبريئة، يتبعون أصول الحوار، حيث يجب علي المذيع أن يلقي سؤاله بأكبر قدر من الوضوح والحياد والتواضع وأقل عدد من الكلمات، وأن يعرف أنه يفعل هذا بوصفه نائبًا عن المشاهد. هذا النموذج من المذيعين يجب أن يعود إلي الشاشة، وعلينا كمشاهدين أن ننتبه إلي أننا كنا نتفرج بالمقلوب، وعلينا أن نتحمل مع نموذج المذيع الجديد أثر العملات والعكوسات الفنية التي يتعرض لها من عمال أكلوا البغاشة بقششة من مقدمي البرامج المليونية، التي يتقاضي مقدموها الملايين ويقومون فيها بأدوار عديدة ليس بينها دور المذيع. السهرايات الليلية في تليفزيون الدولة والقطاع الخاص هي أكبر عملية تضليل تعرض لها المصريون في منظومة فساد قادها راسبوتين النظام المصري في إعلامنا المرئي والمكتوب خلال مرحلتين. المرحلة الأولي كان عنوانها الانغلاق التام وتجريف التربة باختيار العناصر الأسوأ لأدوار القيادة، وعندما ظهرت فضائيات عربية تكشف ما يخفيه إعلامنا، كان لابد من الاستجابة لظروف المرحلة الجديدة، ولكن علي طريقة راسبوتين الشيطان الحكيم. لم يتم التصريح لثلاث صحف في مواجهة الصحف اليومية الكبري ولكن لأربعمائة وخمسين، ولم يتم افتتاح قناة أو اثنتين بل العشرات، لينتج عن ذلك كله كلام كثير متداخل يشبه ضجة القطار. وضجة القطار تساوي الصمت بدليل أننا نستطيع النوم أثناء السفر ربما أمتع مما ننام في صمت البيوت. وبالتزييف جري استخدام الاسم الإنجليزي "توك شو" لوصف السهرات التليفزيونية المصرية، التي قد يكون الأنسب تسميتها "سهراية" حيث لا يتم فيها الالتزام بمواصفات التوك شو كبرنامج مكمل للتغطية الإخبارية، بل تتخذ صيغة برنامج المنوعات، فهي تتسع لقراءة الصحف، والنداءات الإنسانية لرعاية الأيتام واستعطاف الحكومة لعلاج الأدباء المرضي وحوارات ضد الحكومة مع الأدباء الأصحاء وفقرات دينية وقصائد شعر. جلسات فضفضة تمتد بالساعات، المذيع فيها ليس محايدًا، ويمارس عدة وظائف تختلف حسب جنس مقدم البرنامج. المحاور الرجل يمارس دور زعيم المعارضة، والمفكر، من خلال التحدث أكثر من الضيف، كما يتقمص دور ضابط المباحث بالعنف في انتزاع الاعترافات عند استضافة متهم ضعيف. وكان دور البلطجي سيد أدوار المذيع، وخصوصًا المذيع اللاعب الذي اعتاد كسب عيشه بقدميه. وتم استخدام هذا النوع لزرع الفتنة بين أبناء الشعب علي أساس الانتماء للنادي، وزرع الفتنة مع الأشقاء العرب كما حدث في المعركة المخجلة مع الجزائر التي دخلها النظام ببلطجة لا تليق بقيمة مصر وانسحب منها بذل لا يليق بكرامة مصر! والغريب أن يتصدع المذيع الزعيم والمفكر في عهد الثورة ويبقي المذيع البلطجي، يواصل التلبيط بقدميه في رأس المشاهد. المذيعة الأنثي تختلف قليلاً؛ فهي تتقاطع مع المذيع الذكر في الزعامة وقيادة الفكر، لكنها تتخلي عن وظيفتي المحقق والبلطجي لصالح دور سيدة الصالون. هي محور القعدة، وعلي الضيوف أن ينقطوها من خلال الثناء علي جمالها وذكائها، وهذا أمر في عرف المهنة غير حسن. حصد نموذج الزعيم، المفكر، والبلطجي وسيدة الصالون نجاحا تليفزيونيًا في أوساط شعب يبحث عمن يشفي غليله بكلمة. وقد أسكر النجاح الزائف بعضهم وتصوروا أن انسحابهم يمكن أن يخلق فراغًا إعلاميًا يشبه الفراغ الأمني بانسحاب الشرطة، ولم ينتبهوا إلي أنهم أبناء زمن الأخطاء وأن أجورهم الخيالية تنتمي إلي بورصة أسعار فاسدة، وسيكتشفون أن التليفزيونات التي تطبق المعايير المهنية لا يمكن أن تقبل أحدهم أو إحداهن مجانًا. وأظن أن أمام رئيسة التليفزيون عملاً شاقًا في إصلاح المرتبات، وعلي المذيعين العائدين للشاشة أن ينسوا سنوات خوفهم، لأن بعضهم يبدو مثل العائد من زنزانة، ويتهيب طرح الأسئلة الصعبة التي نتمني كمشاهدين أن يطرحوها مع الحفاظ علي طريقتهم المهذبة والمهنية عنوانًا لعهد تليفزيوني جديد.