في إطار فعاليات الدورة ال57 من معرض القاهرة الدولي للكتاب، شهدت القاعة الرئيسية ببلازا (1)، ضمن محور شخصية المعرض نجيب محفوظ انعقاد ندوة فكرية بعنوان تحولات السرد.. حدود التجريب عند نجيب محفوظ بمشاركة كل من الدكتور محمود عبد الباري أستاذ مجمع اللغة العربية بالقاهرة، والدكتور هشام زغلول أستاذ النقد الأدبي بكلية الآداب جامعة القاهرة، والروائي الجزائري واسيني الأعرج، وأدار الندوة الناقد الدكتور سمير مندي. تفاصيل ندوة تحولات السرد في مستهل الندوة، قال الدكتور سمير مندي إن هذه الجلسة تجمع نخبة من النقاد والباحثين إلى جانب روائي عربي كبير هو واسيني الأعرج، صاحب إسهام عميق في تطوير الرواية العربية، موضحًا أن الحديث عن نجيب محفوظ لا يقتصر على كونه أول عربي حائز على جائزة نوبل، بل بوصفه كاتبًا وإنسانًا "شقّ مسارًا فريدًا في الكتابة والسلوك معًا"، واصفًا إياه بأنه "كتاب يمشي على قدمين". وأشار مندي إلى أهمية الترجمة في تكوين الناقد، باعتبارها فعلًا معرفيًا ملازمًا للحوار المستمر مع النصوص المتدفقة. من جانبه استهل الدكتور هشام زغلول حديثه بتوجيه الشكر لوزارة الثقافة ممثلة في الهيئة المصرية العامة للكتاب، مثمّنًا اختيار نجيب محفوظ شخصيةً للمعرض، ومحييًا روح الناقد الكبير الدكتور جابر عصفور. وأوضح زغلول أن من يتأمل منجز نجيب محفوظ يكتشف تعدد مراحله ورؤاه، حيث يتصدر المضمون بوصفه "بطل النص"، إلى جانب الواقعية بتنوعاتها، ثم المرحلة الفلسفية والرمزية، وصولًا إلى التجريب بوصفه اشتغالًا على الشكل. وأضاف أن محفوظ قدّم ثلاثة أنماط لتشكيل البطولة السردية؛ أولها البطل الفرد كما في رواية اللص والكلاب، حيث تتقاطع الشخصية المركزية مع الشخصيات الثانوية في علاقة اشتباك وانفصال في آن واحد، أما النمط الثاني فهو البطولة المتوازية، كما في ميرامار، التي تعتمد على تقنية تعدد الأصوات عبر أربع شخصيات رئيسية، بما يخلق سردًا متشابكًا ومتعدد الزوايا. وأشار إلى أن النمط الثالث يتمثل في البطولة المتوالية عبر الزمن، كما في الحرافيش وأولاد حارتنا، حيث تتكرر النماذج الإنسانية في سياق زمني ممتد، في تجسيد رمزي لمسيرة الإنسان عبر التاريخ. وأكد زغلول أن نجيب محفوظ كان شديد الوعي بتقنيات الحوار الداخلي المباشر وغير المباشر، مبينًا أنه لجأ إلى الحوار غير المباشر تفاديًا للغموض، وحرصًا على تماسك الشعور السردي، مع الحفاظ على بدايات ونهايات حاسمة، ورحلة مفتوحة للبحث عن المعنى. بدوره، قال الروائي واسيني الأعرج إن نجيب محفوظ لا يشبه أي روائي عربي آخر، مؤكدًا أنه كان مجددًا حقيقيًا غيّر النظم السردية وابتكر نماذجه الخاصة بدلًا من تقليد نماذج جاهزة. وأوضح أن عالم محفوظ السردي يمثل "مجتمع الرواية" بكل تنوعاته اللغوية والثقافية، حيث تتحول الحارة إلى بنية كبرى تضم عشرات الحكايات والروايات المتداخلة. وأشار الأعرج إلى أن تقسيمات محفوظ السردية غالبًا ما كانت ذات طابع تاريخي، وأن القصة القصيرة شكلت جزءًا أصيلًا من مشروعه الروائي منذ ثلاثينيات القرن الماضي. وأضاف أن محفوظ راهن دائمًا على الجديد، وانتقل من نص إلى آخر ضمن بنى سردية مختلفة، محطمًا النموذج الواحد، وهو ما يفسر تعدد مساراته وتنوع إيقاعاته السردية، لا سيما في أعمال مثل الثلاثية. وفي مداخلته، أوضح الدكتور محمود عبد الباري أن عالم نجيب محفوظ السردي يقوم على ثنائيات كبرى، في مقدمتها ثنائية الثبات والتغير، مشيرًا إلى أن الثلاثية تمثل نموذجًا واضحًا لتحولات الشخصية والقيم عبر الزمن، كما في شخصية السيد أحمد عبد الجواد التي تنتقل من السيطرة المطلقة إلى العجز، مقابل تحرر شخصية أمينة تدريجيًا مع احتفاظها بجوهرها الأخلاقي. وأضاف أن محفوظ قدّم شخصيات دائمة البحث عن القيمة والمعنى، مثل صابر في الطريق وسعيد مهران في اللص والكلاب. وأشار إلى ثنائية أخرى تتمثل في الشخصيات الواقعية والأسطورية، حيث تتجسد الأسطورة في شخصية الجبلاوي في "أولاد حارتنا"، في مقابل شخصية "عرفة" رمز العلم والمعرفة. كما أكد أن المكان لدى نجيب محفوظ، ولا سيما الحارة المصرية، لم يكن مجرد إطار للأحداث، بل تحول إلى كيان حي يشارك في صنع الفعل السردي ودلالاته.