نابليون بونابرت قالها؛ فأخطر تحد يواجه المنتصر هى لحظة الانتصار؛ فإن تصرف أثناءها بوعى، وإلا فإن غمرة سكرة الانتقام والتشفى ستطيحُ به عما قليل. الإخوان المسلمون فى الحكم خلال عام أخطئوا وأصابوا، وكانت الأخطاء عبئاً ثقيلاً على التيار الإسلامى كله وخصماً من رصيده الجماهيرى؛ لكنها أخطاء لا تتجاوز دائرة الاجتهاد السياسى، حيث الحرص الشديد على إنجاح تجربتهم فى الحكم بعد انتظار دام عقود طويلة؛ وظنهم أنهم لن يبلغوا هذه الغاية إلا بالمنتمين للإخوان فقط دون حتى رفاقهم فى التيارات الإسلامية الأخرى، فضلاً عن المنتمين للتيارات الليبرالية واليسارية. وواكبَ الصعود المفاجئ للإسلاميين وإحرازهم نجاحات كبيرة فى جميع الاستحقاقات الانتخابية التى خاضوها شعور مَرَضى بالتميز، وشابَ تجربة البرلمان أخطاء مظهرية قاتلة قضتْ على مضامين التجربة وجوهرها، وظن البعض أن التجربة مجرد مغانم بعملية إحلال وإبدال والجلوس مكان السادة القدامى فى المكاتب المكيفة، والدوران على استديوهات الفضائيات والفرح بالمناصب الرفيعة، وإنعاش الغرور بالوجاهة الاجتماعية. البداية كانت تقتضى الالتحام بالناس، واستنشاق هوائهم ومشاركتهم كل شىء، فلا يظهرون خارج مشهد البسطاء والكادحين مختلفين عنهم، كأنهم طبقة أرستقراطية جديدة حلتْ مكان الأخرى مع بعض مظاهر التدين. أخطئوا فى الثقة المُفرطة تجاه المؤسسة العسكرية مما ساهم فى تفكك الحالة الثورية قبل أن تعود إلى توهجها وألقها مع انتخابات الرئاسة، لتنطلق الثورة الثانية المكملة لأسباب قدرية أخرى متعلقة بالخوف من عودة الاستبداد والحكم الديكتاتورى. أخطئوا فى التلكؤ فى مسألة تطهير مؤسسات الدولة من الرموز الفاسدة المرتبطة بالنظام السابق. أخطئوا فى إقصاء الشباب الثورى والقوى الثورية التى كان لها الدور الأول والأهم فى الثورة، وكان لهم نصيب الأسد من التضحيات، ورغم ذلك لم يحصلوا على شىء من الامتيازات التى يستحقونها. استهانوا بالمشاكل الحياتية اليومية وغفلوا أن الجماهير قد تصبر مرة وتعطى فرصة مرة ومرتين، لكنها لا تصبر كل الوقت، وقد تسارعت لديها وتيرة التغيير والقابلية للثورة وانفجار الغضب، فلم تعد بالسنوات إنما بالشهور. وتيمة الثورة قد عُرفت وحُفظت ماركة مسجلة باسم محمد البوعزيزى وخالد سعيد، وهما بالأساس لا ينتميان إلى التيار الإسلامى أو إلى أي حركة إسلامية. لكن نسى البرادعى وتمرد والإنقاذيون وقادة الجيش والشرطة محمد البوعزيزى البائع المتجول التونسى الذى أحرق جسده فى ديسمبر عام 2010م الذى يرجع إليه فضل الثورة، ليس فى تونس وحدها، إنما فى تونس ومصر وليبيا وسوريا، وبعدها انتزع الشعب سلطة الحكم من الشموليين المستبدين ووضعوه أمانة فى أعناق الإسلاميين فى مصر وتونس والمغرب وليبيا باختيار شعبى حُر. نخب غير محسوبة على الإسلاميين وليست مرتبطة بالنظام السابق أعطتْ منافس مرشح الثورة والإسلاميين الدكتور محمد مرسى صوتها خوفاً من الإقصاء وخطر الانفراد بالسلطة الذى قرأت بوادره فيما حدث مع الشباب والقوى الثورية، مما أظهر الإسلاميين – مع حملة التشويه الإعلامى – كأعداء للديمقراطية وكخطر ماحق على الدولة المدنية. اليوم، الإسلاميون هم الأكثر حرصاً على الديمقراطية التى يأتى كسرها بتحالف عسكرى علمانى أكثر ضرراً من الصبر على نظام ورئيس نختلف معه؛ فالرئيس من السهل تغييره بعد سنوات قليلة، أما الديمقراطية فكلفة استعادتها ثقيلة. فإذا كان الإسلاميون ارتكبوا أخطاءً؛ فخطيئة الانقلاب على الديمقراطية بالقوة والدم والإقصاء والقمع أكبر وأفدح.