غادر الأبناء مبكراً.. كل ذهب إلي حال سبيله.. وغادرت الزوجة أيضاً إلي عملها.. وبقيت وحدي في البيت أستعد للخروج إلي جريدتي.. كالعادة أنتهز هذه الدقائق في متابعة آخر الأخبار.. فتحت التليفزيون فجاءني برنامج الزميل أحمد المسلماني.. أعرف أنه إعادة صباحية لحلقة الليلة السابقة.. هممت بالضغط علي زر الريموت للانتقال إلي شاشة أخري لكنني توقفت. التقطت أذني كلمات سريعة من الأخ المسلماني شدتني إليه.. قال: حصل الدكتور مجدي يعقوب.. طبيب القلب المصري العالمي.. علي لقب "أسطورة الطب في العالم" الذي منحته له جمعية الطب الأمريكية بشيكاغو واحتسبته واحداً من خمس شخصيات طبية أسطورية أثرت في تاريخ الطب في العالم. لا أدري إن كنت قد قفزت من الفرحة.. أو خيل إليّ أنني قفزت.. لكن الأمر المؤكد الذي أدركته جيداً أن بضع دمعات ترقرت في عيني.. وتسارعت دقات قلبي الذي كاد يطير من صدري.. رغم أنني لم أتشرف بمعرفة الدكتور مجدي يعقوب معرفة شخصية ولم يسبق لي أن التقيت به. مرت بي لحظة سريعة من النشوة أنستني بؤس الواقع الذي نعيشه: الفقر والجهل والمرض.. صراع السياسيين.. وتكدس المرشحين في أتوبيس الرئاسة.. أزمة الجمعية التأسيسية.. الحكومة التائهة والبرلمان الضائع.. وقرض الصندوق الدولي الذي نريده ولا نحبه.. والعشوائيات والتلوث والمجاري.. والسيرك الليلي في فضائيات غسيل الأموال. ياإلهي.. ما أعظم حكمتك.. منحتنا طاقة نور في ظلمة حياتنا.. وفتحت لنا باب الأمل وسط دياجير اليأس والإحباط. وما أروعك يا د. مجدي يعقوب.. وما أعلي قامتك فوق كل القامات التي تهرول من أجل مكاسب رخيصة وأمجاد زائفة.. هم يهبطون بمصر إلي أسفل سافلين وأنت بعلمك ترفع اسم مصر عالياً في العالمين. أعرف.. ويعرف الناس جميعاً.. أنك واحد من أشهر ستة جراحين للقلب في العالم.. وأنك ثاني طبيب في الدنيا كلها يقوم بزراعة قلب بعد العبقري كريستيان برنارد.. وتحفظ لك الموسوعات العلمية أنك أجريت أكثر من ألفي عملية زرع قلب خلال ربع قرن.. وأجريت أكثر من ألفي عملية قلب مفتوح في العالم. وأضفت إلي هذا العطاء الهائل تصنيع أول قلب من الخلايا الجذعية.. وزراعة قلب معاون ثم استخراجه بعد أن يعمل القلب الأصلي بكفاءة ويعود إلي قوته الطبيعية. ومع كل ذلك يقول المحيطون به والمتعاملون معه إنه قمة في التواضع وإنكار الذات.. وينقل الأخ المسلماني أن مديرة المركز الطبي الذي يعمل به طلبت تحديد موعد لإقامة احتفال بسيط بمناسبة حصوله علي لقب "أسطورة الطب في العالم" فرفض رفضاً قاطعاً وقال: "هذه مسألة عادية". وو الله.. لو أن غيره حصل علي لقب أسطورة الفن أو أسطورة الرياضة أو أسطورة التزحلق علي الرصيف لقامت الدنيا عندنا ولم تقعد.. ولهرولت الكاميرات والميكررفونات إليه.. ودبجت المانشيتات والمقالات التي تتغزل في قدراته الفذة وتتفنن في تحليل عناصر عبقريته.. كيف نشأ وكيف ترعرع.. وماذا تقول عنه الخالة فتحية التي حملته علي كتفها في يوم من الأيام إحساساً منها بنبوغه المبكر. لكن.. لأن العبقرية هنا تتعلق بالعلم والعلماء.. وبالدكتور مجدي يعقوب الذي تجاوز كل الحدود.. فقد مرت المناسبة بلا حس ولا خبر.. ولولا أن الأخ المسلماني أشار إليها إشارة عابرة ما عرفنا عنها شيئاً.. ويالنا من أمة لاهية لا تعرف قيمة الجواهر التي بين يديها.. أمة تهرول وراء سعد الصغير وتبحث عن المرشح "الدكر" ولا تحتفي بالعالم الأسطورة الذي ترك أوروبا وأمريكا وعواصم الرفاهية وجاء لينشيء مركزاً طبياً لعلاج مرضي القلب في أسوان. أليست هذه أمة تستحق أن نبكي عليها؟! لقد دمعت عيناي فرحاً وفخراً بالمصري الأسطورة.. ودمعت أيضا حزناً علي وطني وعلي أمتي.. علي جهلنا وتخلفنا وضياعنا.. وكنت وحدي.. وربما لو كان معي آخرون لبكينا معاً.. فالرجل لم يخسر شيئاً بتجاهلنا له.. نحن الذين خسرنا وسوف نخسر.. وسوف نظل محصورين بين الجهل والفقر والمرض.