يسعى بعض الناس إلى موقع السلطة لما فيه من مكانة وقدرة على إنفاذ ما يريدونه , وهناك من يتهرب من السلطة لعلمه بخطورة تحمل المسئولية , فيبادر إلى الاعتذار عنها , والحاصل أن من جاءته الولاية بغير مسألة منه أعانه الله عليها , أما من صارع وحارب ليصل إليها , فهو غير معان من الله موكول إلى قدرات نفسه الضعيفة بلا توفيق ولا تسديد , ولذلك منع الفقهاء من تولية الطالب لها لأنه محكوم على ولايته بالفشل ابتداءً فلا يصح توليته . وقد يولى الله طائفة من المؤمنين زمام حكم في بلد من البلدان بعد هلاك عدوهم ثم يراقب أعمالهم وهو عليم بحالهم , فإن أحسنوا وأقاموا الشرع وحكموا بالعدل وفقهم إلى ماهم عليه من هداية , وإن هم أساءوا وظلموا وتجاوزوا نزع عنهم رداء السلطة وولى قوماً غيرهم .. وقد يولى الله رجالاً من خلقه ليختبرهم أو لنكال بشعب غلبت فيه صفة الفساد ( كما تكونوا يولى عليكم ) أو لفتنة للمؤمنين إذ يقول بعضهم كيف يولي الله أمثال هؤلاء ونحن لانولي رغم صلاحنا ونحو ذلك من الاعتراض على أمر الله وقدره وحكمته . والناظر في سيرة الخلفاء الراشدين نجد أن الإمام بن تيمية يُعلق على تولية أبي بكر وعمر بقوله ( فلما توليا اكتملا ) وحاصل هذه العبارة أن أبابكر الصديق رضي الله عنه كان لين الجانب قبل أن تسند إليه الإمامة فلما تولى ظهر لديه جانب الحزم في قراره بقتال مانعي الزكاة , أما عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد كان شديداً في الحق فلما تولى برز عنده جانب الرقة واللين في معاملته لرعيته , وهذا من نفيس ملاحظات شيخ الإسلام رحمه الله . إن حال المؤمنين بعد التوليه يظهر في تواضعهم للخلق وخضوعهم للخالق وحسن معاملتهم للناس , وإعلاء كلمة الله تعالى والعدل مع جميع المواطنين ورفع المظالم ورد الحقوق لأهلها , والبحث عن سبل الكسب الحلال وغلق منافذ الشر والفساد , وتنمية موارد المجتمع ورعاية الفقراء والمحتاجين , وعلاج المرضى والمصابين , ونشر الأمن والأمان في ربوع البلاد بالحكمة والعدل لا برجال الأمن فحسب . ولا شك أن ربط حركة المجتمع بالله تعالى تحفظه من الفتن وتقيه الشرور وتفتح أمامه أبواب الخير فلا يخشى الحاكم على رزق قدره الله لرعيته , فدعاء الجميع بسعة الرزق ورغد العيش موصول للكافة , كما أن قرار تفريغ السجون من الأبرياء والمظلومين هو المهمة الأولى على عاتق الراعي تجاه رعيته كي ينقطع سيل دعاء المظلومين الذي يصيب عادة كافة أجهزة الحكم المعاونة للنظام , فعلى الراعي ألا يجعل له خصوماً معاندين , وأن يأخذ الناس باللين والشفقة والرحمة وأن يتغاضى عن هفوات الرعية وألّا يستمع إلى بطانة الشر التي تلتقم أذنه , بل يقرب منه الحكماء من أهل الخير والبر ويعمل بمشورتهم , كما يجب أن يتسع صدره للمخالفين ويسعى في احتوائهم بالصبر لا بالقهر , وبحسن المعاملة لا بسيئها . والله المستعان