بدأت بسيطة وصارت معلماً للمساجد تعددت تصميماتها واختلفت أحجامها.. ومنبر الرسول الأول فى الإسلام عُرف المسلمون منذ فجر الإسلام بالإبداع والفن حتى الإعجاز فى مجالات عدة، فهُم لهم عطاءات خالدة فى مختلف المجالات كالفن والنحت والمعمار وغيرها، ولم تقتصر تلك العطاءات على بيئة ثقافية واحدة أو حضارة إنسانية معينة، بل امتزجت مع مختلف الفنون والثقافات والمدارس الفكرية، فكانت «المنابر الإسلامية» أحد المجالات التى أظهرت ذوقهم الجمالى الرفيع وقدراتهم على استغلال إبداعهم وفكرهم وتنفيذه على أرض الواقع. فكانت لها مكانة مخصصة وعظيمة عند المسلمين لأن رسول الله «صلى الله عليه وسلم» خصّها بأحاديث تؤكد قدسيتها فقد روى عن بن سعد أنه بعد أن انتهى النجار من صنعه جاء الرسول «صلى الله عليه وسلم» وقال: «منبرى هذا على ترعة من ترع الجنة وقوائم منبرى رواتب فى الجنة، وما بين قبرى ومنبرى روضة من رياض الجنة». بدأت المنابر فى الظهور كبداية بسيطة جداً ومتواضعة جداً، إلا أنها لم تلبث أن انطلقت سريعاً حتى أصبحت معلماً بارزاً من معالم كل مسجد، وأصبحت عنصراً أساسياً لدراسة فن العمارة الإسلامية فى مختلف أنحاء العالم. فلم يكن النبى (صلى الله عليه وسلم) يخطب على المنبر، وإنما كان يعتمد إلى جذع نخلة حين يخطب الناس، وذلك قبل أن يصنع له المنبر، وكانت لفكرة صنع المنبر النبوى حينها سببان رئيسيان هما: أنه كثر الناس فى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فكان إذا خطب عليه السلام لا يرونه، ولا يسمع صوتُه من بعد عنه فى المجلس، وأنه (صلى الله عليه وسلم) كان يخطب الناس فيطيل أحياناً فى الخطبة فيثقل عليه جسده ويتعب، فصنع له المنبر ليجلس عليه حين يكلم الناس. ولم تقتصر وظيفة المنابر على الخطبة فقط بل تعددت وظائفها فهى تعد مظهراً من مظاهر السيادة وعلامة من علامات الغنى والذوق، وكان أول المنابر فى الإسلام هو منبر الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، حيث كان يخطب فى المسلمين بمسجده، وقد صنعه له رجل يُدعى «كلاب» كان فى خدمة عمه العباس بن عبدالمطلب، وكان يتكوّن من خشب الاثل ومتألفًا من ثلاث درجات، يجلس الرسول على الثالثة ويضع رجله على الثانية، فلما ولى أبوبكر الصديق رضى الله عنه كان يجلس على الثانية ويضع رجله على الدرجة السفلى، وجاء عمر فجلس على الاولى ووضع رجله على الأرض. ولم يقتصر تطور المنبر إلى هذا الحد فقد تطور وازدادت عدد درجاته مع مرور الأزمنة فعندما انتقل الأمر إلى الدولة الأموية، وفى خلافة معاوية رضى الله عنه زاده مروان بن الحكم ست درجات من أسفله، فصار تسع درجات بالمجلس، يقف الخلفاء على الدرجة السابعة وهى الأولى من المنبر الشريف. وقال ابن زبالة عندما شاهد المنبر واصفًا إياه:«ذرع طول المنبر اليوم أربع أذرع، وعرضه ذراع وشىء يسير، وما بين الرمانة المؤخرة والرمانة التى كانت فى منبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) القديم ذراع وشىء، وما بين رمانة منبر النبى (صلى الله عليه وسلم) إلى الرمانة المحدثة فى مقدم المنبر ذراعان وعظم الذراع، وما بين الرمانة والأرض ثلاث أذرع وشىء، وطول المنبر اليوم من أسفل عتبته إلى مؤخره سبع أذرع وشبر، وطوله فى الأرض إلى مؤخره ست أذرع». وأفاد ابن زبالة، رحمه الله، أيضاً أن مروان ابن الحكم عمل فى جنب المنبر الشرقى ثمانى عشرة كُوَّة مستديرة شبه مربعة، وفى جنبه الغربى مثل ذلك، كما عمل فى حائط المنبر الخشب عشرة أعواد ثابتة، والمنبر مبنى فوق دَكّة من المرمر مرتفعة قدر ذراع. ولما انتقل الأمر إلى الدولة العباسية، قام بعض الخلفاء بتجديد المنبر نظراً لتقادم صناعته، وفى عام 654ه احترق المسجد النبوى الشريف واحترق فيه المنبر أيضاً، قال ابن عساكر رحمه الله: « قد وُضعَت بقايا المنبر المحترق فى الدكة، أو الحوض المرمرى الذى كان أسفل المنبر، وبنى فوقها بالآجر بحيث سد جوف ذلك الحوض كله فصار دكة مستوية». ليرسل بعدها الملك المظفر صاحب اليمن سنة 656ه منبراً جديداً من الصندل له رمَّانتان، فنصب فى موضع المنبر النبوى الشريف، وبقى عشر سنوات يُخطب عليه. وإلى الآن للمنابر عشاق لأشكالها وزخرفتها إذ أصبحت بعض المنابر قطع فنية نادرة ومزار للكثير من الأشخاص وذلك إما لدقة زخرفتها، أو قدم صنعها، أو جمال شكلها، أو نفاسة أخشابها ومعدنها، ومن تلك المنابر الشهيرة التى ذاع صيتها: منبر المسجد الأقصى، الذى أُمر نور الدين زنكى بصنعه فى حلب قبل طرد الصليبيين، وبقى فى حلب لمدة عشرين عامًا،حتى حرر صلاح الدين الأيوبى القدس، فحمله إلى المسجد الأقصى ووضعه فيه تحقيقاً لحلم نور الدين المجاهد الكبير، ومنبر جامع قرطبة الذى بناه الحكم المستنصر، واستغرق بناؤه 7 سنين، ومنبر مسجد السلطان أحمد فى تركيا المصنوع من المرمر النفيس. واختلفت الآن أحجام المنابر تبعًا لحجم المسجد أو المكان المقام فيه، كما تعددت تصميماتها وعناصرها والخامات المصنوع منها بما يتناسب مع حجم الحيز الداخلى للمسجد وارتفاع السقف وعناصر العمارة الداخلية للمسجد وحتى لا يقطع الصفوف الأولى من المصليين ويحقق الاتصال بين القائم على المنبر والمصلين، ومن أحدث المنابر: منبر جامع الملك الحسن الثانى فى الرباط، ومنبر جامع الروضة فى حلب الشهباء.