وزير التعليم العالى: مبادرة تمكين تضمن تكافؤ الفرص والاعتراف بقدرات الطلاب    افتتاح عدد من المساجد بعد الإحلال والتجديد والصيانة بمحافظة سوهاج    السياحة تطلق حملة إعلانية للترويج للمقصد المصري بتركيا تزامناً مع معرض EMITT    المرور على مئات المنشآت السياحية والغذائية.. أبرز جهود الهيئة القومية لسلامة الغذاء بأسوان    الولايات المتحدة تتهم الصين بإجراء تجارب نووية سرية    31 قتيلا و169 جريحا بتفجير انتحاري في مسجد شيعي بباكستان    النيابة الليبية تواصل التحقيق في جريمة اغتيال سيف الإسلام القذافي    الدوري الإنجليزي، ليدز يونايتد يتقدم على نوتنجهام فورست بثنائية في الشوط الأول    أتربة عالقة ورياح مثيرة للرمال، تحذير عاجل من طقس السبت    الأرصاد: طقس غدا مائل للحرارة نهارا بارد ليلا على أغلب الأنحاء.. والعظمى بالقاهرة 27    مصر تسترد قطعة أثرية مهمة من عصر الملك تحتمس الثالث    وزير الأوقاف يُشيد بالمتسابق عبد الله عبد الموجود في "دولة التلاوة"    وزارة السياحة: مصر تسترد قطعة أثرية هامة من عصر الملك تحتمس الثالث في تعاون دولي مع هولندا    850 ألف خدمة طبية لمنتفعي التأمين الصحي الشامل بالإسماعيلية بمستشفى القصاصين    نائب أمين الشعبية لتحرير فلسطين: الانشقاقات في الجبهة نتاج خلافات فكرية لا انقسامات تقليدية    إصابة 7 أشخاص إثر انقلاب سيارة ربع نقل محمّلة بالركاب فى المنصورة    مصطفى بكري يفجر مفاجأة عن أزمة الدواجن والجمبري    نائبة التنسيقية تطالب ببنك وطني للأنسجة البشرية وتيسير إجراءات التبرع بعد الوفاة    المنتج معتز عبد الوهاب: فيلم البحث عن داود عبد السيد بدأ تصويره فى 2024    الناتو: ندعم ونتضامن مع تركيا في ذكرى كارثة الزلزال    «فيتش»: مصر تستعد للتحول لمركز صناعى إقليمى فى البتروكيماويات بحلول 2030    حسام موافي لطبيب عاير موظفا مريضا: هل هذا دين أو إنسانية؟ المرض ابتلاء من الله وليس ذنبا    الطائفة الإنجيلية تنعى ضحايا حادث ديرأبو فانا بالمنيا    جوارديولا قبل قمة أنفيلد: موقف سيلفا غامض وعودة دياز دفعة قوية للسيتي    كان يلهو على حافتها.. مصرع صغير غرقا في ترعة بسوهاج    ذاكرة رمضان المصرية    قال "احنا ظلمة وما بنحققش العدل"..ورحل "ناجي شحاتة "قاضى الإعدامات وعنتيل الأحكام الهزلية    أسعار تذاكر الطيران للفائزين بتأشيرات حج الجمعيات الأهلية.. تفاصيل    فيديو صادم| من الماشية إلى السيارات.. الفيضانات تجرف كل شئ في المغرب    الاتحاد السكندرى يفوز على الأهلى فى قمة الجولة الرابعة عشرة بدورى السلة    جميل مزهر ل"سمير عمر": الجبهة الشعبية تمسكت بالمقاومة بعد خروج بيروت 1982    سناء منصور تقدم قراءة مغايرة لظاهرة "النرجسية" عبر الأجيال فى "ست ستات"    أمين البحوث الإسلامية من الهند: الأزهر حارس الوسطية وناشر نور السيرة النبوية    عشرات حالات الاختناق خلال اقتحام قوات الاحتلال بلدة بيت أمر    «الفنون الشعبية» المشاركة مهرجان أسوان الدولي للثقافة تستكمل عروضها بساحة معابد فيلة    مباحثات مصرية سلوفينية لتوسيع التعاون في الموانئ والطيران والعمالة الماهرة (تفاصيل)    محافظ الجيزة: دخول 9 مدارس جديدة وتوسعات الخدمة بإجمالي 317 فصلًا دراسيًا في الفصل الدراسي الثاني    طريقة عمل برجر اللحم بدون فول الصويا    رئيس جامعة الإسكندرية يستقبل الخبير الدولي الدكتور ين لي Yin Li المتخصص في جراحات المريء بالمعهد القومي للأورام ببكين    ترامب يربط تمويل 16 مليار دولار في نيويورك بوضع اسمه على مطارات ومحطات    منتخب مصر للشابات يخسر أمام بنين بهدف في ذهاب التصفيات المؤهلة لكأس العالم    الأزهر للفتوى يوضح حكم الصيام بعد النصف من شعبان    بلدية المحلة يكتسح ديروط برباعية فى دورى المحترفين وبروكسى يهزم وى    تطور أسعار مواد البناء فى مصر 2026 ودور الدولة فى دعم صناعة الأسمنت والحديد    "تعليم بنى سويف" الأولى بمسابقة "الإبداع طموح" في مجال البحث العلمي والابتكار    خشوع وسكينه.....ابرز اذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    صفاء أبو السعود: الإعلام شريك أساسي في بناء الوعي المجتمعي ونشر المفاهيم السليمة    اتحاد اليد يعلن إذاعة الدور الثاني لدوري المحترفين على أون سبورت    تحذير من الأرصاد بالتزامن مع انطلاق الدراسة غدا.. فيديو    8 قرارات جمهورية مهمة ورسائل قوية من السيسي ل شباب مصر    المساجد تمتلئ بتلاوة سورة الكهف.. سنة نبوية وفضل عظيم يوم الجمعه    صفقات الدوري الإيطالي في ميركاتو شتاء 2026.. أديمولا لوكمان يتصدر القائمة    معهد الشرق الأوسط بواشنطن يستضيف وزير البترول والثروة المعدنية في لقاء موسع    6 فبراير 2026.. أسعار الخضروات والفاكهة بسوق العبور للجملة    لماذا لا تقبل شهادة مربي الحمام؟.. حكم شرعي يهم كثيرين    فرح يتحول لعزاء.. تفاصيل وفاة عروس وشقيقتها ويلحق بهم العريس في حادث زفاف المنيا    بعثة الزمالك تتوجه إلى زامبيا استعدادًا لمواجهة زيسكو بالكونفدرالية    بعد حديث ترامب عن دخول الجنة.. ماذا يعني ذلك في الإسلام؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حمدى قنديل يكتب عن بدايات التلفزيون العربى (2-2)
نشر في الشروق الجديد يوم 25 - 07 - 2010

المخرج الأشهر للدراما، التى شكلت وجدان الناس فى الستينيات، فكان نور الدمرداش الذى عرف بعد ذلك بملك الفيديو.. ولعل أشهر ما أخرجه كان مسلسل «لا تطفئ الشمس» و«هارب من الأيام» ثم «السقوط فى بئر سبع» قبل وفاته.. ورغم أن نور الدمرداش ظهر على الشاشة كممثل أيضا فإن حظه فيها لم يتعد حظ زميله محمد سالم إلا قليلا، وظل تميزه الأكبر خلف الكاميرات لا أمامها.. وخلف الكاميرا عادة ما كانت تسقط من الذاكرة أسماء مخرجى الأفلام التسجيلية الأوائل سعد نديم ومن بعده صلاح التهامى.. وكان فى مقدمة الذين عملوا فى صمت أيضا دون أن يعرفهم الناس المهندسون الإذاعيون بأجيالهم المتعاقبة من عرفة الزيان والجارحى القشلان وفاروق إبراهيم وفاروق عامر حتى أسامة الشيخ رئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون الحالى الذى فاق الجميع شهرة بقنوات التليفزيون الخاصة التى ولدت على يديه فى السنوات الأخيرة
أما على الشاشة ذاتها فكان ألمع نجومها همت مصطفى كقارئة نشرة، وأحمد فراج فى برنامجه الذى يعد من أطول برامج التليفزيون عمرا «نور على نور»، وماما سميحة «عبدالرحمن» التى كانت كل عائلات مصر تود لو ظهر أطفالها فى برنامجها.. وبالطبع فإن نجوما آخرين جددا ظهروا على الشاشة السورية فى الوقت ذاته.. يكفى أنها قدمت لنا دريد لحام.. وإلى جانبه ظهر مقدمو برامج وقراء نشرات وصل صوتهم وصيتهم إلى القاهرة مثل عبدالهادى البكار وخلدون المالح وهيام طباع، ثم رشا مدينة التى كان لها برنامج فى التليفزيون المصرى استمر سنوات..
على أن الذى لم يباريه أحد فى الشهرة على شاشتى دمشق والقاهرة فكان عميد معلقى كرة القدم محمد لطيف الذى كان يمتع الناس بمعلوماته وقفشاته وحرصه الدائم على شكر مدير الأمن على المجهود الذى بذله لإتمام المباراة.. ولا أظن أن أحدا يمكنه أن يجادل فى أن كابتن لطيف كان من أسباب الرواج الكبير الذى لقيته كرة القدم عندئذ، والذى أدخل ألوف الجنيهات فى جيوب النوادى.. وقد تضاعف هذا الرواج بعرض مباريات كرة القدم الأجنبية، التى كان جمهور الكرة يعرف نجومها بالاسم، مثل دى ستيفانو وبيليه وستانلى ماتيوز وخنتو وغيرهم
.
كان بعض هذه المباريات يذاع فى اليوم التالى لها مباشرة، وبذلك لم تكن تلقى أهمية أقل من تلك التى تلقاها خطب الرئيس عبدالناصر عندما يكون فى الخارج.. روى لى مؤخرا الدكتور صباح قبانى الذى كان مديرا لتليفزيون دمشق عند افتتاحه ولسنوات فيما بعد أنه عندما ألقى الرئيس خطابه فى الأمم المتحدة فى شهر سبتمبر، أى بعد افتتاح التليفزيون بشهرين، كان المقرر أن تصل الطائرة التى تحمل الشريط السينمائى للخطبة إلى مطار دمشق فى الساعة الثانية مساء، ولما كان موعد نشرة الأخبار هو الثانية والنصف فقد اتخذت كل الإجراءات لضمان نقله إلى الاستوديو بسرعة، ومن بينها إرسال رتل من سبع سيارات إلى المطار حتى إذا تعطلت واحدة منها قامت أخرى بالمهمة.. ولحسن الحظ وصلت الطائرة فى موعدها وأذيعت الخطبة فى النشرة
كان هناك اهتمام فائق بأخبار الرئيس بالطبع، ولكن التليفزيون واكب الأحداث المهمة التى شهدتها المنطقة وشهدها العالم فى تلك الحقبة، وما أكثرها.. وكان من أفظع المشاهد التى أرقت المشاهدين لليال طوال مذبحة قرية ماى لاى الفيتنامية التى قتلت فيها القوات الأمريكية 347 شخصا، وكذلك مشهد زعيم الكونغو باتريس لومومبا بعد أن وقع فى أيدى قوات المرتزقة البلجيكية وهم يعذبونه ثم يعدمونه رميا بالرصاص، وهو المشهد الذى أدمى قلب عبدالناصر كما عرفت «اعترف الضابط الذى قاد القوة بعد ذلك بسنوات بأنه قطع جثة لومومبا قطعا صغيرة وأذابها فى حمض الكبريتيك واحتفظ باثنين من أسنانه».. وكنا نتابع نضال الشعوب الأفريقية من أجل الاستقلال أولا بأول، ولا تفوتنا تغطية الأحداث فى دول عدم الانحياز خاصة فى الهند ويوغوسلافيا، ولا أحداث مثل بناء سور برلين، واغتيال كينيدى «الذى تصدر النشرة قبل أخبار الرئيس» ومن بعده اغتيال مارتن لوثركنج، وثورة ماو الثقافية فى الصين، والثورة الطلابية فى باريس
..
ولكن الاهتمام بالأحداث العربية كان فائقا.. وما أزال أذكر حتى الآن كل لحظة من الأيام التى قضيتها أتابع الأخبار فى الدول العربية فى تلك السنوات العشر مع مصورى أخبار التليفزيون وعميدهم رشاد القومى «الذى تجاهلته احتفالات اليوبيل الذهبى هو الآخر».. وكنا قد تعرضنا للموت معا مرتين، إحداهما فى اليمن عندما ذهبت قواتنا إلى هناك فى 1962، والأخرى فى العراق عندما وقع انقلاب 1963.. وأذكر اليوم الذى تسللت فيه إلى عدن فى 1961 وهى تحت الاحتلال البريطانى، واليوم الذى تسللت فيه إلى قاعدة المرسى الكبير الفرنسية قبل استقلال الجزائر.. وأذكر يوم سافرنا واقفين فى طائرة أنتونوف إلى بنزرت لننقل صور الرئيس الذى ذهب إلى هناك ليهنئ تونس بجلاء القوات الفرنسية عن المدينة.. وأذكر نجاحنا أنا وهمت مصطفى ومراقب الأخبار أحمد سعيد أمين فى تسجيل حديث فريد مع الملك حسين، وفشلنا فى إجراء حديث آخر مع ملك المغرب الحسن الثانى رغم دعوته لنا وبقائنا فى الرباط ضيوفا عليه ننتظر.. أما الحدث الذى لا أود أن أتذكره فهو حرب 67 التى تابعتها من أول لحظة هوجمت فيها قاعدتنا الجوية فى فايد ونحن فيها نصور القوة العراقية المتمركزة هناك، مرورا بالحديث الذى أجريته مع الأسير الإسرائيلى الكولونيل عساف ياجورى، وحتى كان ما كان وألقى عبدالناصر خطاب التنحى
كنت فى استوديو 4 وقتها مع همت مصطفى حيث قدمنا الخطاب، ولما وقعت المفاجأة المذهلة قررنا معا أن نطالب عبدالناصر بالبقاء.. كلام رجالة، سألت همت مصطفى.. قالت كلام رجالة.. انطلقنا.. كان من السهل إيقافنا بإغلاق خط الإرسال من الاستوديو، لكن أحدا لم يخطر بباله ذلك وسط الفوضى العارمة.. فجأة، دخل علينا عبدالحميد يونس مدير التليفزيون، وكانت يده اليمنى ملفوفة بالجبس.
طلب منا أن نتوقف عن الكلام على الفور، إلا أن الذى شجعنا على الاستمرار كان مدير الأستوديو الشاب صبحى عبدالسلام العيص الذى انفجر فى الأستاذ عبدالحميد يطالبه بالخروج من الأستوديو ويهدده بكسر يده اليسرى
ولكنه ما إن مرت دقائق حتى طلبنا وزير الإعلام محمد فائق إلى مكتبه.. وعندما دخلنا صاح فينا: انتو عملتوها مسرحية؟.. الريس يتنحى وبعدين التليفزيون بتاعه يقول له لأه؟.. جادلته همت، وانطلقت أنا إلى شباك مكتبه أفتحه وأقول له يا سيادة الوزير اسمع الناس وأنت فى الدور التاسع بتقول إيه.. كان الصياح من حوارى بولاق يتصاعد مطالبا الرئيس بالبقاء وتحمل المسئولية
نعم، كنا نعيش فى نظام لا يوصف بالديمقراطية، ولكن ماذا يمكن للتليفزيون أن يفعل يوم الحرب التى هزمنا فيها هزيمة منكرة.. أظن أن أى عاقل لم يكن بإمكانه أن يقول للناس يومها إنهم هزموا هزيمة منكرة.. كان هذا سيحطم عزيمة الناس تماما.. وكان من الحكمة التى قد تبدو لنا الآن كذبا صراحا أن يسمى ما حدث نكسة.. ولا أزال حتى اليوم أعتقد أننى كنت مصيبا عندما طالبت عبدالناصر بالبقاء.. وعلى أى حال فقد كان بقاؤها هو الضمان الأول لاستنهاض الهمم وبدء حرب الاستنزاف ووضع الخطة التى كانت أساسا لحرب أكتوبر، وكان ضمانا أيضا لعودة الحكم للاستماع إلى الشعب.. كان للثورة أخطاؤها ولا شك، وفى مقدمتها مصادرة الحريات.. عن نفسى فقد اعتذرت للإخوان المسلمين منذ سنوات عن الأحاديث التى أجريتها مع المعتقلين منهم فى السجن الحربى عام 1965.. ولكننى أعود فأكرر ما قلته مرات من قبل أن معيار حرية الإعلام لم يكن واردا فى ذلك الزمن الذى شهد حربا عالمية باردة، وأننا نضخم الآن كثيرا من خطأ ممارسات القمع لأننا نتحدث بمعايير يومنا هذا التى علا فيها شأن حقوق الإنسان.. وقتها كان الناس يتقبلون التضحية ببعض حرياتهم وربما بها جميعا لأن الثورة كانت تبعث نهضة ولأنها خاضت الحروب واحدة بعد أخرى.
من مقاومة الاحتلال البريطانى، إلى العدوان الثلاثى، إلى حرب اليمن، إلى 67.. فليقل لنا سدنة النظام الحالى لماذا يقمعوننا وهم يتباهون بأن البلد فى عهدهم عرفت الاستقرار لأنها لم تخض حربا واحدة، ولماذا لم تقم فى البلد نهضة مادامت قد نعمت بكل هذا الاستقرار
أعود فأقول إن الأصوات الناشزة عن الخط العام كانت تسكت فى الستينيات، نعم.. ومع ذلك فإن قدرا من الحرية «يسمونه الآن هامش الحرية» كان متاحا لنا فى التليفزيون.. وكانت جرعة هذا القدر فائقة فى برنامج طاهر أبوزيد الشهير «رأى الشعب» الذى كان يجمع فيه الوزراء بالصحفيين عندما يأتى عيد الثورة فى يوليو، ويحاسبهم حسابا عسيرا.. والحق أننى نعمت بسقف عال فى برنامجى «أقوال الصحف» كان يثير دهشة المشاهدين.. وكان كثيرون، ومنهم زملاء بالتليفزيون، يعتقدون أنه ما كان ليتاح لى إلا لأن خالى هو المشير عامر، والحق أن خالى هو صادق حلاوة الذى كان ضابطا فى الشرطة لا قائدا للجيش.. وكنت أكتب فى مجلة «الإذاعة والتليفزيون» عمودا أسبوعيا قلت فيه الكثير، ومنه «إننى أجد خطرا كبيرا فى احتكار جهة واحدة للتليفزيون»، وإنه «لا يكفى أن نقول إن التليفزيون جهاز من أجهزة الدولة يعمل تحت رقابة قوى الشعب العامل، بل لابد لهذه القوى أن تشارك فى إدارة التليفزيون لا أن تراقبه فقط
بالرغم من ذلك فأنا لا أدعى أننا كنا نرفل فى نعيم من الحريات، وأعرف تماما أن عديدا من الصحفيين طردوا من مناصبهم ولوحقوا فى الستينيات وأعرف أسماءهم، وأعرف أن عملاق الصحافة مصطفى أمين سجن، وإن كان السبب هو تجاوزه لمهنته ومهمته ولا أريد أن أقول أكثر لأنه هو الذى فتح لى أبواب الصحافة فى 1955، ولكننى لا أود أن أذكر بصحفيين سجنوا أو طردوا فى عهود لاحقة، ولا حتى ببرامج تليفزيونية أوقفت فى تلك العهود مثل برنامج سمير صبرى «النادى الدولى» الذى حذف من الشاشة لأن فيفى عبده قالت فيه إنها من بلدة ميت أبوالكوم.. كل هذه سفاسف مقارنة بقمع الإعلام فى أيامنا هذه تحت دعاوى الحرية، أو مقارنة بأكبر عملية قمع شهدها الإعلام المصرى فى تاريخه الحديث فى بداية حكم الرئيس السادات، رحمه الله.
بعد «ثورة التصحيح» فى مايو 1971 كلفنى الدكتور حاتم بأن أرأس لجنة تحقيق فى التهمة التى وجهت إلى التليفزيون عندئذ، والإذاعة كذلك، بتخريب الاحتفال بعيد العمال الذى ألقى فيه الرئيس السادات خطابه فى أول مايو.. وكان معى فى اللجنة واحدة من رؤساء نيابة أمن الدولة، ومن التليفزيون كان المخرج أحمد عبدالفتاح والمهندس فاروق إبراهيم.. وتوصلنا جميعا إلى أن التشويش الذى حدث كان بترتيب من الاتحاد الاشتراكى، وذلك على براءة التليفزيون والإذاعة بعدة دلائل بينها أنه كان مستحيلا على أن مخرجا أن يتفادى نقل صور الرئيس عبدالناصر التى انتشرت فى جميع أرجاء الصوان، أو يتفادى أصوات الهتافات ضد الرئيس السادات والحفل مذاع على الهواء..
وعندما أبلغت وزير الإعلام بذلك رأى أننا سذج، وأننا لا ندرى بما يدور فى ماسبيرو، وأن مبناه حاشد بالشيوعيين.. ولما طلب منى كتابة تقرير آخر اعتذرت.. وذهبت يومها إلى صديقى سعد لبيب أنذره بأنه سيكون فى أول قائمة المتهمين كما ظننت.. وهذا ما حدث، فقد أحيل هو وصلاح زكى إلى المعاش مع اثنين من الإذاعيين الكبار «أعيدوا بعد ذلك بحكم قضائى ولكنهم تولوا مناصب استشارية بلا مسئولية حتى توفاهم الله».. ونقل من الإذاعة والتليفزيون يومها نحو 90 من العاملين فيها إلى مؤسسات أخرى، من بينهم نجمة كسميرة الكيلانى حولوها إلى وزارة التعليم
كانت سميرة الكيلانى دينامو البرامج الثقافية فى التليفزيون بعد الإذاعة.. وكانت هذه البرامج تلقى اهتماما خاصا من المسئولين، وكذلك من الجمهور الذى رأى لأول مرة طه حسين وتوفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهم على الشاشة يتحدثون صوتا وصورة.. بل إن التليفزيونن كان يجرى وقتها مقابلات مع أدباء أجانب، أذكر منها مقابلة جان بول سارتر أثناء زيارته لمصر قبل حرب يونيو بشهور قليلة.. ولم يكن التليفزيون لينجح فى إنتاج هذه البرامج إلا لأن مصر كانت تشهد وقتها حياة ثقافية وفنية مفعمة بالحيوية.. كان فى مصر كتاب يصدر كل 6 ساعات عن هيئة الكتاب، وكان فيها عمالقة كبار فى الأدب والفن.. كان فى مصر أدباء مثل فتحى غانم وإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعى، وكان فيها شعراء مثل عبدالرحمن الشرقاوى وصلاح عبدالصبور ومحمد عفيفى مطر، وكان فيها ملحنون مثل السنباطى والموجى وبليغ حمدى وكمال الطويل.. كان فيها علماء بارزون وصحفيون عمالقة وقامات كبار من المحامين والمهندسين وأساتذة الجامعات ونوابغ فى مناحى الحياة جميعا.. وكان فيها أيضا مطربون يطربون.. تكفى أم كلثوم بحفلاتها الشهرية فى سينما قصر النيل التى كان الحضور فيها دائما بملابس السهرة، ويكفى محمد عبدالوهاب وعبدالحليم وفريد الأطرش وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة.. أما نجوم السينما فلم يكن لهم حصر، نادية لطفى وأحمد مظهر وفاتن حمامة ورشدى أباظة وسعاد حسنى وفريد شوقى وغيرهم وغيرهم، كذلك كان مخرجو السينما الرواد أمثال يوسف شاهين وصلاح أبوسيف وأحمد بدرخان وتوفيق صالح الذى طفش إلى العراق بعد ملاحقته سياسيا فى السبعينيات
قلت فى مقال سابق فى «الشروق» إن نجاح التليفزيون، أى تليفزيون، يعتمد على أربعة معايير فى أولها أن يكون للدولة التى تعبر عنها المحطة مشروع وطنى ودور قومى فى محيطها، والثانى أن يتحلق حول رسالتها إجماع شعبى، والثالث أن تنبع المحطة من رحم نهضة فكرية وثقافية وفنية، أما المعيار الأخير فهو أن تعمل بمستوى مهنى عال.. واليوم أعود فأؤكد أن المعايير الأربعة توافرت فى أيام التليفزيون الذهبية فى الستينيات، وأن واحدا منها لا يتوافر لتليفزيون اليوم الذى يخدعنا باحتفالات اليوبيل الذهبى بإطلاق الألعاب النارية، وإطلاق قناة باسم «التليفزيون العربى» تخصص لبث تراث تليفزيون الستينيات كان يقال إنها تبث بشكل دائم إلا أن الأمر انكشف عندما اتضح أن بثها سيقتصر على أيام معدودة، ذلك أن تراث التليفزيون تم تبديده فى صفقات شائنة بيع فيها التراث من أفلام وأغان إلى قنوات عربية خاصة
أما القناة الأخرى التى كان مقررا أن تفتتح فى هوجة اليوبيل والتى تأجل إطلاقها إلى أكتوبر فهى قناة الأخبار العربية التى يرجع التفكير فيها إلى الفشل المزمن فى منافسة قناة الجزيرة، ويعود السبب فى تأجيل إطلاقها، كما قيل، إلى عدم اكتمال الاستعدادات الفنية.. والواقع أن الأمر لا يتعلق بذلك، بل يتعلق أولا وأخيرا، كما هو الحال بالنسبة لأى قناة إخبارية، بمدى الحرية ومدى الموضوعية المتاحة... والكل يعرف أن أيا من هذا غير متاح ولن يتاح طالما كان النظام القائم فى مصر قائما.. واقتراحى للتليفزيون إن كان يمكنه هضم أى اقتراح من جانبى أن يؤجل مشروعه هذا حتى يتم التغيير السياسى فى البلد، لأن الجمهور العربى بل الجمهور المصرى ذاته، لن يقبل على نشرة يتصدرها عنوة اسم رئيس الدولة وصورته لمجرد أنه ذهب إلى باريس لسبب غير مفهوم، أو لأنه عقد اجتماعا مع نتنياهو لا يقول لنا متحدثه الرسمى عنه شيئا سوى الكليشيهات التى أصبحت ممجوجة من كثرة تكرارها لكلام بلا معنى.
عندما سئل المشاهدون فى عام 1962 لماذا اشتروا جهاز التليفزيون قال 72٪ منهم إن السبب هو اكتساب معلومات جديدة، وقال نحو 90٪ من هؤلاء إنهم راضون عن القدر الذى يتلقونه من معلومات من التليفزيون. اليوم لا أستطيع أن أجزم بنتائج استفتاء كهذا، لكننى أعرف، ولدى عدة استفتاءات بكامل نتائجها، أن التليفزيون المصرى لا يتصدر إن لم نقل يتذيل قائمة القنوات التى يقبل عليها المصريون لاستقاء المعلومات، وأيضا للتثقيف والترفيه.. تليفزيوننا الآن هبط من أيام الستينيات الذهبية، بما لها وما عليها، إلى ما يقرب من الحضيض، وذهبت ريادته العربية إلى غير رجعة
بعد أن تحنط التليفزيون، تماما مثل النظام الذى يعبر عنه، نجده اليوم يتردى تماما كما يتردى النظام.. ويكفى فى هذا المقام أن أقتبس بعض ما قالته سيدتان فاضلتان تولت كل منها رئاسته فى فترة ما بعد الستينيات.. قالت الإذاعية القديرة سامية صادق فى حديث لها نشر فى «الشروق» منذ أيام: إن التليفزيون الآن فى مصر يهتم بالشكل دون المضمون، وإن الإعلان أفسد فيه كل شىء، وإنه يفتقد إلى الحس الفنى، وإن برامجه معلبة وبعضها متخلف.. وكررت السيدة سهير الأتربى فى حديثها لجريدة «اليوم السابع» هذا الأسبوع، اتهام التليفزيون بأن معظم برامجه إعلانية لا تعبر عن الشعب الذى ينفق على التليفزيون من فلوسه، بل إنها اتهمت وزير الإعلام بأنه لم يستهن فقط بأهل الخبرة وإنما تسبب فى إهدار المال العام وفى سرقة التراث.
والمؤكد أن السيد أنس الفقى وكل خبرته لا تزيد على كونه وكيلا لتوزيع مطبوعات أجنبية مسئول على هذا كله وأكثر، والمؤكد أن قامته لا يمكن أن تطال قامة عبدالقادر حاتم أو حتى من تلاه من وزراء مثل صفوت الشريف وجمال العطيفى ومحمد فائق وممدوح البلتاجى.. ولكننا يجب أن نأخذ فى الاعتبار أيضا أنه سكرتير للرئيس لا أكثر مكلف بشئون الورنيش الإعلامى.. والحكم الآن ليس فى حاجة إلى عملية تجميل بل إلى عملية تغيير.. لذلك فمن الظلم أن ينتهز البعض الفرصة ليطفئوا الكلوبات التى أشعلها تليفزيون اليوم عند سطح الهرم ليحتفل بيوبيل ذهبى لتليفزيون الأمس الذى لم يخرج من ضلعه.. الحل هو أن يرحل النظام القائم قبل أن يحتفل هو بيوبيله الذهبى.
حمدي قنديل يكتب عن بدايات لتليفزيون العربي (1 2)


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.