يعيش الإنسان بالأمل مهما بلغ من العمر أرذله.. ويظل ينتظر الغد حتي ولو كان فيه دنو أجله.. ولكن قد تأتي عليه لحظة يتوقف الزمن عندها.. فيصبح الأمل سرابا.. وينظر إلي ما مضي من عمره فيشعر أن حياته كانت مسرحية عبثية. ويعجز تفكيره عن إدراك حكمة الله من خلقه. ويوم الأربعاء الماضي توقف بي الزمن فجأة عندما نعي إليَّ الناعي من لندن خبر وفاة ابن شقيقي وقرة عيني المهندس الشاب مصطفي حسن فوده.. لم أحتمل الصدمة في هذه السن التي تصبح فيها مشاعر الانسان أرق من غلالة شفافة.. فما بالك إذا كان هذا الانسان عاطفيا بالفطرة يعيش بوجدانه مشاكل الناس وهمومهم ويتمني لو أن الله سبحانه خلق المجتمع الانساني علي غرار المدينة الفاضلة. زلزل الخبر الأليم كياني من أعماقه وشعرت وكأنني ريشة تتقاذفها العواصف الهوج.. فلم أدر ماذا أفعل؟.. نوع من الهستيرية انتابني ممزوجا ببكاء حاد ودموع تنهمر بلا انقطاع!! لم أتخيل لحظة في حياتي أن هذا الشاب المميز خلقاً الملتزم سلوكا النابه عملا سيقف به العمر عند السادسة والأربعين مخلفا وراءه زوجة شابة وفتاة يافعة في الخامسة عشرة من عمرها وفتي في الثالثة عشرة رحل عنهم وهم في أشد الحاجة اليه عطفا وحنانا ورعاية. أغمضت عيني وتخيلته عندما كان يدخل عليَّ قادما من سفره.. فارع الطول طلق الوجه باسم المحيا ينحني ليحتضنني بعاطفة الابن لأبيه.. الشوق يغالبنا.. فقد عاش معظم عمره بعد تخرجه من هندسة القاهرة بتفوق مغتربا بين السعودية وهولندا وانجلترا متقلدا مناصب عليا في شركات عالمية بجهده وكده والتزامه وألمعيته.. جاب دول اوروبا الغربية كلها وأوروبا الشرقية وروسيا ودول آسيا وأفريقيا واليابان لعقد الصفقات للشركة التي تولي فيها منصب المدير العام للتسويق.. كنت فخوراً به كأي أب يفخر بابنه خاصة أن والده رحل عن دنيانا وهو لم يزل في السنة الأولي من دراسته الجامعية فنشأ وترعرع في كنفي وتحت رعايتي. عاد بي الزمن سبعة وعشرين عاما مضت عندما ودعت شقيقي والد مصطفي في المطار مرافقا لزوجته المريضة في رحلة علاج إلي لندن.. ويومها أوصاني بابنه وابنته اليافعين.. وبعد عدة ساعات نعي إليَّ الناعي خبر وفاة شقيقي في مطار العاصمة البريطانية ولم يكن قد جاوز الستين من عمره إلا بشهور عديدة.. وتذكرته عندما كان يردد في حديثه كثيرا الآية الكريمة "وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت". اليوم أستعيد ذكري هذا اليوم وقلبي ينفطر علي ابنه كما انفطر عليه.. ويعيد التاريخ أحداثه ويموت الابن في لندن كما مات الأب فيها منذ 27 عاما.. يا للقدر.. ويا للقضاء.. ويا للحكمة الربانية التي لا يعلم مقاصدها إلا الله سبحانه وتعالي.. وليس علي هذا الانسان الضعيف مثلي الا أن يحتسب ويرضي ويصبر. يقول الناس إن الزمن كفيل بأن ينسي الانسان آلام فراق الأحبة الذين غادرونا فجأة.. ولكن كيف يتأتي النسيان والقلب مطعون في سويدائه.. والألم يعتصره فلا يكاد ينبض.. كيف يتأتي النسيان وأنا أتمثله أمامي في كل لحظة.. وأسأل نفسي.. هل انتهي مصطفي من الوجود. ولن يدخل عليَّ مرة أخري معانقاً ومتشوقاً كما كان يفعل كل مرة؟!.. ثم أتساءل: يا رب لمَ تركتني أعيش هذا اليوم وقد كنت علي يقين أنه سيقف بجوار ابني وابناء إخوتي وأخواتي يتلقون العزاء في وفاتي.. سبحانك.. هذه مشيئتك وهذا قضاؤك الذي لا راد له. أأبكيك يا مصطفي؟! أم أبكي لحالي؟!.. دموعي لا تنقطع.. وقلبي لم يعد يقوي علي الأحتمال. آمنت بالله.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.. رحمك الله يا أعز الناس وأحتسبك عنده جل في علاه.. وإلي لقاء قريب إن شاء الله.