لعل من الأمور التي تستلفت الانتباه، وتجعلنا مشدوهين متعجبين أن نجد في عصرنا الحاضر أصحابَ الأدبِ الرخيصِ والأقلام الباهتة، يبارزون الله –تعالى- بكتاباتهم، مستظلين تحت مظلةٍ جوفاء، تُدعى (حرية الإبداع)، بعيدين عن تعاليم ديننا وقيمه ومُثله العليا.. فمن أراد الظهور منهم تجده يبارز ربه بكتاباته المسمومة التي هي من وحي الشيطان. ويا ليتهم يُرْضُون ربَّهُم بكتاباتٍ تحثُ على الفضيلةِ والجمال..!! فكل جميلٍ مِن الله، وكل ذوق رفيع من الله، وكل مُثلٍ عليا من الله.. والإسلام يسير أساسا مع الفطرة الإنسانية السليمة؛ لأن الفطرة السليمة لا تفعل ما يأباه العقل الرشيد.. والإسلام لا يقف أبدًا ضد الإبداع؛ بيد أنه يقف أمام شطحات العقل ونزعات الهوى وجموح الشهوة... فالإبداع والتفكر والتدبر في جميع المجالات ينشده الإسلام، بل ويحث عليه؛ لأنه مطلب إيماني، أشار إليه القرآن الكريم في آيات عديدة، يقول تعالى: (قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) (يونس:101)، (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ) (محمد:24)، وقال: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا..) (محمد:10)...كل هذا من أجل استثارة العقل وتحفيزه للإبداع؛ بل إنه عاتب وشدد في العتاب على مَن لا يُعْمِلُون عقولَهُم، أو يُغلِقُون قلوبَهُم، أو يُصمّون آذانهم، وشبههم بالأنعام بل هم أضل سبيلاً، فقال: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا منَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) (الأعراف:179). والإسلام لم يقف حجر عثرة أمام أي إبداعٍ، لكنه اشترط ألا يتنافى مع الفطرة السليمة.. فلنأخذ مثلاً الغناء: نجد الإسلام ليس ضد الكلمات الرصينة الهادفة.. ليس ضد المشاعر النبيلة.. ليس ضد ما يشحذ النفوس للعمل والإنتاج ويُلهِب الحماس في الدفاع عن الحرمات، ولكنه ضد الكلمات العارية.. ضد الأدب الرخيص.. ضد ما يثير الغرائز، ويبعث الكوامن، ويُهَيِّج المشاعر.. ضد الصخب والنشاز.. وهذا ما تأباه الفطرة السليمة لكل الناس على اختلاف أديانهم وأوطانهم ومشاربهم. فإذا أردنا أن نرقى بمجتمعاتنا وحضاراتنا وقيمنا إلى أسمى مراتب الكمال؛ فيجب أن تتضافر جهود كافة المؤسسات المختلفة؛ لمعالجة الإفلاس الفكري، وتصحيح المفاهيم المغلوطة، فالحرية في الإسلام ليست انطلاقًا من القيود، بل هي معنى لا يتحقق في الوجود إلا موجهًا. فالحرُّ حقًّا في كل المجتمعات هو ذلكم الشخص الذي تتجلى فيه المعاني الإنسانية العالية، الذي يضبط نفسه ويتجه إلى معالي الأمور، متحليًا بقيم دينه، وتعاليم شرعه، وأعراف مجتمعه، مبتعدًا عن الغرور في نفسه أو الترفع على أبناء جنسه، فإنه ربما اجتهد في علمه أو فنِّه كثيرًا؛ فيأتيه الشيطان، فيوسوس له بالغرور، ويوقعه في الشرور والمحظور.. ومتى سَلِمَ مِن هذا فإنه يرجى له القبول والرقي في مراتب الوصول، ومَن تساهل في أمر نفسه، وتكبر على أبناء جنسه، عُوقِبَ بالحرمان والوسواس، وسقط عن مرتبته التي كان فيها عند الله وعند الناس، فهذا الشخص يجب ألا تنطلق أهواؤه، ولا يكون عبدًا لشهوته، بل يكون سيِّدًا لنفسه، وإن هذه السيادة النفسية التي يتسم بها الحر هي العنصر الأول في تكوين معنى الحرية في نفسه. وبالتالي فالإنسان الحر لا يمكن أن يكون معتديًا، سواء على نفسه بإهلاكها، أو على غيره بأي صورة من صور الاعتداء، سواء أكان هذا الاعتداء حسِّيًّا أم معنويًّا، مباشرًا أم غير مباشر، أو معتديًا على شرع الله -عز وجل- بالدعوة إلى الإباحية والخلاعة والمجون وتذليل طرق الجنس بأساليب غير مشروعة، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا بكتاباته المسمومة الباهتة، تلك الكتابات التي تَنُمُّ على أن فكرتهم عن الله –تعالى- أشبه بفكرة اللقيط عن أبيه، لا يعرفه ولا ينصفه.. !! وأنهم بذلك قد نقلوا عقولهم من رؤوسهم إلى أخمص أقدمهم، وبذلك يصدق عليهم قول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)..(النور: 19).