وزير الدفاع يشهد تنفيذ المرحلة الرئيسية للرماية الصاروخية لقوات الدفاع الجوي    إصابة شخص بطلق ناري في مشاجرة بقنا    مطار شرم الشيخ الدولي.. واجهة سياحية عالمية بتطوير مستمر ورؤية تشغيلية حديثة    نتنياهو يطلب العفو رسميًا من الرئيس الإسرائيلي    الزمالك يكشف موعد عودته للقاهرة بعد مباراة كايزر تشيفز    قائمة ريال مدريد - عودة روديجر وميليتاو وماستانتونو أمام جيرونا.. وغياب أسينسيو وهاوسن    «لا تشرب المياه ملوثة»| «الأكيلانس وسلطانجي» خلف القضبان بسبب محتوى مزيف.. والصحة: المواطن خط أحمر    تحديثات الطقس في السعودية اليوم... أمطار ورياح وتقلبات مع دخول الشتاء    طالبات «إمام ناصف» لوزير التعليم: الذكاء الاصطناعي ساهم في تطوير مهاراتنا    سحب دواء شهير لعلاج المعدة من الصيدليات    3.1% ارتفاعا في حالات الطلاق بمصر عام 2024    وزير الإسكان يتابع تجهيزات واستعدادات فصل الشتاء والتعامل مع الأمطار بالمدن الجديدة    500 قتيل جراء فيضانات وانهيارات أرضية في 3 دول آسيوية    فنزويلا تعلق علي قرار ترامب بغلق مجالها الجوي: سنرد ب كرامة وشرعية    وزير التعليم العالى يطلق فعاليات أسبوع البحث والابتكار بين مصر والاتحاد الأوروبى    محافظ جنوب سيناء يضع حجر الأساس لتطوير محطة معالجة مياه الصرف الصحي بدهب    دانيلو: عمتي توفت ليلة نهائي كوبا ليبرتادوريس.. وكنت ألعب بمساعدة من الله    ضبط 846 مخالفة مرورية بأسوان خلال حملات أسبوع    مصرع صياد وإصابة 7 آخرين في حادث تصادم سيارتين بالدقهلية    مصطفى غريب: كنت بسرق القصب وابن الأبلة شهرتى فى المدرسة    ليس له خبرة إدارية.. محمود البنا يهاجم أوسكار رويز رئيس لجنة الحكام    بعد تألقه مع الأهلي .. تريزيجيه يقتحم سباق الأفضل فى دوري أبطال أفريقيا    تعرف علي الصعوبات التي تهدد مفاوضات الأهلي مع مهاجم مغربي محترف فى إسبانيا    وزير الإسكان يتابع موقف تنفيذ وحدات المبادرة الرئاسية «سكن لكل المصريين»    جيش الاحتلال : استهداف 4 مسلحين من العالقين فى رفح الفلسطينية    كازاخستان تحتج على هجوم أوكراني بمسيرة على محطة نفط بالبحر الأسود    محافظ الشرقية يعدل مخططين تفصيليين لترحيل وإلغاء شوارع لمنع قطع حبيسة    بفارق 10 قروش وسط ترقب..أسعار الدولار اليوم الأحد 30-11-2025 في بني سويف    وزير الخارجية يلتقي أعضاء الجالية المصرية بإسلام آباد    فتح باب التقدم لامتحان الشهادتين الابتدائية والإعدادية الأزهرية 2025/ 2026    أمينا (كبار العلماء) و(البحوث الإسلاميَّة) يلتقيان أبناء الجاليات المصريَّة والعربيَّة في إسبانيا    صندوق التنمية الحضرية : جراج متعدد الطوابق لخدمة زوار القاهرة التاريخية    "هذا الصباح" يستعرض مسيرة الشيخ عبد الباسط عبد الصمد فى ذكرى رحيله    تعرف على مواقيت الصلاة اليوم الاحد 30-11-2025 في محافظة قنا    مصر تحقق ذهبية جديدة فى آخر أيام البطولة الأفريقية للكانوي والكياك    حقيقة وجود فيروس جديد منتشر وتعطيل الدراسة بسببه| مسئول يكشف    قمة بين أرسنال وتشيلسي.. مواعيد مباريات اليوم الأحد 30 نوفمبر والقنوات الناقلة    اتحاد الأطباء العرب يكشف تفاصيل دعم الأطفال ذوي الإعاقة    موعد بدء العمل بالعيادات الجديدة لأسر العاملين بجامعة القاهرة بقصر العيني    تعليم القاهرة تعلن خطة شاملة لحماية الطلاب من فيروسات الشتاء.. وتشدد على إجراءات وقائية صارمة    7 ديسمبر.. عرض مسلسل "ميدتيرم" على منصة Watch It    مواقيت الصلاه اليوم الأحد 30نوفمبر 2025 فى محافظة المنيا.... اعرف مواعيد صلاتك بدقه    وزير الصحة يناشد النائب العام الإعلان عن الإجراءات الرادعة المُتخذة ضد المعتدين على الأطقم الطبية والمنشآت    وزير الدفاع يشهد تنفيذ المرحلة الرئيسية للتدريب المشترك « ميدوزا - 14»    أسعار اللحوم اليوم الأحد 30 نوفمبر 2025    حياة الأطفال ثمنًا.. للانفصال    معرض «المومياوات» يكشف أسرار التحنيط بالحضارات القديمة    ذكرى منح امتياز حفر قناة السويس، المغامرة الكبرى التي غيرت حركة التجارة العالمية    مات دافر: القسم الثاني من الموسم الأخير ل STRANGER THINGS خاص بذكريات "فيكنا"    تامر عاشور ووائل جسار يشعلان الشارقة بحفل غنائي مرتقب وباقة من النجاحات الجديدة    وزير الإعلام السوري يعلق على هجوم بيت جن ويتحدث عن خطأ إسرائيل في الحسابات    دعاء الفجر | اللهم افتح لنا أبواب رحمتك واغفر لنا ذنوبنا    بعد قرار الإلغاء.. سباق جديد في انتخابات النواب يشتعل بين مرشحي قنا    مرشح دائرة المنتزه صاحب واقعة فتح الصناديق" أحمد فتحي" يخوض انتخابات الإعادة بحكم من الإدارية العليا    رويترز: المسؤولون الأمريكيون فوجئوا بإعلان ترامب إغلاق المجال الجوى الفنزويلى    منافس بيراميدز المحتمل.. فلامنجو بطلا لكأس ليبرتادوريس    تعرف على الدوائر الملغاة فى أسيوط    برنامج دولة التلاوة.. وماذا بعد؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



محاكمة مهزلة وقاض أرعن
نشر في الشعب يوم 29 - 09 - 2006


بقلم: عبد الباري عطوان
لا يحتاج المرء الي الكثير من البحث والتقصي لمعرفة مدي تدهور الاوضاع في العراق، فتكفي متابعة الفصول الاخيرة، من محاكمة الرئيس صدام حسين، ورفاقه، لإدراك نوعية العقلية التي تحكم هذا البلد، والمستقبل المظلم الذي ينتظره في ظلها.
القاضي الجديد خرج علي كل اصول الأدب واللياقة واحكام القانون، وتصرف كزعيم عصابة، او قائد فرقة ميليشيا، وهو يدير هذه المحاكمة، ولم يبق امامه، وربما هذا ما يمكن ان نشاهده في الجلسات المقبلة، غير ان يغادر مقعده، ويتوجه الي قفص الاتهام وينهال صفعا علي المتهمين، الواحد تلو الآخر، حتي يبزّ الآخرين من قبله، ويثبت انه مختلف في قوته وصلابته، واخلاصه لأسياده الامريكان الجدد، وازلامهم في حكومة العراق الجديد .
هذا القاضي مصاب بعقد نقص ترتقي الي درجة المرض العصابي، ربما عائدة الي ان والده كان مخبرا لدي السلطات الامنية التي يحاكمها حاليا، مثلما قال له، او بالاحري ذكّره، المتهم صدام حسين في الجلسة السابقة.
نفهم، ولا نتفهم، مثل هذه التصرفات الحمقاء، ومثل هذه الرعونة، لو كان نظام الحكم الذي يمثله هذا القاضي قد حقق الامن والرخاء والاستقرار والعدالة، وشكل مؤسسات راسخة علي اسس علمية محترمة، ومنظومة قضائية عصرية تستند الي الكفاءة، ولكن ما يجري علي الارض عكس ذلك تماما، فالأمن منعدم كليا، والقضاء مغيب، والخدمات الاساسية غير موجودة، فبعد اربع سنوات من الاحتلال ما زالت الكهرباء والماء مقطوعين، والطبابة متدهورة.
هذا القاضي، الذي بات واضحا للكثيرين انعدام كفاءته وجهله بالقانون، لم نسمع منه طوال الجلستين اليتيمتين اللتين رأسهما غير الطرد. طرد المتهمين، مثلما طرد هيئة الدفاع، وبطريقة تنطوي علي الكثير من الرعونة والغطرسة ولا نعرف ما هي المؤهلات التي اوصلته الي هذا الموقع غير الصبيانية والحقد الطائفي الاعمي والسلوك السيئ.
اما النظام الذي يمثله، فهو ليس اقل حقدا ورعونة منه، فقد حول البلاد الي مقبرة جماعية ، وتطهير عرقي، وفوضي دموية، وتفتيت جغرافي، ومرتع للصوص. فقبل ايام معدودة اكد احد تقارير الامم المتحدة الميدانية ان عمليات القتل والتعذيب في العراق الجديد فاقت نظيراتها بمراحل في زمن الرئيس العراقي الذي يقف حاليا في قفص الاتهام متهما بالتهم نفسها، مع فارق مهم، وهو ان هذا الواقف في قفص الاتهام ويتعرض للتطاول، لم يأت الي الحكم علي ظهر دبابة امريكية ولم يدع مطلقا انه يقف علي رأس نظام ديمقراطي.
التقارير الدولية نفسها تؤكد ان معدل الموت يصل الي اكثر من مئة جثة يوميا، معظمها مشوهة من شدة التعذيب قبل اطلاق النار علي رؤوس اصحابها.
حرق بالأسيد، ونزع اظافر، وخرق ركب بالمثقاب، وقطع السنة، وانتهاك اعراض حتي ان مشارح بغداد، وثلاجات حفظ الموتي في المستشفيات العراقية لم تعد تستوعب الاعداد الكبيرة التي تتدفق عليها يوميا، من القتلي.
سبعة آلاف عراقي قتلوا تعذيبا في شهري يوليو/ تموز و اغسطس/ آب الماضيين، حسب وثائق الامم المتحدة نفسها، في عراق جديد نصت الفقرة الاولي من دستوره الذي اعلن وسط زفة اعلامية ، علي حماية ارواح ابنائه، ووقف كل اشكال التعذيب والتفرقة علي اسس الجنس والدين والطائفة .
الذين يستحقون المحاكمة هم اولئك الذين اوصلوا البلاد الي هذا المستنقع الدموي، وتعاونوا مع الغزاة الاجانب، وتآمروا ضد وحدة بلادهم وأمنها واستقرارها ووحدتها، اولئك الذين احتقروا علم البلاد وانزلوه من علي صواريه وكشفوا عن نواياهم الحقيقية في الانفصال من خلال تمزيق البلاد تحت ذريعة محاربة الدكتاتورية .
جميع الاعذار التي استخدموها لتبرير احتلال العراق لم تسقط تباعا فقط، بل انقلبت الي اضدادها، الواحد تلو الآخر. فقد تبين ان النظام السابق تعاون بالكامل مع الامم المتحدة، ومفتشيها، وقال الحقيقة عندما اكد تخلصه من كل اسلحة الدمار الشامل بينما كذب الآخرون في وضح النهار.
فبركوا التقارير حول وجود علاقة بين النظام وتنظيم القاعدة، فجاء الكونغرس ليؤكد ان غزو العراق هو الذي اوجد مثل هذه العلاقة، واعطي القاعدة ما لم تكن تحلم به من قواعد تدريب، واسلحة، وتربة خصبة، لتجنيد الانصار في حربها ضد الاحتلال الامريكي وعملائه.
حتي محاكمة الرئيس صدام ورفاقه جاءت بمردود عكسي تماما مناقض لكل الاهداف التي ارادت امريكا واتباعها تحقيقها من ورائها، فقد تبين من خلال مداولاتها انه كان هناك نظام قضائي ومحاكمات ومحامون، وعدالة في بعض الاحيان في ظل النظام السابق ادت الي تبرئة متهمين، وتعويض آخرين عن اضرار لحقت بهم.
ومن المفارقة ان هذه المحكمة اثبتت، دون ان تقصد، ان ابواب الرئيس العراقي كانت مفتوحة لكل مواطن يملك مظلمة، ولا نعتقد ان الشاهد الكردي البسيط الصادق الذي وقف في منصة الشهود لتقديم الأدلة علي تورط المتهمين في مجزرة حلبجة، كان مخبرا أو عميلا لصدام حسين، عندما اعترف بعفوية انه قابله شخصيا لشرح مأساته، مما دفع القاضي الي الخروج علي النص، والقول ان الرئيس صدام لم يكن دكتاتورا، ولكن الذين حوله هم الذين حولوه الي دكتاتور، وهو الخروج الذي كلفه وظيفته وأدي الي استبداله بالقاضي الحالي عديم الخبرة، والجاهل بأبسط قواعد القضاء، في محكمة تاريخية علي هذا المستوي.
العراق الجديد وصمة عار في جبين كل الذين عملوا من اجله، وتحولوا الي ادوات لتبرير قيامه، فالشيء الوحيد الذي ينمو فيه ويتصاعد، هو الارهاب والعنف، والقتل والتعذيب، وليس الديمقراطية وحقوق الانسان والانتعاش الاقتصادي، اي نقيض كل ما بشروا به، ووعدوا الشعب العراقي بتحقيقه.
عراق تحكمه الميليشيات، وفرق الموت، والزعامات الطائفية الحاقدة، واللصوص، ومافيات النهب والفساد. عراق اصبح اكثر مناطق العالم فسادا وخطورة بعد ان كان مضرب المثل في الامان والاستقرار للاغلبية الساحقة من العراقيين حتي في احلك ايام الحصار، وفي ظل اشرس الحروب ضراوة.
الرئيس بوش لم يعد يزور العراق متسللا، لرفع معنويات حكومته، والاشادة بديمقراطيته، والتأكيد علي نجاح مشروعه، والشيء نفسه يقال ايضا عن رامسفيلد ورايس وبلير، فقد بدأ يعترف بالنتائج الكارثية لحروبه هذه علي العراق والولايات المتحدة نفسها التي فقدت هيبتها وقيمها واخلاقياتها او ما تبقي منها.
بقي ان تصل الي النتيجة نفسها الاغلبية الساحقة والصامتة في العراق، بحيث تخرج عن صمتها هذا وتنحاز الي مصلحتها في الامن والاستقرار والماء والكهرباء والتعايش وليس الي الطائفيين المشعوذين الكاذبين المخادعين الذين باعوها الوهم والأكاذيب، واوصلوها الي هذا الوضع المحزن والمأساوي.
القدس العربي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.