إطلاق منصة رقمية متكاملة لتعظيم إيرادات التأمين الصحي الشامل ودعم استدامة المنظومة الصحية    النائب عمرو علي: المواطن لم يشعر بنتائج النمو الاقتصادي نتيجة الزيادة السكانية الكبيرة    مهمة إنقاذ تاريخية.. مستشفيات سيناء تتحول إلى غرف عمليات دولية لاستقبال جرحى غزة    زيلينسكي: توقف الهجمات الروسية على منشآت الطاقة في أوكرانيا خلال 24 ساعة    الإغلاق الحكومي يدخل يومه الثالث.. ترامب يحث الكونجرس على التحرك    العراق ينفي رسميًا استقبال 350 ألف لاجئ سوري ويؤكد تأمين حدوده بالكامل    المدير التنفيذي للهلال الأحمر: مطبخ إنساني متنقل لتجهيز وجبات للأشقاء الفلسطينيين القادمين من غزة    المقررة الأممية لحقوق الإنسان: كفى تطبيعاً مع الاحتلال الإسرائيلي بالخضوع لإملاءاته    تأجيل اجتماع رؤساء النقابات الفنية لمناقشة أزمة تصريحات هاني مهنا    قبل الختام بيوم.. معرض القاهرة الدولي للكتاب يقترب من 6 ملايين زائر ويحقق رقمًا قياسيًا في تاريخه    محمد علي خير لوزيرة التخطيط بعد دعوتها لزيادة العمل: الناس في الشارع مابتروحش.. وكبار الموظفين بقوا شغالين أوبر    ردد الآن| دعاء النصف من شعبان.. فضل الليلة المباركة وأفضل الأدعية المستحبة    دعاء استقبال شهر رمضان.. كلمات إيمانية لاستقبال الشهر الكريم بالطاعة والرجاء    أهمية الصدقة في شهر شعبان.. باب واسع للخير والاستعداد الروحي لرمضان    الصحة: أكثر من مليون خدمة طبية بمنشآت أسوان خلال 2025 ضمن خطة تطوير المنظومة الصحية    مايوركا يضرب إشبيلية برباعية ويقربه من مراكز الهبوط    التابعي: علامة استفهام على رحيل دونجا.. ومعتمد جمال لا يعمل في أجواء مناسبة    إيهاب المصرى: محمد صلاح ليس أهلاويا ويميل للزمالك أو الإسماعيلى    الخامس من تشيلسي.. ستراسبورج يستعير أنسيلمينو    بعد أزمته مع القادسية وعودته لمصر، موقف كهربا من الرجوع إلى الأهلي    بسبب التعدي على الصغار.. بدء محاكمة مديرة مدرسة الإسكندرية للغات و17 من العاملين بها 12 فبراير الجاري    أصغر أطفالها لحق بها.. وفاة نجل مستشار بعد والدته في حادث انقلاب سيارة بأسيوط    المجلس القومي للمرأة يشيد بدور الأزهر الشريف في دعم حقوق المرأة    أوقاف الإسكندرية تحتفل بذكرى تحويل القبلة وليلة النصف من شعبان بمسجد سيدي جابر الأنصاري    وزير العدل يستقبل رئيس المحكمة العليا بموريتانيا.. صور    من إفراج إلى المداح 6.. MBC مصر تكشف قائمة مسلسلات رمضان    بنزيما يواجه الاتحاد بعد 16 يوما من انتقاله إلى الهلال    سندرلاند يكتسح بيرنلي بثلاثية نظيفة ويتقدم للمركز الثامن بالدوري الإنجليزي    سندرلاند يستعيد الانتصارات ويضرب بيرنلي بثلاثية    روما يسقط في فخ الخسارة أمام أودينيزي بالدوري الإيطالي    شعبة الاتصالات تقترح 3 حلول لتخفيض أسعار أجهزة المحمول ومنع التهريب    حابس الشروف: الدعم الإقليمي لمصر والأردن ساهم في تثبيت الفلسطينيين    الصحة: خطتنا الطارئة تتضمن توفير مختلف الخدمات الطبية والجراحية والعلاجية لجرحى ومرضى غزة    محافظ الإسماعيلية يشهد احتفال الأوقاف بليلة النصف من شعبان    نقيب الموسيقيين مصطفى كامل يدعو لاجتماع لبحث أزمة هاني مهنا..غدا    رمضان 2026| الأحداث تتصاعد بين محمود حميدة وطارق لطفي في «فرصة أخيرة»    راجعين من عزاء.. وفاة 6 من عائلة واحدة في حادث سير بأسوان    برلماني يوضح حقيقية فرض غرامات على الأطفال مستخدمي الموبايلات    «كل من عليها بان».. ندوة للشاعر علاء عيسى بمعرض القاهرة الدولي للكتاب    البيئة: عمل تقرير خاص بتأثير التغير المناخي على المدن المختلفة مثل ارتفاع درجات الحرارة    ضمن فعاليات المؤتمر الدولي ... نقاشات واسعة لمكافحة ختان الإناث وزواج الأطفال    طبيب تغذية يكشف أفضل إفطار صحي في رمضان.. ويُحذر من كثرة تناول الفاكهة    محافظ القليوبية يشهد احتفالية ذكرى ليلة النصف من شعبان    محافظ أسيوط يهنئ الرئيس السيسي بمناسبة ليلة النصف من شعبان    الكشف على 1563 مواطناً ضمن قوافل صحية بالغربية    تكريم صاحب المبادرة المجتمعية الأعلى تقييمًا في «الإصلاح الضريبى»    متسابقو بورسعيد الدولية يروّجون لمعالم المدينة خلال جولة سياحية برفقة شباب المسابقة    محكمة استئناف الجنايات تؤيد إعدام قاتلة أطفال دلجا ووالدهم بالمنيا    ملتقى الإبداع يناقش «حلم في حقيبة» بمعرض الكتاب    رئيس جامعة بنها يفتتح مؤتمر "التمكين المهني والتقدّم الوظيفي استعدادًا لمستقبل العمل"    الطب البيطري بجنوب سيناء: توفير ملاجئ آمنة للكلاب الضالة    رئيس الوزراء يتابع الموقف التنفيذي لمشروعات حماية الشواطئ    عصابة المنيا في قبضة الأمن.. كواليس النصب على عملاء البنوك    وزارة الزراعة تطرح كرتونة البيض ب 110 جنيهات بمعرض المتحف الزراعى بالدقى    برلمانية المؤتمر بالشيوخ: نؤيد تطوير المستشفيات الجامعية ونطالب بضمانات تحمي مجانية الخدمة والدور الإنساني    صدام القمة السعودي.. الأهلي يواجه الهلال في مواجهة مفصلية لدوري روشن 2025-2026    حالة الطقس.. أتربة عالقة وأجواء مغبرة تغطى سماء القاهرة الكبرى والمحافظات    تسليم نظارات طبية لأكثر من 5000 تلميذ بالمرحلة الابتدائية ضمن مبادرة «عيون أطفالنا مستقبلنا» في بني سويف    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يوميات الأخبار
مدينة.. ضد العنصرية
نشر في الأخبار يوم 12 - 02 - 2013


جمال الغىطانى
في معظم مدن العالم مناطق للأقليات عرقية أو دينية، بل أحياناً يكون صارماً، ولكن الوضع في القاهرة كان علي امتداد التاريخ مختلفاً
توزعت أيامي علي القاهرة وتفرقت علي دروبها وشوارعها وميادينها ومساجدها وكنائسها وبيوتها التي وصلت إلينا من أزمنتها مختلفة، ولأنني أعيش فيها وأحبها فقد سعيت إلي فهمها والتجوال في أمنتها والعناصر الخفية التي تحكمها، القاهرة الآن مدينة شاسعة، ضخمة، يعيش فيها حوالي عشرين مليوناً، تتجاوز فيها الأزمنة من فرعونية في الغرب، قبطية في الجنوب، إسلامية في القاهرة العتيقة، عنصر غالب يشكل الإطار الضام لهذا كله مركزه ما يعرف بالقاهرة الفاطمية، أو العتيقة. من أهم الملامح لتلك المدينة العريقة أنها لم تعرف في تصميمها التعصب أو العنصرية، بقراءة تقسيماتها وجغرافيتها وطوبغرافيتها سنجد أنها مدينة طابعها الأساسي التسامح، لذلك لم أعرف معني التعصب أو العنصرية إلا من خلال ما ورد إليّ من الخارج، من خلال معرفة تاريخ العالم وحاضره وبعض الشوائب في حياتنا المعاصرة، خاصة خلال السنوات الثلاثين الأخيرة، إنني أفضل أن أبدأ من أرض الواقع، بالتحديد من جنوب القاهرة، حيث حصن بابليون مركز العاصمة في العصر الروماني، والفسطاط التي أسسها القائد العربي عمرو بن العاص قائد الجيش العربي الذي غزا مصر في القرن السابع الميلادي، هنا نقف أمام مجموعة الكنائس القبطية الشهيرة في المنطقة المعروفة الآن بمار جرجس حيث توجد أشهر الكنائس القديمة في مصر وهي الكنيسة المعلقة ويرجع تاريخها إلي أواخر القرن الرابع الميلادي وإلي نفس الحقبة يرجع تاريخ كنيسة أبي سرجة، وكنيسة القديسة بربارة، وهذه الكنائس إضافة إلي المتحف القبطي تعتبر من أهم المزارات التاريخية والسياحية الآن في القاهرة.
في نفس المنطقة بني فيها الفاتح العربي والقائد المسلم عمرو بن العاص أساس أول مدينة إسلامية ليس في مصر فقط ولكن في افريقيا، كان يوجد عدد من معابد اليهود المهمة، ويذكر المؤرخ الذي صان تاريخ القاهرة القديم من الاندثار، المقريزي، الذي عاش في القرن الخامس عشر الميلادي ونقل عن مصادر قديمة لم تصلنا، يذكر عددا من المعابد اليهودية في الفسطاط منها معبد »المصاصة« الذ بني قبل الفتح الإسلامي، يقول المقريزي عنه:
»هذه الكنيسة يجلها اليهود وهي بخط المصاصة من مدينة مصر ويزعمون أنها رممت في خلافة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وموضعها يعرف بدرب الكرمة وبنيت في سنة خمس عشرة وثلثمائة للأسكندرية وذلك قبل الملة الإسلامية بنحو ستمائة وواحد وعشرين سنة ويزعم اليهود أن هذه الكنيسة كانت مجلساً لنبي الله إلياس..«
يحدثنا المقريزي عن معبد »أو كنيسة كما يسميه« الشاميون بخط قصر الشمع بالفسطاط، ومعبد العراقيين.
عندما تم فتح مصر علي أيدي العرب المسلمين كان أهل مصر من المسيحيين واليهود، الغالبية من المسيحيين، وأقلية من اليهود، وكانت كلمة »قبطي« تطلق علي جميع المصريين، ثم أصبحت تعني بعد ذلك المصريين المسيحيين.. لقد عقد صلح بين المصريين والفاتحين الجدد، وأعلن أمان يكفل للمصريين من المسيحيين واليهود الأمان لممارسة حرية العبادة في الكنائس والمعابد، ويشمل الأمان أنفسهم وأموالهم وآدميتهم، كان عمرو بن العاص وهو يمنح المصريين هذا الأمان يعبر عن جوهر الدين الجديد من تسامح وسمو روحي، وقد ظل هذا جوهر الدين الإسلامي فيما تلا ذلك من عصور، عندما زرت الأندلس والمجر ويوغوسلافيا وبلغاريا رأيت عدداً من المساجد التي تمت إلي الزمن العثماني يعلوها الصلبان، في الأندلس جرت محاولات لطمس الملامح المعمارية الإسلامية، وجدت أيضاً الكنائس القديمة السابقة علي دخول المسلمين تلك الديار سليمة لم تمس، كذلك الآثار الرومانية، لم تتعرض للتدمير علي أيدي العرب أو الأتراك المسلمين، في مصر لم تمس الكنائس القبطية، أو المعابد اليهودية في أول مدينة يشيدها العرب المسلمون، الفسطاط، ولم يقتصر الأمر علي المنشآت الدينية فقط، إنما امتد الأمان والتسامح إلي رجال الدين، إلي الأموال، إلي البشر. هكذا.. ظهر البطرك القبطي بنيامين الذي اختفي قبيل وصول قيرس حاكم مصر من قبل الامبراطور البيزنطي هرقل إلي الاسكندرية سنة 136 ميلادية، عندما علم عمرو بن العاص باختفائه أرسل كتاباً إلي جميع أقاليم مصر يؤمنه فيه علي نفسه ويدعوه للظهور حتي يشرف علي شئون القبط، وفعلاً عاد البطرك إلي مقره في الاسكندرية بعد اختفاء استمر ثلاثة عشر عاماً.
ونتيجة لعوامل عديدة منها أصالة الإسلام وتسامحه وقدرته علي استيعاب الحضارات القديمة وتكييفها وإعادة تقديمها، ومنها قدرة مصر علي استيعاب الوافد، وتمصيره، لم ينقسم الشعب المصري إلي طوائف منعزلة عن بعضها، متباعدة أو منغلقة علي نفسها بعد دخول أعداد كبيرة من المصريين في الدين الجديد، لقد ظل المصريون وحتي الآن جماعة واحدة، متداخلة، متجانسة، منهم المسلم، ومنهم القبطي، ومنهم اليهودي.. وانعكس ذلك علي شتي مظاهر الحياة، وبالتحديد طوبغرافية القاهرة التي لم تعرف علي امتداد تاريخها التمايز في المناطق السكنية، حيث تخلو تماماً من وجود مناطق أو أجزاء مغلقة علي سكان ينتمون إلي دين معين أو جنس ما، هناك تداخل وتجانس في المدينة كلها، وإذا كنا بدأنا من الفسطاط حيث الكنائس العتيقة ماتزال في مواقعها الحقيقية، تتلامس في الفراغ ظلال أبراجها التي ترفع الصلبان مع مآذن المساجد التي تنتهي بالهلال، ومنها مئذنة أول مسجد في مصر، وفي افريقيا كلها، مسجد »عمرو بن العاص«.
لقد استمر التسامح هو القانون العام، والمنطق الأول لتدفق الحياة في المدينتين التاليتين، العسكر التي أسسها الخلفاء العباسيون والقطائع التي أسسها أحمد بن طولون، العسكر والقطائع الآن أحياء صغيرة في المدينة القديمة، القاهرة التي وضع أساسها جوهر الصقلي القائد الفاطمي، بالتحديد في 71 شعبان سنة 853 هجرية »6 يوليو 969 ميلادية«. لقد نمت عاصمة الفاطميين واتسعت واحتوت جميع المواضع والمدن التي سبقتها، وأصبحت العواصم السابقة مجرد مناطق صغيرة من مكوناتها، بدءاً من منف الفرعونية وبابليون الرومانية، والفسطاط والقطائع والعسكر الإسلامية، هكذا احتوت القاهرة الأزمنة المختلفة وحولتها إلي عناصر في زمنها الخاص، وهذا جوهر وقتي الخاص بها.
قصر الشوق
دير للأقباط اسمه دير العظام
بستان
حصن صغير قديم، كان معروفاً باسم »قصر الشوك«
هذا ما كان موجوداً في تلك المنطقة الممتدة قرب جبل المقطم والتي أرسي فيها جوهر الصقلي أساس المدينة الجديدة، القاهرة.
حصن »قصر الشوك« اختفي، بقي منه الآن الاسم فقط، أصبح »قصر الشوق« إنه اسم شارع شهير بالجمالية، ويحمله أيضاً الجزء الثاني من ثلاثية نجيب محفوظ الشهيرة، حارة صغيرة اسمها »درب الطبلاوي« تتفرع من شارع قصر الشوق، في أحد بيوتها أمضيت طفولتي وشبابي.
يوم ما.. لا يمكنني تحديد موقعه الآن، لا من مسيرة الزمن، ولا من عمري، أذكر خروجي بصحبة أبي لزيارة أحد أبناء بلدتنا جهينة التي ولدت بها في أعالي الصعيد، إنه قبطي، مازلت أذكر اسمه »فخري غورس«، كان تاجراً، يمتلك متجراً يبيع فيه الثوم والليمون والزيتون بالقرب من مسجد الحاكم بأمر الله، ولكنني أذكر أنه قدم إلينا طبقاً من البسكويت والكعك الذي يقدمه المسلمون في عيد الفطر، كعك العيد الذي كانت تسهر والدتي رحمها الله الليالي الأخيرة من شهر رمضان لإعداده، إنه نفس الكعك المحشو بالملبن أو البلح والمغطي بالسكر الناعم، ويقال إن المصريين عرفوه لأول مرة في العصر الفاطمي، لقد عرف المجتمع المصري أعياداً للأقباط وأعياداً للمسلمين وأعياداً لليهود، كل عيد اتصف بمظهر وتقاليد معينة، ونلاحظ احترام كل عنصر للآخر، بل والحرص علي المشاركة، غير أنني أشير إلي شهر رمضان الكريم وحرص جيراننا الأقباط علي احترام شعور اخوانهم المسلمين، بل تناول الوجبة الرئيسية داخل بيوتهم بعد الغروب، والحرص علي تقديم التهنئة للجيران المسلمين في عيد الفطر وعيد الأضحي، وأذكر أثناء ترحالي في صعيد مصر مشاركة المسلمين بأعداد كبيرة في موالد »العذراء« التي تقام بالأديرة القبطية، وفي تقديري أن هذه الموالد تحوي الكثير من العناصر المنحدرة إلينا من العصر الفرعوني.
من درب الطبلاوي بقصر الشوق كنت أخرج بصحبة الوالد إلي ميدان سيدنا الحسين إلي المسجد الأزهر، إلي باب زويلة، وكثيراً ما كنا نعبر منطقة الباطنية، ونمر في قلب المنطقة المزدحمة، العامرة بالبيوت، والمساجد، وأضرحة أولياء المسلمين.. نمر أمام كنيسة عتيقة، مهيبة المظهر، وكثيراً ما تطلعت إليها، وعندما تقدم بي العمر، ورحت أجوس خلال المدينة بمفردي، إما في شوارعها أو زمنها، كنت أفكر في تاريخ هذه الكنيسة، وموقعها الفريد، القريب من الجامع الأزهر، وشيئاً فشيئاً تتكشف لي إحدي المعالم القوية، الثابتة، للتسامح في قاهرتنا العريقة.
الكنائس
يذكر المقريزي في كتابه الموسوعي »المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار« المعروف بالخطط المقريزية سبع عشرة كنيسة قبطية في القاهرة، موزعة علي جميع أنحاء المدينة، ولا تتركز في منطقة واحدة، بل نلاحظ أن معظمها يقع في قلب المدينة وجنباً إلي جنب مع المساجد الكبري، من الكنائس التي ذكرها المقريزي:
كنيستا الخندق وكنيسة حارة زويلة، وكنيسة المغيثة بحارة الروم، وكنيسة بوفيا وكنيسة المعلقة وكنيسة شنودة وكنيسة مريم وكنيسة بوجرج وكنيسة بربارة وكنيسة بوسرجة وكنيسة بابليون وكنيسة تادرس الشهيد وكنيسة بومنا بجوار بابليون وكنيسة بومنا وكنيسة الزهري وكنيسة ميكائيل وكنيسة مريم.
في خطط علي باشا مبارك المكتوبة في القرن التاسع عسر، يذكر علي باشا مبارك ثماني وعشرين كنيسة إذا تأملنا مواقعها سوف نجد أنها تغطي المدينة من شمالها إلي جنوبها ومن شرقها إلي غربها.
كنيسة الأرمن، بوسط شارع بين السورين.
كنيسة الأرمن الكاثوليك، داخل عطفة الأحمر بدرب الجنينة.
كنيسة الأروام، بشارع الحمزاوي علي يمين المار من الحمزاوي إلي الوراقين »ماتزال موجودة وتبعد عن الجامع الأزهر أقل من نصف كيلو متر«.
كنيسة الأروام: داخل حارة الروم من شارع السكرية.
كنيسة الروم: داخل عطفة البطريق بحارة الروم.
كنيسة خميس العدس: بجوار مدرسة الفرنساوية بآخر شارع خميس العدس.
كنيسة درب الطباخ: بشارع حارة اليهود.
كنيسة الدير: داخل عطفة الدير بشارع وكالة الصابون.
كنيسة السرباني: داخل درب قطري من درب الجنينة.
كنيسة السبع بنات: آخر حارة الدحديرة الموصلة لشارع كلوت بك.
كنيسة الشوام: داخل عطفة البحري بدرب الجنينة.
كنيسة القبط: بحارة زويلة.
كنيسة القبط: داخل عطفة من شارع الدرب الواسع الموصل لشارع كلوت بك.
كنيسة القبط: أول درب المواهي من شارع حارة الحمام بقرب حارة السقائين.
كنيسة الموارنة: داخل درب الجنينة.
يذكر كنائس أخري بالخرنفش، وشارع الدهان، ودرب المبلط وشارع الدروة ودرب الكتان ودرب النصيري وشارع الصقالبة وداخل حوش الصون، وفي عطية المصريين وداخل حارة البرابرة بالموسكي، ويتحدث علي باشا مبارك مطولاً عن مقر البطريركية الأرثوذكسية بمنطقة الأزبكية، وهذا المقر المهيب اختار موقعه وتبرع بتكاليفه الزعيم الراحل جمال عبدالناصر في الستينيات، ونلاحظ أن المقر البطريركي الحالي أو القديم في الأزبكية أو الأقدم في حارة الروم، في كل هذه الحالات والعصور كان المقر قائماً في منطقة لا توجد بها أغلبية قبطية، بالعكس.. ذلك أن القاهرة لم تعرف كما ذكرت الأحياء أو المناطق المغلقة علي طائفة واحدة، أو أصحاب دين واحد، ذلك أن المجتمع المصري كان مجتمعاً يعيش فيه المصريون كجماعة واحدة، داخلها مسلمون وأقباط ويهود، ويكفي أن نراجع مرة أخري مواقع دور العبادة والقائمة حتي الآن لنتأكد من هذه الحقيقة.
المعابد
في قلب القاهرة الفاطمية توجد منطقة اسمها حارة اليهود، تقع غرب خان الخليلي السوق الشهيرة، وعلي بعد اقل من نصف كيلو متر من مسجد الامام الحسين، المركز الروحي لمصر كلها، تتكون حارة اليهود من ازقة صغيرة متداخلة، تماما مثل الاحياء القديمة الاخري للقاهرة، اي انها لاتنفرد بتلك الخاصية، بل انها تعتبر امتدادا لسوق خان الخليلي الشهير بتجارة التحف، واذا كان سوق خان الخليلي مكانا للعرض، فان حارة اليهود مكان التصنيع للعديد من التحف الفضية والذهبية، رغم الاسم »حارة اليهود« فلا يمكن اعتبارها جيتو خاص، او »ملاح« كما يطلق علي اماكن اقامة اليهود في المغرب، اذكر في حارتنا بقصر الشوق عائلة قبطية، كان عميدها اسمه فخري بطرس، وعائلة يهودية اذكر الاسم الاول من عائلها الذي كنا نناديه بيا عم ابراهيم.
لم تعرف القاهرة قط اماكن للسكني القائمة علي التجمع الديني او الطائفي، ويمكن من تأمل اماكن وجود دور العبادة في القاهرة ان نلحظ توزعها علي سائر احيائها، في القاهرة الان ثلاثون معبدا يهوديا ومحفلا تنتمي الي فرق مختلفة، يهود مغاربة واتراك ويهود من اصول ايطالية ومغربية وفرنسية، اما اليهود المصريون فكانوا جزءا أصيلا من المجتمع المصري منذ القدم، وللاسف خسر المجتمع المصري بخروجهم بعد حرب عام ستة وخمسين احد عناصره الاصيلة، والان يمكنني القول ان خروجهم كان من الأخطاء الجمة، وقد توجه معظمهم الي فرنسا واستقر بها وسافر بعضهم الي اسرائيل، لم يخرج معظم اليهود فقط، انما خرج اثرياء مسيحيون ممن أممت ممتلكاتهم بعد القرارات الاشتراكية في عام واحد وستين من القرن الماضي، كما خرج اجانب كانوا ينتمون الي اعراق مختلفة ويتركز معظمهم في الاسكندرية، ومرة اخري اقول ان هجرتهم كانت خسارة للمجتمع المصري، اذ افقدته احد عناصر التنوع، في المدينة تظل دور العبادة قائمة حتي وان هجر بعضها فانه لم يمس، في قلب القاهرة الحديثة لم تتوقف الشعائر الدينية في اهم معبد يهودي- وليس اقدمها- ومازال حوالي ثلاثمائة يهودي يؤدون شعائرهم الدينية فيه، معظمهم كبار السن، المعبد بين قائمة الآثار المشمولة برعاية الدولة نظرا لحداثته النسبية »حوالي مائة عام« ولكن المعابد الاخري تعتبر آثارا منذ زمن طويل لان عمرها مئات السنين تماما مثل المساجد والكنائس.
من ديوان النثر
علم
اول العلم الصمت، والثاني الاستماع، والثالث الحفظ، والرابع العقل، والخامس النشر.
ابن قتيبة »عيون الأخبار«


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.