من أهم الحبال السحرة التي يستخدمها سحرة فرعون الجدد في الإعلام، فيخيل للناس من سحرهم أنها تسعى، إتهام كل من يتحدث في الدين بما لا يوافق هواهم بأنه (يتاجر بالدين)، فيُشَهِّرون بكل حركات الإسلام السياسي أمام الناس بإعتبارها متاجرة في الدين، فالإسلام في وجهة نظرهم مكانه داخل المسجد فقط أو في غرف البيوت، أما أن يخرج كأيديولوجية سياسية محركة في الدول الإسلامية فهي متاجرة بالدين لتحقيق مكاسب دنيوية !، ويسوقون هذا في كلام حلو الظاهر يريدون أن يسحروا به أذان الناسن فيقولون: إن الدين عظيم ومقدس، ويجب أن ننزه المقدس عن السياسة ودنسها، وأحيانًا ينتبهون للمنزلق اللفظي الذي يقعون فيه فيقولون تخفيفًا: الدين إلهي مقدس، والسياسة تجربة إنسانية قابلة للخطأ والصواب، فيجب أن ننزه الدين أن يكون عرضة للخطأ !!.
وكما أن عصا موسى كانت تلقف حبال السحرة وعصيهم فإن الحقائق عندما تجد فرصة لتظهر أمام الناس وتوضح، فإنها تلقف حبال سحرة الإعلام فكأن لم تكن، أو كأنها هباءً منثورًا.
لو قارنا مثلًا بين أكبر ممثل لحركات الإسلام السياسي في التاريخ المعاصر وهي جماعة الإخوان المسلمين - مهما كانت أخطاؤها، وكل من يعمل يخطئ – وبين تعاطي الحكومات المصرية المتعاقبة على إختلاف مشاربها مع الدين وتداخله في السياسة لعرفنا حقًا من الذي يتاجر بالدين !!.
منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين وكل منضم للجماعة يعلم يقينًا أنه طريق ملئ بالأشواك والتضحيات والآلام، والجهد والبذل وعدم إنتظار المقابل، كل منضم للجماعة – وهذه معلومات يعلمها الكافة، خصومهم قبل مؤيديهم، ولكن في فُجر الخصومة تنسى أشياء كثيرة !! – كل منضم للجماعة ينفق من دخله نسبة شهريًا للإنفاق على الشؤون الدعوية والإجتماعية التي تقوم بها الجماعة، وكل منضم للجماعة ينفق من وقته في انشطتها المختلفة، وكل منضم للجماعة ينفق من جهده في جهودها المختلفة – ويحسدونهم على التواجد في الشارع كأن التواجد في الشارع ليس نتاج جهد وعرق وبذل للوقت والجهد قبل المال !، فقد تألفوا الناس بتواجدهم الذي يأخذ منهم الجهد والوقت قبل أن يتألفوهم بالمساعدات الإنسانية (الزيت والسكر للفقراء الذي أصبحوا يُعَيَّرون به بعد ذلك !!، يحسب خصومهم أن هذه التوزيعات لابد أن تكون موسمية لأغراض إنتخابية، يحسب هؤلاء الخصوم كل الناس أفاقين مثلهم !!)، كل منضم للجماعة يعلم أنه عرضة للظلم والإضطهاد والسجن وبالتالي فراق الأهل وهلاك الأموال ووقف الحال وتلف الأعمال !!، فهل الذي يبذل الوقت والجهد والمال منذ اليوم الأول، ويعلم أنه معرض للسجن والتشريد والقمع، هل هذا يمكن أن يقال أنه متاجر بالدين ؟!!، نعم والله، الذي هكذا حاله لابد – يقينًا – أن يكون متاجرًا بالدين، متاجر مع الله، فلا يمكن أن تكون هناك صفقة دنيوية رابحة فيها كل هذا البذل من البداية دون أي أمل واضح في مكاسب دنيوية، فالناس لا تبيع عاجلًا كبيرًا بآجل مستبعد، ليست هذه من صفات صفقات الدنيا إلا أن يكون صاحبها ذاهب العقل، وإنما هي من صفات صفقات الآخرة، فهم يتاجرون بالدين مع صاحب الآخرة، وليس مع طلاب الدنيا !.
هل هذا معناه أنهم بالضرورة على حق ؟!، لا، ليس كل مضحي يلزم أن يكون على حق، هل هذا معناه صك براءة لهم من الأخطاء الدينية والسياسية ؟!، أبدًا، وقل في أخطائهم في الدينية والسياسية ما شئت وأفرد لذلك المجلدات، هل هذا معناه أنهم أصحاب مبدأ – بغض النظر عن مدى صواب المبدأ – وأنهم لا يتاجرون بالدين لأغراض دنيوية ؟!، نعم، وبكل تأكيد، فكل مضحي من أجل شيئ هو صاحب مبدأ مؤمن به، هذا لا يعطيه براءة من الخطأ، ولا يعطيه إعفاء من المسؤولية، لكنه بالتأكيد يصرف عنه تهمة الإتجار بهذه المبادئ !.
على الجانب الآخر فإن تعامل الحكومات المصرية المتعاقبة – وفقهائها، وإعلامها، وألاضيشها- مع الدين كان يمثل أبشع انواع الإتجار بالدين حقًا، حيث تسخر الفتاوى الحكومية لتدور مع الحكومة حيث تدور وتقف حيث تقف، حيث يتحول رجال الدين من العبودية لله إلى العبودية للحاكم – إلا ما رحم ربي- وآلاف الأمثلة تمثل الواقع الصارخ على ذلك، لم يتذكر عبد الناصر المنبر إلا حين أراد حشد الناس وراءه للحرب، أما في وقت السلام والطمأنينة يسخر من الحجاب ويقول: عايزننا حنلبس الستات الطرح !! (لأ كفى الله الشر، لكنه لبس الرجال الطرح فلا يجرؤ أحد على أن ينقد له قولًا – ناهيك أن ينقض له أمرًا – أما الستات فلا حاجة لها للبس الطرح فقد لبسها الرجال بدلًا منهن !)، في وقت السلم والطمأنينة يسخر من البقية من رجال الدين الأمناء، فيطلق إعلامه يسخر من الشيخ الغزالي ويتطاول عليه لمجرد انه تحدث بكلمتين عن الشريعة في إجتماعات مناقشة الميثاق !!، المتجرة بالدين أن يكون (الإسلام) إشتراكيًا ويساريًا في عهد عبد الناصر، وهو ذاته (الإسلام) يصبح يمينيًا راسماليًا في عهدي السادات ومبارك !!، فالإسلام دار مع توجهات الحكومة !، المتاجرة بالدين أن يكون السلام مع إسرائيل كفر في عهد عبد الناصر بفتوى من الأزهر، وأن يكون السلام مع إسرائيل في نهاية السبعينات تطبيقًا للهدي النبوي بفتوى من دار الإفتاء المصرية، والحكومة تروج لهذا بحماسة في وقتها ولتلك بحماسة في وقتها، وبالصدفة، بالصدفة البحتة، دارت الفتاوى مع التوجهات السياسية الحكومية حيث دارت !.
عندما تكون فتاوى مشايخ أن فوائد البنوك حرام، وهي الربا المحرم، ثم بعد أن يصبحوا من أصحاب المناصب الدينية (الحكومية) ويذوقوا طعم الرواتب والمكافآت والحوافز تتغير فتاوى نفس المشايخ وتصبح حلال حلال !!، لدرجة أن المفتى السابق قال في تصريح قبل اسابيع أن (جميع أنواع المعاملات البنكية في مصر حلال) !!، صك تحليل عام (ما توجعوش دماغنا...كلها حلال) !!، جميع أنواع المعاملات البنكية حلال ؟!!!، كان (روكفلر) وغيره من آباء النظام البنكي في الغرب وغيره كانوا من خريجي كليات الشريعة !!!، ضبطوا تعاملاتهم من البداية على الشريعة فجميعها حلال !!!، هل هناك متاجرة بالدين أكثر من هذا ؟!!.
عندما يحظر إرتقاء المنابر إلا لموظفي الأوقاف، ليس لأسباب علمية أو شرعية، فكثير منهم على جهل عظيم وعدم تأهيل أصلًا لإرتقاء المنبر، ولا شك أن كثير من الأطباء والمهندسين والمحاسبين الذين يحصلون على قدر كاف من العلم الشرعي بالدراسة عدة سنوات والحصول على دبلومات الدراسات الإسلامية هم اقدر على التواصل مع المجتمعات والربط بين الإسلام وروح العصر ومستجداته، والتفاهم مع الطبقات المختلفة من المستمعين، لكن هذا القصر على موظفي الأوقاف هدفه الوحيد أن يكون خطيب الجمعة (تحت ضرس الحكومة) تهدده في رزقه بالجزاءات لو قال كلمة واحدة لا ترضي الحاكم، بخلاف الذين يرتقون المنابر من غير أن يكونوا موظفين عند الحاكم ولهم مصدر دخلهم المستقل، اليس هذا هو عين المتاجرة بالدين ؟!.
إن الذين ينفقون على الدعوة لا يمكن أن يكونوا متاجرين بالدين، فإلتمسوا المتاجرة بالدين عند الذين يأكلون بدينهم، الذين يجعلون (خدودهم مداسًا) للحاكم من أجل حطام الدنيا من منصب أو شهرة أو مال، إن الذين يتعرضون للقمع والتشريد من أجل دينهم لا يمكن أن يكونوا متاجرين بالدين، فإلتمسوا المتاجرة بالدين عند الذين يرفلون في نعيم الحاكم ولا يقولون فتوى واحدة تخالف هواه، فكل ما يرضي الحاكم هو حلال، وكل ما يغضبه حرام، فالحاكم هو الإله إذًا، الحلال ما أحله والحرام ما حرمه !!، إن الذي ماتت إبنته أسماء بالقرب منه ومات إبنه عمار بالقرب منه لا يمكن أن يكونوا متاجرين بالدين –ولو أخطأوا - فإلتمسوا المتاجرة بالدين عند الذين قالوا إن الله قد ارسل إلينا السيسي ومحمد إبراهيم كما أرسل موسى وهارون إلى قومهما !!.
أما القول بأن الدين مقدس والسياسة تجربة إنسانية فيجب أن ننزه المقدس على أن يوضع موضع الإختبار بين الخطأ والصواب في التجارب الإنسانية (كما قال الرئيس السيسي في خطابه في الأممالمتحدة)، فهذا من تلبيس إبليس على الناس، فإن الإسلام لم ينزل ليوضع في متحف ويعزل عن حياة الناس، وإنما رب العزة أراده دينًا تنتظم حياة الناس بها وينصلح به حال الدنيا في مختلف شؤونها، وإن عزل الإسلام عن السياسة وغيرها من الشؤون خطيئة تضاهي خطيئة أن يدعي من يحكم أنه يحكم بإسم الإسلام أو أن قراراته وتطبيقاته هي الإسلام، كلاهما طرفان خاطئان، والصواب بينهما، إن التطبيق هو التجربة الإنسانية التي تحتمل الخطأ والصواب، والنضج والقصور، ولا أحد يقول أنه يمثل الإسلام، بل أقوال عمر الخليفة الراشد معروفة، (أصابت إمرأة واخطأ عمر)، (أكل الناس أفقه منك يا عمر ؟!)، وقول مالك (كل يؤخذ من قوله ويرد عليه إلا الرسول صلى الله عليه وسلم)، فأين الذين يقولون أن كلامهم يمثل الإسلام، أو أن حكمهم هو حكم الإسلام، حتى لو فعل أحد هذا فإننا سنقاومه ونقومه، لكن أن تكون هذه ذريعة لتنحية الإسلام من الحياة بدعوى أنه مقدس !!، فهذا من تلبيس إبليس !!!.
لكن الذي ينشده سحرة فرعون هو صرف الناس عن الجهر بالحق وبدور الإسلام في تنظيم الحياة في كافة مناحيها، يحاولون ترهيب الناس بالإفتراء عليهم بأنهم يتاجرون في الدين وغير ذلك من المفتريات حتى لا يجرؤ أحد عن الحديث في الدين إلا بما يوافق هواهم، وكل من يتكلم في الدين بغير ذلك فهو متاجر في الدين وبالدين !!، بينما الحق أنهم هم وفقهاء السلاطين هم عين المتاجرين بالدين، يبيعون دينهم لكل فرعون بعرض من الدنيا، ويستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ويهبطون مصر حيث يجدون ما يسألون !!.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.