تشكلت في بنجلاديش حكومة تضم ما يقارب خمسين وزيرًا ضمن ملامح مرحلة جديدة بعد وصول طارق رحمن (بانتخابات أشرف عليها الجيش) إلى رئاسة الوزراء، تبدو الحكومة الجديدة أقرب إلى اختبار حقيقي: هل هي محاولة لتجديد الوجوه أم إعادة تدوير للنخبة القديمة؟ العدد الكبير للوزراء يوحي برغبة في استرضاء كتل سياسية واجتماعية متعددة، لكنه يثير أيضًا مخاوف من تضخم بيروقراطي قد يعيق الفعالية بدل أن يعززها. إلا أن الأسماء التي ظهرت في تشكيلة حكومة طارق رحمن الجديدة تنتمي في معظمها إلى معسكر الثورة والمعارضة، وليس بينها أي شخصية معروفة بولائها للشيخة حسينة أو ارتباطها بالبنية العميقة للدولة. فإسحاق حسين يُعد من أبرز وجوه المعارضة خلال سنوات حكم حسينة، وبرز في الشارع وفي العمل السياسي كأحد الأصوات التي واجهت النظام السابق، ما يجعله محسوبًا بوضوح على معسكر التغيير. أما شاما عبيد فهي أيضًا من القيادات البارزة داخل حزب بنجلاديش القومي، وكانت جزءًا من الصف المعارض الذي واجه سياسات حسينة لسنوات، وبالتالي فهي أقرب إلى التيار الثوري منها إلى أي بنية سلطوية قديمة. أما خليل الرحمن، فهو شخصية حزبية من داخل BNP، لكنه لا يُصنَّف ضمن رموز الثورة في الشارع، بل يمثل الجناح السياسي التقليدي داخل الحزب. ومع ذلك، فهو ليس من رجال الدولة العميقة ولا من بقايا النظام السابق، بل جزء من المعارضة التي صعدت مع وصول طارق رحمن إلى السلطة. ويبدو بحسب تقارير أن التشكيلة التي ظهرت حتى الآن تبدو خالية من أي وجوه محسوبة على حسينة أو على الأجهزة التي كانت تُدير الدولة من خلف الستار، وتعكس رغبة واضحة في تشكيل حكومة تعتمد على كوادر الحزب المعارض ووجوه صاعدة من معسكر الثورة. وعلق د. محمد الصغير @drassagheer على وصول "رحمن" قائلا: "في بنجلاديش نجحت ثورة الطلاب وشباب Z ، في الإطاحة بأعتى نظام مستبد، كانت تقوده سيدة تدعى حسينة، وفي أول انتخابات نزيهة شهدتها البلاد، أصبح طارق رحمن رئيسا للوزراء بعد 17 سنة قضاها منفيا خارج بلاده، فهل يعتبر نظراء حسينة ويقلعوا عن الظلم، قبل أن يقتلعهم ثوار الجيل الجديد؟!". واستعرض الكاتب علي الوذين @alwoothain إلى أين تسير بنجلاديش التي تبحث عن الاستقرار بعد سنوات من التوتر، وهل ستنجح هذه التشكيلة الواسعة في تقديم رؤية موحدة، أم ستتحول إلى فسيفساء متنافرة يصعب إدارتها. وقال: "بعد حكم النساء لبنجلاديش الذي دام أكثر من 30 سنة، يعود الرجال لحكم البلاد حيث فاز الحزب الوطني بالانتخابات، التي تلت ثورة الطلاب و الإطاحة بحكم آخر النساء القويات الشيخة حسينة" مضيقا أنه تبادلت عائلتان على حكم بنجلاديش منذ الاستقلال حتى اليوم، مع فترات قصيرة تخللها حكم الجيش، بداية من الرجلين مجيب الرحمن (ابو حسينة) و ضياء رحمن (زوج خالدة) في السبعينات بعد مشاركتهما في النضال الذي أدى إلى الاستقلال من باكستان، و دخلت البلاد في فترة أزمات اُغتيل فيها الرجلان وحكم الجيش في الثمانينات. وتابع في رصده للخليفة التاريخية: "تحالفت النساء خالدة ضياء مع الشيخة حسينة للإطاحة بالحكم العسكري في بداية التسعينيات، تلا ذلك عداء شديد بين المرأتين، فحكمت خالدة ضياء التي تمثل الحزب الوطني، وأقصت فيها الشيخة حسينة التي تمثل حزب رابطة عوامي، ثم حكمت حسينة وأقصت خالدة.. وهكذا حتى ثورة الطلاب في 2024 التي انتهت بهروب الشيخة حسينة ". وأكد أن المرأتين (ومنهما والدة طارق رحمن) كان حكمهما يعج بالفساد لدرجة أن ابن خالدة طارق رحمن كان يسمى السيد 10٪ أي أنه كان يأخذ نسبة 10٪ من كل مناقصات وعقود الدولة، أما الشيخة حسينة فكانت عائلتها تحكم البلاد على طريقة حكم المافيا! وأضاف أنه ".. الآن الحزب الوطني الذي فاز بقيادة طارق رحمن، ابن خالدة، أي السيد 10٪ بذات نفسه! لأن ذاكرة الشعب قصيرة، وآخر حكم لخالدة والسيد 10٪ كان قبل 20 سنة". يُشار إلى أن والده الرئيس السابق ضياء الرحمن، مؤسس حزب بنجلادش الوطني كان شخصية بارزة في نضال البلاد من أجل الاستقلال.
الصين والاقتصاد وبحسب "رويترز" قال رئيس وزراء بنجلادش الجديد طارق رحمن (60 عاما) في أول تصريحات علنية له بعد فوز حزبه الساحق في الانتخابات البرلمانية إن أولوياته تشمل إنعاش الاقتصاد وفرض القانون والنظام والحكم الرشيد. وقال رحمن في مؤتمر صحفي "أمامنا تحديات جسيمة… معالجة اقتصاد البلاد… لضمان الحكم الرشيد". وحصل حزب بنجلادش الوطني بزعامة رحمن على أغلبية ساحقة بلغت ثلثي المقاعد، ليعود إلى السلطة بعد ما يقرب من 20 عاما. وجاء هذا الفوز الساحق، الذي أعلن الجمعة، بعد فترة انتقالية على مدى أشهر في أعقاب الإطاحة برئيسة الوزراء السابقة القريبة من الهند والغرب الشيخة حسينة في انتفاضة قادها جيل زد عام 2024. وردا على سؤال حول خططه لإنعاش الاقتصاد، قال رحمن إنه سيشجع الشركات ويخلق المزيد من فرص العمل. وذكر أن الصين "صديقة في التنمية"، معبرا عن أمله في أن يتسنى للبلدين العمل معا. موقع المعارضة الكاتب والمحلل السياسي د.عز الدين الكومي قال إن بنجلاديش شهدت أول انتخابات برلمانية تنافسية حقيقية بعد الثورة الشعبية التي قادها جيل زد في 2024 وأطاحت بحكم رابطة عوامي وانحصرت المنافسة فيها بين تحالفين رئيسيين: التحالف القومي بقيادة الحزب القومي البنغالي، وتحالف الجماعة الإسلامية، بينما استُبعد حزب رابطة عوامي المنحل تمامًا من المشهد. اللافت أن الحزبين اللذين برزا اليوم كأقوى قوتين هما نفسهما اللذان تعرضا لأقسى درجات القمع في عهد النظام السابق، إذ عاد الحزب القومي بصفته القوة الليبرالية المعارضة، بينما ظهرت الجماعة الإسلامية كأكبر كتلة إسلامية معتدلة مناهضة للنفوذ الهندي. وأضاف أنه إلى جانب هذين الطرفين، حاولت حركة أندولان الإسلامية دخول السباق منفردة بعد انسحابها من تحالف الجماعة، في حين خاض التحالف اليساري الانتخابات في أكثر من نصف الدوائر لكنه مُني بهزيمة كبيرة. وأسفرت النتائج عن فوز التحالف القومي بأغلبية الثلثين، ما يمنحه القدرة على تشكيل الحكومة بسهولة، بينما حققت الجماعة الإسلامية أفضل نتائج في تاريخها بحصولها على عشرات المقاعد لتصبح المعارضة الرئيسية في البرلمان. واشار إلى أنه رغم أن الانتخابات اتسمت بقدر أكبر من الشفافية مقارنة بالسنوات الماضية، فإن جزءًا من الجيش والبيروقراطية والإعلام انحاز ضد الجماعة الإسلامية، خوفًا من صعودها وتأثيره على مصالح شبكات النفوذ القديمة. كما لعبت الاستخبارات الهندية دورًا واضحًا في دعم الحزب القومي، في محاولة لإعادة دمج فلول رابطة عوامي في الحياة السياسية. وصوّتت الأقلية الهندوسية للحزب القومي على أمل أن يفتح فوزه الباب لعودة حزبها التاريخي، بينما رأت أن صعود الجماعة الإسلامية سيقضي على هذا الاحتمال نهائيًا. وعن موقف الجماعة الإسلامية أشار إلى قبولها بنتائج الانتخابات واستعدادها للقيام بدور المعارضة البنّاءة. لكن التوقعات تشير إلى احتمال عقد صفقة بين الحزب القومي وفلول رابطة عوامي لتهميش الجماعة، وهو ما قد يثير غضب جيل زد الذي قاد الثورة ويرفض عودة الحزب المنحل بأي شكل. وتبقى التجربة البنغالية الجديدة رهينة بقدرة الحكومة على الوفاء بوعودها، وبمدى نجاح المعارضة في أداء دورها داخل المشهد السياسي خلال الأشهر المقبلة. محافظون مكون حزب "رحمن" والحزب القومي البنغالي BNP، حزب ذو طابع ليبرالي قومي، وليس حزبًا إسلاميًا. ومع ذلك، فإن التحالف الذي خاض به الانتخابات لم يكن خاليًا تمامًا من المكوّن الإسلامي، إذ ضمّ في أطرافه بعض الشخصيات المحافظة دينيًا، لكن دون مشاركة تنظيمات إسلامية كبرى أو أحزاب ذات هوية دينية واضحة. وبحسب تقارير تتوزع هذه الشخصيات بين تيارات مختلفة، أبرزها التيار الديوبندي المحافظ، وبعض رموز الصوفية الذين وقفوا ضد سياسات حسينة رغم قربهم التقليدي من الدولة، إضافة إلى وجوه شبابية إسلامية صاعدة لا ترتبط بأي حزب لعبت دورًا مهمًا في الحراك الشعبي، لكنها بقيت خارج التحالفات الانتخابية الكبرى، مفضّلة الحفاظ على استقلاليتها. وتتفق هذه الشخصيات، رغم اختلاف خلفياتها، على رفض عودة حزب رابطة عوامي بأي شكل، وعلى ضرورة حماية الهوية الإسلامية للمجتمع البنغالي دون الانخراط في مشاريع حزبية ضيقة. وهي اليوم تراقب المشهد السياسي بحذر، خصوصًا مع الحديث عن صفقة محتملة بين الحزب القومي وفلول النظام السابق. وفي حال تهميش الجماعة الإسلامية داخل البرلمان، قد تتحول هذه الشخصيات المستقلة إلى صوت موازٍ يعكس المزاج الشعبي المحافظ، ويضغط باتجاه عدم السماح بإعادة إنتاج النظام القديم.