أحسب أن مؤسسة القضاء في جوهرها الأصيل لا ترضى أن تكون مُسيسة, فاستقلال القضاء أحد أهم ركائز الدولة (قديمًا وحديثًا), وإذا جاز لنا استخدام "مفردات العصر الحالي" وصفًا لما كان في صدر الإسلام, فقد اجتمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم قيادة السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية), لأنه النبي الخاتم المعصوم الموصول بالوحي - ولم يكن ذلك لغيره, فمع ولاية أبو بكر الصديق لم يكن له سلطتي التشريع أو القضاء, في تطبيق مبكر جدًا لمبدأ (الفصل بين السلطات) فأحال ملف القضاء لعمر بن الخطاب, وسار الخلفاء الراشدون على ذلك النهج الرشيد. إعلان مُبكر أن القضاء غير مقدس حكم النبي (ص) لصالح رجل من الأنصار بالبراءة وهو مُدان (كما جاء في سورة النساء), وجاء الاستدراك على حكم النبي (ص) من الله عز وجل, وقضى الله سبحانه بالبراءة ليهودي كان قد أدين بالتهمة على غير الحقيقة إن النبي لم ينطق عن هوى في قضائه بل قضى وفق الأدلة والقرائن والشهود, وقد يصادف القضاء (أي قضاء بشري) الحقيقة وقد لا يصادفها, ولعلنا بحاجة إلى مناقشة هادئة لبعض العبارات التي يرددها القضاة مثل: 1/ هل الحكم عنوان الحقيقة؟ نفهم أن القاضي قد يجتهد فيُصيب, وقد يجتهد فلا يدرك الصواب - وقد يكون لغيره حكم أصوب من حكمه, قال تعالي في سورة الأنبياء: [ وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين , ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكمًا وعلمًا ].. رأينا هنا أن حكمًا أصوب من حكم, ولم يكن ذلك إلا بتوفيق من الله سبحانه (ففهمناها سُليمان).. وحين نفهم أن ذلك الكلام كان بحق اثنين من الأنبياء الملوك فكيف لا نفهمه بحق من دونهما؟ كيف يكون الحكم عنوانًا للحقيقة، والقاضي يحكم على ضوء ما توافر له من أوراق؟ كيف يقول القضاة إن الحكم عنوان الحقيقة، وسيد الخلق (صلى الله عليه وسلم) وهو سيد قضاة البشر، قَالَ :"إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ ، وإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ، فَلا يَأْخُذْهُ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ" .. فإذا كان سيد الخلق يٌقر ببشريته، ويقول ما معناه أنه قد يقضي بحكم قد لا يكون عنوانًا للحقيقة .. فما بالنا بمن هم دونه !!! ثم إن القضاء المعاصر يجعل للتقاضي درجات، فحينما يتم استئناف الحكم أو نقضه من قبل قاضٍ آخر في محكمة أخرى، فهذا يعني أن أحد الحكمين لم يكن عنوانًا للحقيقة.. في مقال للأستاذ (أسامة رشدي) كتب نقلًا من عمود (نبيل عمر – أوراق خاصة) الأهرام 30/12/2008 م: أن نسبة تسعين بالمائة من أحكام الجنح المستأنفة تُلغي في محكمة النقض - كما نقل تحت عنوان إحصائية مفزعة وهى دراسة قام بها الدكتور محمد نور فرحات أستاذ القانون: إن ستين في المائة من الأحكام الجزئية تلغى في الاستئناف (الجمهورية 20/12/2008).. وهذا معناه وفقًا للإحصائيات الرسمية الواردة بالصحف القومية أن النسبة الغالبة من الأحكام القضائية تصدر بالخطأ, فكيف نردد (الحكم عنوان الحقيقة)؟ 2/ لا تعليق على أحكام القضاء من كثرة تكرار عبارة (لا تعليق على أحكام القضاء) على الفضائيات أو في الصحف والمجلات قد يتصور بعضنا أن لهذه العبارة سندًا من دستور أو قانون, لكن حين نقرأ الدستور (الحالي والسابق – في مصر وغيرها) سنجد نصوصًا تنص على أن حرية الرأي مكفولة ولكل إنسان التعبير عن رأية ونشره بالقول أو الكتابة أو التصوير أو غير ذلك ( دون استثناء أحد أو هيئة ), وحين نطالع مواد الدستور (الحالي والسابق – في مصر وغيرها) وقانون العقوبات وقانون السلطة القضائية لا نجد بها ما يشير أو يمنع نقد الأحكام أو التعليق أو التعقيب عليها.. تبقى هذه العبارة في غاية الغرابة, كما أنها تخلو من منطق أو قانون, فالله رب العالمين وحده هو الذي لا يُسأل عما يفعل, ولا راد لحكمه وقضائه, ومع ذلك أثبت (سبحانه) في كتابه (الذي نتعبد بتلاوته) كلامًا للبشر تعليقًا على ما قاله سبحانه وهو الكلام المُحكم والمُقدّس والمُنزّه .. كما أن النبي (ص) سمح لصحابته بمراجعته في أمور دنياهم فيما لا نص فيه.. ولمن لا يحبون هذا النوع من الاستشهادات أقول لهم :إن أحكام القضاء في كل دول العالم المعاصر يتم التعليق عليها, وبينما يتجاهل كثير من القضاة التعليق (بالمدح) يتوقفون كثيرًا مع التعليق (بالقدح) مع أن فقهاء الدستور والقانون وشيوخ القضاء كثيرًا ما يختلفون.. ففي مساء 27 /3/2013 على فضائية الناس استمعت لتعليقات مختلفة ومتضاربة لثلاثة من المستشارين ( مستشار / عبد الله فتحي – المتحدث باسم نادي القضاة – مستشار / أحمد الخطيب – رئيس محكمة استئناف الإسكندرية – مستشار حسن ياسين – النائب العام المساعد) – بالإضافة إلى الحفلة الليلية في كثير من برامج (التوك شو) التي خصصت حلقاتها للتعليق (مدحًا) على حكم محكمة الاستئناف الخاص بإلغاء قرار عزل النائب العام السابق / عبد المجيد محمود.. مما جعلونا في حيرة من أمرنا. إذن لا قداسة إذن لا نستطيع أن نجعل للقضاة ولا لغيرهم هذه القداسة، وإسلامنا أخبرنا أنه قد يكون (أكرر - قد يكون - ( ثُلثي (القضاة من أهل النار) فالحديث الصحيح الذي رواه غير واحد من الأئمة"أن القضاة ثلاثة قاضٍ في الجنة وقاضيان في النار" يعكس خطورة هذه المهنة, والواقع (في مصر وغيرها) كشف عن بعض القضاة الفاسدين- وأحسب أنه لمصلحة الناس (كل الناس) أن نتعامل مع الحاكم والشيخ والقس والمفتي والقاضي والإسلامي والإعلامي وغيرهم على أنهم بشر لا قداسة لهم – نحترمهم جميعًا؟ نعم – لا نتجاوز في حقهم ولا في حق أحد؟ نعم.. يتم تنفيذ الأحكام ولا يجوز الشغب عليها؟ نعم... ننتقدها ونتحاور بشأنها بكل احترام؟ أيضًا نعم.. [email protected]