يسرى الفخرانى ثلاث كلمات هزت قلوبنا : حزين علي بلدي . عندما يكتبها قلم الأستاذ أحمد رجب ويمضي تاركا المربع لدموعنا.. فإن المعني أكبر من الاحتمال والحزن أعمق من الصبر، والمصيبة أعظم مما نتخيل . هل قرأت أحمد رجب اليوم ؟ . ثم لا ينتظر الإجابة ليقول لك إن مفكرا بقيمة أحمد رجب كتب : حزين علي بلدي . تبدو الكلمات مألوفة . لكن من المؤكد أن بساطتها اختصرت كل حالات الحزن وأشكاله ووجعه في قلوب كل مصري .. هذا الأستاذ النبيل نموذج لكاتب وطني شريف . مثال للإعلام كما يجب أن يكون . إعلام يخاطب القارئ أو المستمع أو المشاهد بلغة بسيطة مباشرة واضحة والأهم : صادقة . لا غرض فيها لا كذب منها لا خوف عليها .. قابلت الأستاذ أحمد رجب مرات قليلة في حياتي . المرة الأولي التي لا أنساها كانت علي شاطئ المعمورة في الإسكندرية حيث كان وربما مازال يحب قضاء إجازة صيفية طويلة هناك . ومن يومها.. لم ينزل الرجل من نظري كما حدث بعد ذلك مع عشرات الكبار في عالم الصحافة . ظل في يقيني رجلا قويا يتحدي إغراء كل منصب أو شهوة سلطة . بعيدا عن الأضواء يطل من نافذة صغيرة وأصبحت أصغر بكثير في عالم يتسع بآلاف النوافذ الإعلامية . نافذته الصغيرة لم تفقد رغم كل تطور حدث في وسائل الإعلام قوتها وطلتها المميزة . ظل قلمه محتفظا بقيمة الغطاء الذهبي التي مهما اهتزت بورصات الحياة.. هو قائم في محرابه يتأمل التفاصيل الصغيرة التي تمر في أيامنا فيصنع منها طاقة نور مهما كانت العتمة . هذا وقت الكتابة عن أحمد رجب . لأن هذا هو قت البحث عما تبقي لدينا من قلوب نظيفة وضمائر متيقظة . إن مقال أحمد رجب مهما كان صغيرا أو قصيرا يفضح إعلاما مصريا غارقا في مصالحه . أو غارق في جهله . كلاهما صحيح ! الإعلام الذي يحول المجرمين إلي أبطال . ويحرض المواطن علي مقاطعة جاره أو زميله أو شقيقه . الإعلام الذي يترك صفحاته وشاشاته لقضايا مثيرة لمجرد أن تدر إعلانا إضافيا أو جدلا في الشارع . هو إعلام مريض . إعلام يستحق المحاكمة . إعلام يتجاهل الدواء ويصر علي أن يفتح مزيدا من الجروح . إعلام يعيش علي الدماء التي تسيل في الشوارع وإذا لم يجدها.. اخترعها . إعلام حول انتخابات الرئاسة إلي " نايت كلوب ".. لم يبق غير النقطة والراقصة ! هل تصدق هذا الإعلام الذي ينهش في عقول الناس بالباطل ؟ الذي يقدم لهم الرئيس القادم برعاية برسيل أو إيريل أو بطاطس شيبس ! إن وجود الأستاذ أحمد رجب يفضح بالضرورة إعلام الآخرين. يفضح مقالات كل مبتز أو عميل أو مندس أو مغرض!. قلم أحمد رجب.. والقليل الباقي من ضميره في مهنة لم يعد لها قلب أو عندها نقطة دم.. هم البقية التي تحمل قناديل الأمل ومصابيح المنطق في هذا الوطن . حزين علي بلدي. كم واحد من الإعلاميين ينطق بهذه الكلمة : بلدي ؟ كم واحد يقول : وطني؟ كم واحد حزين أصلا ؟ . إنهم.. يتكلمون عن بلد آخر ووطن آخر وحزن آخر . يذهبون آخر الليل إلي بيوتهم دون أن يمروا بنفس الشوارع التي نمر منها ولا يرون نفس الناس الذين نعيش بينهم . يمارسون مهمة.. وليس مهنة. والفرق كبير جدا بين أن تكون في مهمة قد تنهيها أو تنتهي منها في أي وقت ثم تذهب إلي مكان آخر.. وبين أن تمارس مهنة أخلاقية لا تكتفي بالبحث عن الخبر.. لكن الاطمئنان علي أصحاب الخبر.. هل هم بخير ؟ الإعلام المصري مسئول عن الجزء الأكبر مما يحدث الآن.. شكرا لأستاذنا أحمد رجب الذي يؤكد لي أن الكاتب الشريف.. هو الذي يعيش دوما في قلب الناس .