البابا تواضروس للرئيس الفرنسي : أحوال أقباط مصر تشهد تطورا إيجابيا    فيديو| أجواء 7 ساعات باحتفالية الليلة الكبيرة لمولد السيد البدوي    خبراء يعددون أسباب حصد الاقتصاد المصري إشادات دولية باجتماعات واشنطن    انسحاب المحتجين من محيط القصر الجمهوري بلبنان    ترامب يؤكد استقالة وزير الطاقة الأمريكي.. ودان برويليت خلفا له    الأزهر يدين الهجوم على مسجد بأفغانستان: أشد أنواع الإفساد في الأرض    مقتل 20 حوثيا في انفجار مخزن أسلحة بالحديدة غرب اليمن    ناسا تنفذ أول مهمة «سير في الفضاء» نسائية بالكامل    خريطة الطريق بين حكومة السودان والحركة الشعبية تشمل 3 ملفات للتفاوض    رئيس المكسيك يعلن دفاعه لقرار الإفراج عن نجل "إمبراطور المخدرات"    جدول ترتيب الدوري بعد انتهاء مباريات الجمعة    ألعاب القوى بالأهلي يتوج ببطولة الجمهورية    ماراثون "دراجات" بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا برعاية وزير التعليم العالي    4 مواجهات قوية في دور الثمانية بدوري مرتبط السلة    فوز الأهلى والزمالك فى ثالث جولات دورى سيدات الطائرة    عرض أقراص مخدرة تم ضبطها مع موظفة حكومية بالوادى الجديد على المعمل الكيميائي    مصادرة 18 ألف عبوة «بسكويت» فاسدة في مطروح    مصرع طالب وإصابة 3 آخرين في حادث تصادم بالمنيا    النيابة تطلب تحريات المباحث حول القبض على عاطل وبحوزته 10 كيلو بانجو    فرد أمن يقتل زوجته وينتحر برصاصة في الرأس بالسويس    لا للتّخريب.. نيشان يستنكر اقتحام بنك خاص خلال تظاهرات لبنان    مي كساب بعد ظهورها حاملا في الشهر الأخير: "ممكن أولد دلوقتي" (فيديو)    على الهوا.. مي كساب تكشف نوع جنينها واسمه .. فيديو    بأمر الجمهور.. هنيدي يمد عرض «3 أيام في الساحل»    حكايات| طفلة و5 أشبال.. شروق أصغر مروضة أسود بالشرق الأوسط    الأوقاف تبدأ حملة "هذا هو الإسلام" ب20 لغة وتدعو منابر العالم للمشاركة    وزيرة الصحة تتفقد مستشفي طور سيناء العام    شركة أدوية عالمية تطلق مبادرة "أطفال اصحاء وسعداء" في مصر    قافلة طبية مجانية بقرية تل الزوكي في سوهاج    "ارتفاع في الحرارة".. تعرف على تفاصيل طقس السبت (بيان بالدرجات)    الشافعي وكيلا لنقابة الأطباء.. والطاهر أمينا عاما.. وعبد الحميد أمينا للصندوق    وزير الدفاع التونسي يشيد بدعم الولايات المتحدة لبلاده في مجال الدفاع    محافظ الدقهلية:تغيير مدير مكتبي وفقا لاجراءات ومقتضيات العمل ليس أكثر    انقطاع التيار الكهربائى عن محطة اليسر لتحلية المياه بالغردقة    حكم من فاتته الخطبة وأدرك صلاة الجمعة .. فيديو    محمد البشاري: تجديد الخطاب الديني لا يكون إلا بهذا الأمر    بعد دعوتها للنزول.. ماجي بوغصون مع المتظاهرين بالشارع    حنان أبوالضياء تكتب: «أرطغرل» يروج للأكاذيب التركية واختصر الإسلام فى الأتراك فقط    حركة السفن بميناء دمياط اليوم    دور الجامعات ورسالتها    كاف يحدد السابعة مساء موعداً لمباراة المنتخب الأولمبى أمام مالى بافتتاح أمم افريقيا    « النجارى» يطالب الحكومة بالإسراع فى شراء الأرز من الفلاحين قبل انتهاء موسم الحصاد    «المالية» تفتح الباب لتلقى مقترحات مجتمع الأعمال فى التشريعات الجديدة    هل يحق لجميع الخريجين التقديم في بوابة توظيف المدارس؟.. نائب وزير التعليم يجيب    فوز جامعة الإسكندرية بالمركز الأول عالمياً في نشر الوعي بريادة الأعمال    شباب المقاولون 2005 يهزم التجمع بخماسية فى سوبر منطقة القاهرة    "التعليم" تكشف إجراءات مهمة بشأن البوابة الإلكترونية للوظائف    القليوبية تفوز بالمركز الثاني على مستوى الجمهورية في رصد الأمراض المعدية    تعرف على 4 أشياء في كل مصيبة وبلاء تستوجب الفرح والشكر    هل زيارة القبور من الأعمال الصالحة؟    محافظ قنا يتفقد أعمال التطوير بمحيط مسجد سيدي عبدالرحيم القنائي    إضراب عمال السكك الحديد في فرنسا لانعدام وسائل الأمان    وزير الأوقاف من مسجد سيدي أحمد البدوي بطنطا ... يؤكد :هذا الجمع العظيم رسالة أمن وأمان للدنيا كلها    ضبط راكبين قادمين من دولة أجنبية حال محاولتهما تهريب أقراص مخدرة عبر مطار القاهرة    نمو اقتصاد الصين عند أدنى مستوى في 30 عاما مع تضرر الإنتاج من الرسوم    حقيقة اعتزام وزارة الطيران المدني بيع مستشفى «مصر للطيران»    الأهلي نيوز : تطورات الحالة الصحية لمحمود الخطيب بعد نقله للمستشفي    المفكر السعودي عبد الله فدعق: وزير الأوقاف المصري يهتم بالشأن الإسلامي العالمي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





قراءة مُعاصرة في خصائص السُنة النبوية
نشر في شباب مصر يوم 13 - 07 - 2010


بسم الله الرحمن الرحيم
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىَ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (هود: 88)
كثُرَ الحديث وكثرت التناقضات وكثرت الأسئلة حول السنة النبوية هل هي وحيٌّ ودينٌ ومصدر تشريع ثانٍ؟ فإذا كانت كذلك، فلماذا لم تحفظ من التحريف والزيادة والنقصان، والتناقض والتضارب كما حفظ القرآن؟ وهل هي شارحة للتنزيل الحكيم؟ فإذا كانت السنة النبوية شارحة لكتاب الله تعالى كما يزعم رجال الدين، فأين هذا الشرح المزعوم وهناك سوراً بأكملها لم يشرح الرسول (ص) منها حرفاً واحدا، وفي نفس الوقت بين أيدينا عشرات التفاسير، إن اتفقت على مدلول آية اختلفت في غيرهاّ؟
لقد تعددت مفاهيم السُنة النبوية لدى علماء الدين، ووضع (بعضهم) لها تعريفات ما أنزل الله بها من سلطان، وقلَت اجتهادات (بعضهم) القرآنية وكثرت آراؤهم الشخصية وتباينت فيما بينهم، وكل أدلى بدلوه، فباتت سُنته (ص) ناسخة لكتاب الله تعالى وقاضية عليه، مُعلِلين ذلك بقولهم "القرآن أحوج إلى السُنة أكثر من حاجة السُنة إلى القرآن"! سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُون.
القول المشهور عند السادة العلماء، أن معنى السنة والحديث في الاصطلاح واحد، وهو كل ما نقل عن النبي (ص) من قول أو فعل، أو إقرار أو تقرير، أو صفة خلقية أو صفة خُلقية، حتى الحركات والسكنات.. في اليقظة والمنام! قبل البعثة أو بعدها!
فالتعريف الفقهي لمصطلح السُنة المتعارف عليه عند السادة العُلماء ليس إلا وجهة نظر شخصية أصلها الإمام الشافعي، وليس النبي (ص) وهي قطعاً قابلة للنقاش والأخذ والرد، ولا تحمل أية قداسة. وانطلاقا من هذا المُصطلح الشخصي المُبتدع (السُنة، الحكمة، أو الوحي الثاني) الذي أوجده الإمام الشافعي، وبني عليه طاعة إلهية، أدخل المُسلمين في خلافات وتناقضات ومتاهات، نُعاني من أثارها في كل ساعة من ساعات اليوم الواحد،، مُعتبرين أفعال النبي (ص) حتى الشخصية منها، كإطلاق اللحى والسِواك أو كونه (ص) كان يأكل بيده اليُمنى، ويأكل التمر، أو يتبولَ قائماً أو جالساً! أو استخدامه للعود الهندي، وأنه كان صلوات الله عليه، ينام على جنبه الأيمن مصدراً من مصادر التشريع!
فالمُدقق المُتجرد في فقه الإمام الشافعي يرى بوضوح الدور الرئيس الذي لعبه هذا الفقيه، في الخلط بين أسلوب النبي (ص) الإنساني الشخصي في الحياة، وبين التشريعات الربانية، وكيف أصلّ فهمه للسُنة النبوية التي اخترعها بربطِها مُباشرة بطاعة الله تعالى، حيث نجده يقول في كتابه الرسالة:
اقتباس : فيُجمع القبول لما في كتاب الله ولسُنة رسول الله، القبول لكل واحد منهما عن الله ، وإن تفرع فروع الأسباب التي قبل بها عنهما، كما أحلَ وحرَم، وفرض وحدَ: بأسباب مُتفرقة كما شاء جلَ ثناؤه: لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ (الأنبياء:23) (انتهى)
إننا لا نجد لمُصطلح السُنة المُبتدع والمُعرف أعلاه، أية ذكر أو نص قرآني ظني أو قطعي في كتاب الله تعالى سوى بعض الآيات التي استشكل فهمها على السواد الأعظم من المسلمين، أو بعض الأحاديث المكذوبة على رسول الله (ص) لذا كان لا بدَّ لنا من تدبر آيات التنزيل الحكيم حتى يتيسر لنا الحكم بأصل هذا المُصطلح، حيث ورد مُصطلح (سُنة) في أربعة مواضع في التنزيل الحكيم من دون الإشارة ولو لمرة واحدة لسُنة الرسول (ص) البشر المخلوق، القاضية حسب المفهوم الفقهي المُبتدع على كتاب وأحكام خالقه المُحكمة.. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (الأنعام: 10) نقف خاشعين أمام قول الله تعالى:
فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ (لِسُنَّةِ اللَّهِ) تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (فاطر:43)
وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً * سُنَّةَ مَن قَدْ سُنَّةَ مَن قَدْ رْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً ( الإسراء: 76- 77)
فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (غافر: 84-85)
سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (الفتح:23)
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (الأحزاب:62)
بعد رحيل رسول الله (ص) إلى الرفيق الأعلى، ومنذ اللحظة الأولى، نشأت مُشكلة وراثة الدولة التي أسسها النبي (ص) فادعى كل طرف من المهاجرين والأنصار بأنه الوريث الأحق لزعامة هذه الدولة الفتية، وكان الخلاف بين المهاجرين والأنصار سياسياً لكنهم كانوا سباقين في نشر الرسالة، وفي تأسيس وتثبيت دعائم الدولة التي كُبرت. وبعد مقتل عُثمان بن عفان عام 35 ه حصلت الفتنة الكُبرى في الإسلام بين معاوية بن أبي سُفيان الذي كان حديث العهد بالإسلام (1) وعلي بن أبي طالب، هُزم فيها الأخير، وبعد التحكيم الشهير أصبح معاوية السُلطان الأول للُسنة في الإسلام.. وتمت تسمية الذين اتبعوا علي بن أبى طالب (الشيعة) والذين خرجوا عليه (الخوارج) (2) في موقعة صفين الفاصلة (3) وهكذا انقسم المسلِمون إلى طوائف ثلاث، أكبرهم طائفة المُنتصر، أهل السُنة والجماعة، (4) التي أنهت المرحلة الراشدة بشكل مُرعب، فعمَ الحديث واستشرى بين المسلمين ورُفع إلى مستوى القرآن، لذا فإن الأحاديث اَلْمُتَدَاوَلَة بين أتباع الفهم المغلوط للسُنة النبوية، وما يُطلق عليه جزافاً بالأحاديث الصحيحة..ليست إلا أحاديث مليئة بالطمي والرمم، والغث والسمين، والصحيح القليل، والموضوع الكثير، بالرغم من قول الحق سُبحانه وتعالى: إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَأُوْلئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (النحل:105)
لقد تلاقت أهداف السلطان مع أهداف (البعض) من أهل الكتاب للعبثِ بدين الله تعالى وتحريفه، رغم اختلاف مصلحة كل فريق، فالهدف الرئيس (للبعض) من أهل الكتاب عقائدي، بينما كان هدف السلطان مادياً وسياسي، لقد كان من المستحيل على الطرفين، تحريف كتاب الله تعالى والعبث به، فتضافرت الجهود لإيجاد وسيلة ناجعة لتحقيق الأهداف المنشودة، فتمخض عن هذه الجهود ولادة الأحاديث على رسول الله (ص) وبِدعة السُنة النبوية بمفهومها الفقهي الحالي الذي أصله الإمام الشافعي، رحمه الله. إن أصل البدعة مشروع سياسي غُلف بغلاف ديني، لا ينكره إلا جاهل أو مكابر. لقد اختلفت الأسباب، وكان الهدفُ واحد.
شرعية الأمويين والعباسيين
لم يجد الباحثون عن الشرعية في خلافة النبي (ص) من الأمويين والعباسيين إلا الاتكاء على آيات الإرث وآيات طاعة أولي الأمر لشرعنة مطلبهم، فالأمويون اتخذوا من طاعة أولي الأمر غِطاء أيديولوجيا وتكريساً لواقع قضاء الله وقدره ولا سبيل لرده، واعتبروا المعارضين لحكمهم، إنما هم يعارضون قضاء الله وقدره، وقد كان علماء السوء (علماء السلطان) خير معين للأمويين في اختراع تعريف مشوه للقضاء والقدر لتثبيت حكمهم، وهو أن قضاء الله تعالى هو علمه الأزلي، والله تعالى يعلم منذ الأزل بأن بني أمية سيتولون مقاليد الحكم، ولا رَادِّ إلى وقف القدر القاضي بنفاذ هذا القضاء.
في حين ابتدع عُلماء السُلطان للعباسيين الأقرب للنبي (ص) قاعدة فقهية سافرة أُدخلت على أحكام آيات الإرث والوصية، وهي أن البنت لا تحجب، لتكون غِطاء أيديولوجياً لشرعنة حكمهم وحقهم في ميراثه، ووضع حديث نُسب إلى النبي (ص) وهو حديث (لا وصية لوارث) وهو من أحاديث الآحاد، أخذه الأمام الشافعي من أهل المغازي، (كتب المغازي تحوي الغث والسمين من روايات السيرة النبوية) رغم إنكار الأخير في كتابه "الرسالة" لأحاديث الآحاد في مجال العقائد، فكان تناقضه مع الذات مثيراً للدهشة، ولكن ليس للاستغراب، فمداهنة البعض للحكام قد تتطلب موقفاً مُماثلا، خاصةً إذا وجد هذا البعض نفسه أمام مُفترقات خطرة، وبذلك تأسست أخطر سابقة عرفها التاريخ الإسلامي، وهي أن السُنة (الحديث النبوي) ناسخة للقرآن، وأن القرآن أحوج إلى السُنة من السُنة للقرآن! إن القارئ الفطن لا يحتاج إلى دكتوراه في علوم القرآن واللغة حتى يفهم المُراد من قوله تعالى: يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ ( النساء 11 )
فالله سُبحانه وتعالى في هذه الآية الواضحة، يوصينا في أولادنا، ذكوراً وإناثاً، وأن الولد قد يكون ذكراً وقد ويكون أنثى. وهنا نتوقف لنسأل السادة العُلماء، والفقهاء، والمحدثين من حملة الشهادات العُليا، هل الأولاد هم حصراً الذكور أم فيهم الإناث؟ وهل الوالدات يُرضعن الذكور فقط من دون الإناث؟ أين أنتم من قول الله تعالى: الْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ( البقرة: 233)
نعم، لقد استفرد سلاطين بني العباس بالحكم بعد أن أُخرجت ابنة رسول الله (ص) وأبنائها من اللُعبة السياسية من جهة، وصارت الأنثى لا تحجب منذ ذلك الحين من جهة أخرى، وأهدرت نصف حقوقها من الإرث وتشتت على أعمامها بدون وجه حق (هؤلاء الأعمام لا نجد لهم ذكراً في آيات المواريث!)
للأسف الشديد كان الإمام الشافعي على رأس المُبتدعين، فإن قال بأن البنت ولد، وبأنها تحجب كالذكر تماماً ، اتهمه العباسيون بالتشيع! وإن جانب الحق صار مارقاً، وهما خياران أحلاهما علقما عند العباسيين، وبذلك تم إبعاد ابنة رسول الله (ص) كوارثة، كما تم إبعاد الخليفة الرابع على كرَم الله وجهه، باعتباره ابن عم النبي (ص) والعم أحق وأولى، وصار الولد ذكراً، بالرغم من قول الحق سُبحانه وتعالى: يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ (النساء: 11)
وحتى لا نُتهم بأننا نهرف بما لا نعرف، فسوف نقتبس حرفياً ما رواه الطبري في تاريخه: المُجلد الحادي عشر النسخة الإلكترونية نصوصاً من الرسائل المُتبادلة بين أبي جعفر المنصور وبين الإمام محمد بن عبدا لله المُلقب بالنفس الزكية، الذي خرج على طاعة أبي جعفر المنصور وحكم بني العباس مُستنكراً بطشه في الطلابيين:
أرسل المنصور رسالة إلى الإمام يدعوه فيها إلى التوبة مُقابل الأمان له ولمن بايعه، فرد الإمام بدعوة المنصور إلى الدخول في طاعته وبيعته آمناُ على نفسه وماله، يقول فيها: "وأنا أولى بالأمر منك وافى بالعهد، لأنك أعطيتني من الأمن والأمان ما أعطيته رجالاً قبلي، فأي الأمانات تعطيني، أمان هبيرة أم أمان أبي مُسلم؟"
لكن الإمام أسهب في مطلع رسالته بالاعتداد بنسبه إلى فاطمة والنبي (ص) وبأرومته المُمتدة إلى الإمام عليّ كرم الله وجهه، فيقول،" وإن أبانا عليٌ كان الوصي وكان الإمام، فكيف ورثتم ولايته وولده على قيد الحياة؟ ويُتابع قائلاً، وأني أوسط بين هاشم نسبا وأصرحهم أباً، وأمي لم تعرق في العجم، ولم تُنازع في أمهات الأولاد." لم يأت رد المنصور على مُفاخرة الإمام بنسبه إلى فاطمة والنبي (ص) وبأرومته المُمتدة إلى الإمام عليّ كرم الله وجهه عرضياً أو مُبطناً، بل كان صريحاً وحاسماً، ويُبين بجلاء ارتكاز العباسيين على آيات الإرث في شرعنه حكمهم. يقول المنصور:
"فقد بلغني كلامك وقرأت كتابك، فإذا جلّ فخرك بقرابة النساء، لتُضل به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبة والأولياء، لأن الله جعل العم أباً، وبدأ به في كتابه على الولد الأدنى، فقال جلّ ثناؤه عن نبيه يوسف: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَآئِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِاللّهِ مِن شَيْءٍ ذَلِكَ مِن فَضْلِ اللّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَشْكُرُونَ (يوسف: 38)" ويُتابع المنصور قائلاً: “"وأما قولك: إنكم بنو رسول الله (ص) فإن الله تعالى يقول: مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (الأحزاب:40) ولكنكم بنو ابنته، وإنها لقرابة قريبة، ولكنها لا تحوز الميراث ولا ترث الولاية، ولا تجوز لها الإمامة، فكيف تورث بها، ولقد جاءت السُنة التي لا خِلاف فيها بين المُسلمين؟ (أن الجد أبا الأم، والخال والخالة لا يرثون؟)" (انتهى)
لم يجد بني العباس بُداً من إبعاد الناس عن نصوص القرآن الكريم لتثبيت العقيدة الجديدة، عقيدة الروايات، التي من شأنها أن تخدم السُلطان وحده، فتم إضافة الأحاديث التي تؤيد العباسيين وأحقيتهم في الحكم والتركيز على الروايات التي توجب أن يكون الحكم للقرشيين من دون القبائل الأخرى. أرجو أن لا يغيب عن ضمير الباحث المُتجرد النزيه، بأن الإمامين البُخاري ومُسلم، عاشا تحت سيطرة وسطوة سلاطين بني العباس، وكان لا يُسمح إطلاقاً بمُهاجمة الأحاديث التي كان لها السُلطة الفعلية في إصدار الفتاوى والقوانين، التي ربما وضعت حدوداً على ما يمكن نشره، أو حتى كانا مُكرهين ولم يستطيعا التعبير الصادق عن رأيهما، فدخل إلى صححيهما الكم الكبير من الأحاديث الموضوعة التي أساءت إلى الإسلام والمسلمين، وأصابتهما في مقتل.
إن أصحاب الفهم المغلوط للسُنة النبوية يتكئون على ما يُسمى بالحديث النبوي الظني، والمُمتلئ بالإسرائيليات، وألطم والرمم، والغث والسمين، والصحيح القليل، والموضوع الكثير، ولن نزيد، كمصدر للدين والعلم، معُتبرين هذه الأحاديث وحياً إلهياً ثانيا، وسُنة رسول الله (ص) القولية، بل ويصفون الصحيحين، على أنهما أصح الكتب بعد كتاب الله! والمُحزن جداً بأن السواد الأعظم من المُسلمين قد سلمّ بهذه المُغالطة تحت طائلة التكفير والنفي، فالمُمعن في دراسة هذه الكتب لا يجد فيها من الصحة إلا القليل النادر، فإن ثبتت عند البخاري نفاها مُسلم، فالحديث صحيحٌ فقط في نظر رواته، لا أنه صحيح في ذاته، وأن ما يُقال عنه "مُتفق عليه" ليس المُراد أنه مُتفق على صحته في الأمر، وإنما المُراد أن البُخاري ومُسلم قد اتفقا على إخراجه، (5) بعد أن أهمل عُلماء الحديث جميعاً أمراً خطيراً، وهو البحث عن حقيقة النص الصحيح لما تحدث به النبي (ص)
وقد يكون خافياً على السواد الأعظم من المسلمين، بأن الأحاديث النبوية الظنية الثبوت، قد نُقلت إلينا بالمعنى، وإن جهد السادة العُلماء بإقناعنا بدقة الرواة، وما تناقض الأحاديث مع التنزيل الحكيم من جهة، ومع العقل والعلم من جهة ثانية، إلا دليل على ذلك. هذه الحقيقة قد تم التستر عليها من قبل رجال الدين الذين جعلوا من رواد المساجد أشرطة تسجيل صماء بكماء عمياء، يُساقون إلى مُستنقعات من الجهل كما تُساق الخِراف إلى السلخ، تحت شعار الحديث المكذوب على رسول الله (ص) العلماء ورثة الأنبياء!
لقد طرحنا سؤلاً هاماً وحتى الساعة لم نسمع جواباً: كيف يكون في وحيّ الله تعالى، المتواتر، المشهور، الصحيح، الحسن، الضعيف، المرسل، المُنكر، المعروف، المتابع، المتروك، المعنعن، العزيز، الغريب، المُعلل، المُضطرب، المدرج، والمغلوب، المسند، المرفوع، والموقوف، الموصول، المقطوع، المقطع، المُعضَل، المُدّلَس، الشاذ، المحفوظ، الموضوع،– المسلسل، المُصحَف، المؤتلف، المُتفق، المُفترق، المُتشابه، العالي، النازل، الناسخ، المنسوخ؟
كتب الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي على صفحات موقعه الإلكتروني مؤكداً ما ذهبنا إليه، الآتي:
اقتباس : أن السنة من أجل ذلك دخلها المنكر والموضوع، وما لا أصل له من الحديث ، فضلا عن الضعيف والواهي وما لا يصلح للاحتجاج به، واختلط الحابل بالنابل، فلم يعد في الإمكان التمييز بين ما يصح وما لا يصح، وصحيح. (انتهى)
هل الأحاديث النبوية وحيّ مُنزل؟
الوحيّ في معاجم اللغة: لسان العرب: الوَحْيُ، الإِشارة والكتابة والرِّسالة والإِلْهام والكلام الخَفِيُّ وكلُّ ما أَلقيته إِلى غيرك.
مقاييس اللغة: وحيّ، الواو والحاء والحرف المعتلّ، أصلٌ يدلُّ على إلقاء عِلْمٍ في إخفاء أو غيره إلى غيره. يقول الحق سُبحانه وتعالى:
قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ) لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ ( الأنعام: 19)
وَكَذَلِكَ (أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآناً) عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ(الشورى: 7)
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا (أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ) وَإِن كُنتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (يوسف: 3 )
وَاتْلُ مَا (أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ) لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً (الكهف:27 )
اتْلُ مَا (أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ ( العنكبوت: 45 )
وَالَّذِي (أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ) هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (فاطر: 31)
إن المُتأمل في هذه الآيات، يرى بوضوح لا يقبل اللُبس. فالله تعالى هو الذي أوحى، والرسول (ص) هو الذي أُوحي إليه، والتنزيل الحكيم"إن هو وحيَ" الكلام الخفي ( إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ) لقد ساور مُعظم العرب الشك في ( الكلام الخفي ) الذي كان يتنزل على قلب رسول الله (ص) فالوحيَ كان موضوع التساؤل والشك، ولم تكن المُشكلة قطعاً في أقوال الرسول (ص) وأفعاله أو في سلوكه الشخصي. أنظر إلى قوله تعالى: وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ (لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ) وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (القلم: 51)
ففي التنزيل الحكيم فإننا نقرأ: وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ (قَالَ)إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴿البقرة: 124﴾ فهل يصح أن نقول: نطق الله،؟ فالتنزيل الحكيم قول الله تعالى ونطق رسوله الكريم، فإن قلنا نطق الله فقد كذبنا، وإن قلنا قال رسول:إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ الله فقد أمعنا في الكذب.
وثمة من يوجه إلينا سؤلاً مشروعاً، أليست الحكمة في كتاب الله هي السُنة النبوية، ألم يقل الحق سُبحانه وتعالى: وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ( النساء 113 )
نُجيب بما روي عن رسول الله (ص) إن صّحّ عنه: "الحكمة ضالة المُؤمن أينما وجدها ( أخذها ) وفي رواية هو أحق بها ( الترمذي 611 ) وهذا الحديث إن صحَ عن رسول الله (ص) فإنه يؤكد بأن الحكمة ليست وحياً، قد تأتي الحكمة وحيَاً وقد لا تأتي، أي ليس لِزاماً لها، فهي ليست إلا تعاليم عامة أخلاقية مقبولة إنسانياً لكل أهل الأرض، وغير مقصورة على الأنبياء، بل أنها تجري على ألسن الحُكماء في كل زمان ومكان حتى قيام الساعة. فلُقمان لم يكن نبياً، كقوله سُبحانه:
وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (لقمان: 12 ) وقوله أيضا:ً
يؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (البقرة: 269)
وحيَ أم وحيين ؟ هل الحكمة هي السُنة؟
يعتبر الإمام الشافعي وبدون أن يُقدم دليلاً واحداً من آيات الكتاب، أو حتى الحديث النبوي الذي اعتمده هو نفسه في استنتاجه، بأن الحكمة في كتاب الله تعالى هي السُنة النبوية، حيث نجده يقول في البيان الرابع من كتابه "الرسالة"
اقتباس: كل ما سن رسول الله مما ليس فيه كتاب، وفيما كتبنا في كتابنا هذا، من ذكر ما منَ الله به على العباد من تعلم الكتاب والحكمة، دليلٌ على أن الحكمة سُنة رسول الله، وفي موضع آخر من نفس الكتاب نجده يقول:
فذكر الله الكتاب وهو القرآن، وذكر الحكمة فسمعت من أرضي من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سُنة رسول الله ، وهذا ما يُشبه ما قال والله أعلم، لأن القرآن ذكر اتبعته الحكمة، وذكر الله مّنَه على خلقه بتعليمهم الكتاب والحكمة، فلم يُجوز- والله أعلم - أن يُقال الحكمة هنا إلا سُنة رسول الله ، وذلك أنها مقرونة مع الكتاب، وأن الله افترض طاعة رسوله، وحتم على الناس إتباع أمره، فلا يجوز أن يُقال لقولٍ فُرض إلا لكتاب الله وسُنة رسوله لما وصفناه من أن الله جعل الإيمان برسوله قروناً بالإيمان به. ( انتهى )
ذهبنا إلى كتاب الله تعالى فبحثنا في آياته، ووجدنا أن مدلول كلمة الحكمة لا يشير لا من قريب أو بعيد إلى مُصطلح السُنة النبوية، لنتأمل قول الحق سُبحانه وتعالى: وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً ( النساء:13)
يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (البقرة: 269)
وَلَمَّا جَاء عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (الزخرف:63)
أمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكاً عَظِيماً ( النساء: 54)
فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (البقرة:251)
وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً (الأحزاب:34) لنتدبر إحدى الآيات القرآنية التي تموضعت في حقلها الحكمة، يقول سُبحانه وتعالى:
وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً * وَلاَ تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً * كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيٍّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً * ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً (- الإسراء: 36- 39)
فإذا ما عدنا إلى قوله تعالى: يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ (البقرة: 269)
يتبين لنا بشكل قاطع بأن الحكمة لا تحتاج إلى نبوة ولا إلى رسالة، فلقمان أوتي الحكمة وهو ليس بنبي ولا برسول بدلالة قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَنْ يَشْكُرْ إِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيد (لقمان: 12) والسؤال الذي نطرحه على أصحاب الاختصاص والذي يفرض نفسه بقوة: إذا كانت الحكمة هي السُنة، فأين هي السُنة عند نوح وهود شعيب وصالح وموسى وعيسى، وإسماعيل وإبراهيم ويوسف، وهؤلاء جميعاً يشملهم قول الحق سُبحانه في الآيات التي استشهدنا بها؟
إن المُدقق في مرامي لفظ الحكمة التي وردت في سياق الآيات الكريمة، يرى بوضوح لا لبس فيه، بأن آيات الحكمة خالية من التشريعات أو الأحكام، وبالتالي فإنه لا يُبنى عليها أحكامٌ شرعية أو عقائدية، ومن المُفيد استعراض بعض أحاديث الحكمة التي نُسبت إلى رسول الله (ص) "إن صحت عنه"
لا ضرر، ولا ضِرار (ابن ماجة 2331)
دع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك (الترمذي 2442)
من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراُ أو يصمت (البخاري 5550)
لا يؤمن أحدكم حتى يُحب لأخيه ما يُحب لنفسه (البخاري 12)
المُسلم من سلم الناس من يده ولسانه (البخاري 9 )
وهنا لنا وقفة مع عُلماء النقل.. إذا كانت السُنة هي الحكمة، لماذا لم يُعرفها الرسول (ص) للمسلمين بنفسه؟ ولماذا لم يأمر بجمعها وكتابتها إلى جانب كتاب الله؟ وهل يصح أن يدع نصف ما أوحى الله تعالى إليه يغدو بين الأذهان بغير قيد، يمسكه هذا وينساه ذاك، ويتزيد فيه هذا وذاك؟ وهل يكون الرسول (ص) قد بلغ الرسالة على وجهها، وأدى الأمانة كلها؟ ثم كيف كان حال المسلمين الذين قضوا قبل أكثر من قرن ونصف من ولادة الإمام الشافعي، الذي ولد سنة 150 وتوفي 205 ه، دون أن يعرفوا بأن الحكمة هي سُنة رسول الله وأنها المصدر الرديف لشرع الله تعالى وأوامره؟
هل السُنة النبوية شارحة لكتاب الله مُبينة لأحكامه؟
لقد أجمع عُلماء الأمة سلفاً وخلفاً، وعلى رأسهم الإمام الشافعي، بعد أن استشكل عليهم فهم المُراد بقوله تعالى (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ) على أن السُنة شارحة لكتاب الله مُبينة لأحكامه، فقول الحق سُبحانه، بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل:44) تأمر الرسول (ص) بأن يُظهر ولا يكتم ما نُزِلَّ إليه (ص) من الذكر الحكيم (أمرٌ بالإظهار والإبانة وعدم الكتمان) بدلالة قوله تعالى:
يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا (يُبَيِّنُ) لَكُمْ كَثِيراً مِّمَّا كُنتُمْ (تُخْفُونَ) مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (المائدة:15)
إِنَّ الَّذِينَ (يَكْتُمُونَ) مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا (بَيَّنَّاهُ) لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (البقرة:159)
أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ (لَتُبَيِّنُنَّهُ) لِلنَّاسِ (وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (آل عمران: 187)
وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى (يَتَبَيَّنَ) لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ (البقرة:187)
وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا (تَبَيَّنَ) لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأوَّاهٌ حَلِيم (التوبة: 114)
يقول الشيخ الألباني رحمه الله، في رسالة بعنوان "منزلة السنة في الإسلام" وبيان أنه لا يستغنى عنها بالقرآن، يقول فيها:
اقتباس: "تعلمون جميعاً أن الله تبارك وتعالى اصطفى محمداً صلى الله عليه وسلم بنبوته، واختصه برسالته، فأنزل عليه كتابه القرآن الكريم، وأمره فيه - في جملة ما أمره به أن يبينه للناس، فقال تعالى: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّل إليهم (النحل:44) والذي أراه أن هذا البيان المذكور في هذه الآية الكريمة يشمل على نوعين من البيان." (انتهى)"
لأول : بيان اللفظ ونظمه وهو تبليغ القرآن وعدم كتمانه وأداؤه إلى الأمة ، كما أنزله الله تبارك وتعالى على قلبه صلى الله عليه وسلم، وهو المراد بقوله تعالى: ( يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك ) (المائدة:67) وقد قالت السيدة عائشة رضي الله عنه في حديث لها "ومن حدثك أن محمداً كتم شيئاً أُمر بتبليغه: فقد أعظم على الله الفرية"، ثم تلت الآية المذكورة " (أخرجه الشيخان) ، وفي رواية لمسلم، " لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتماً شيئاً أُمر بتبليغه لكتم قوله تعالى: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمتَ عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه) (الأحزاب:37)
والآخر: بيان معنى اللفظ، أو الجملة، أو الآية الذي تحتاج الأمة إلى بيانه، وأكثر ما يكون ذلك في الآيات المجملة، أو العامة، أو المطلقة، فتأتي السنَّة" فتوضح المجمل، وتُخصِّص العام، وتقيِّد المطلق، وذلك يكون بقوله صلى الله عليه وسلم، كما يكون بفعله وإقراره. (انتهى)"
نُقدر اجتهاد الشيخ، رحمة الله عليه، ونتفق معه بأن بيان اللفظ ونظمه، هو تبليغ القرآن، وعدم كتمانه، وأداؤه إلى الأمة ، كما نزله الله تبارك وتعالى على قلب رسول الله (ص) ونختلف معه في أن السُنة مُبينة ومُفسرة، فتوضح المُجمل، وتُخصص العام، وتُقيد المُطلق. فقول الله سُبحانه:
وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً (لِّكُلِّ شَيْءٍ) وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين ( النحل 89 ) يدحض إدعاء الشيخ وينسفه.. فقوله سُبحانه في غاية الوضوح: وَنَزَّلْنَا الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْء.
كتب الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، أحد العلماء البارزين، والدعاة المشهورين، والمصلحين المعدودين على أهل السُنة والجماعة، وعلى صفحات موقعه الالكتروني وفي مُجمل رده على شُبهات أعداء الإسلام..
اقتباس : أما قوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ ، فالمراد بهذه "الكلية": ما يتعلق بالأصول والقواعد الكلية التي يقوم عليها بنيان الدين في عقيدته وشريعته، ومن هذه الأصول: أن الرسول مبين لما نزل إليه، وبعبارة أخرى (أن السنة مبينة للقرآن) لقوله: وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نُزِّلَ إليهم (النحل 44 )
إننا نقرأ في قوله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ (تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ)، أن الله نزّل على قلب رسوله (ص) كتاباً كاملاً موضحاً لكل أمر يحتاج إلى تبيان. فقوله سبحانه وتعالى، وهو أصدق القائلين: تبياناً (لكل شيء) هو قولٌ في غاية الوضوح ولا يقبل التأويل، أما تأويل الشيخ الفاضل بحصر هذه "الكُلية" بالأصول والقواعد الكُلية فليس عندنا بشيء. نقول هذا ونحن نستذكر قول الحق سُبحانه:
وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيماً قَدْ (فَصَّلْنَا الآيَاتِ) لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ ( الأنعام: 126) وقوله أيضا
أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي (أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً) وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( الأنعام:114)
لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثاً يُفْتَرَى وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ (وَتَفْصِيلَ كُلَّ شَيْءٍ) وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يوسف: 111)
)
الَر كِتَابٌ (أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ) مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِير (هود:1)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ (وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلا) (الإسراء: 112)
فالتنزيل الحكيم صادق مع الواقع ودقيقٌ في تراكيبه ومعانيه. وبالرغم من هذه الحقيقة، فإننا نرى خلطاً واضحاً عند الشيخ بين مفهومين: البيان والتبيان. إن المُسلمين وللأسف الشديد، لا يرَون العقيدة الصحيحة والدين الصحيح إلا من خلال كتب التراث التي كتبها رجال الدين عبر التاريخ السُني خلال أربعة عشر قرنا، وبتجرد يمكن تقييم معتقدات الذين فرقوا دينهم وجعلوه شيعا، بأنها نظرة شركية بحتة.. فهم لم يحاولوا قط فهم القرآن إلا من خلال كتب التراث المُغلفة بأحاديث مكذوبة نُسبت للرسول الكريم (ص) ظُلماً ، وكأنهم يقولون وبصراحة وبلاهة لا مثيل لهما: بأن الله سُبحانه وتعالى أنزل لعبادة مجموعة من الطلاسم؟! بالرغم من قول الله تعالى: وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِين ( النحل: 89 )
لقد أخذ غالبية المُفسرين فهم هذه الآيات على ظاهرها، بل نراه تسطيحاً وتخبُطاً وإخراجاً للنصوص من سياقها، فقد أوهموا العِباد بأن التنزيل الحكيم مُفتقر إلى بيان حتى أخذهم الشطط، وقالوا بأن الأحاديث أو السُنة القولبة ناسخة لكتاب الله!
وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ (النحل: 43)
بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل: 44)
فالبيان هو: الإظهار والإبانة وعدم الكتمان، وهذا أوضح من أن ينكره عاقل
ففي الآية الأولى، الخطاب موجه إلى المشركين من قريش الذين كذّبوا الرسول (ص) فأهل الذكر في الآية الأولى هم أهل الكتاب، والذكر هنا هو التوراة والإنجيل، وقوله (مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) التي جاءت في الآية الثانية تعود على الناس كافة. أما قوله سُبحانه، وفي نفس الآية (وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ) فهي تعود على رسول الله (ص) ليُبين ( ليُظهر ) للناس (أهل الكتاب والمشركين، والذين آمنوا ) مواطن التحريف وما تم نسخه ( بين الرسالات حصراً ) أو تعديله وإقراره في التنزيل الحكيم ( الذكر) ومن هذا الجانب نفهم قوله تعالى: بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ (مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (النحل: 44)
نخلص إلى القول بأن السُنة المُبتدعة لم تُبين ولم تشرح آيات الله الواضحات ولكنها حرمت الحلال، وأحلت الحرام، ونسخت الآيات والأحكام، وجاءت بتشريعات جديدة ما أنزل الله بها من سُلطان، حتى باتت هذه الأحكام السماوية نسياً منسياً عند أتباع الرسالة المُحمدية، نُعدد بعضها ونُسهب في شرحها في الفصول القادمة، وهي مواضيع هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
أركان الإسلام والإيمان، الناسخ والمنسوخ، شروط عقد النِكاح، أحكام الطلاق، ملك اليمين، زواج المِتعة، الرجم، أحكام الإرث والوصية، الصِراط المُستقيم، أوقات الحج وشعائره، صيام شهر مضان، الصلاة المكتوبة، مفهوم الزكاة، القِوامة وضرب الزوجة، الجزية، القتال في سبيل الله، الجهاد في سبيل الله، قتل المُرتد، حقيقة الإسراء والمعراج، عقوبة المرتد، التحريم مع الله، التعددية الزوجية، مُعجزات الرسول (ص) ، لِباس المرأة، التبني في الإسلام.
مفهوم عصمة الرسول (ص) في كتاب الله تعالى
لقد أشرنا في مُقدمة الكتاب إلى حقيقة هامة، وهي أن اَلْمُسْلِمِينَ، وبعد أن هجروا كتاب الله تعالى قد أخرجوا أقوال رسول الله (ص) وأفعاله من المصدر الرئيس، الكتاب الذي أُحكمت آياته من لدن عزيز حكيم، كما جردوه (ص) من بشريته، حتى أصبح البُصاق على الطعام والشراب من مُعجزات رسول الله (ص) وبات التبرك ببوله أمراً مُستساغاً، نُحيط القارئ الكريم علما بأن هنالك العديد من الكتب التي ألفت في هذا الفن خصيصاً، وهي مُستوحاة من ما يُطلق عليه جِزافا بصحيحي البخاري مُسلم.. إليكم بعض الأمثلة من هذه الأحاديث المكذوبة على رسول الله (ص) التي يبرز فيها التناقض وتغيب عنها المصداقية.
صحيح البخاري، الحديث رقم 4204 عن البراء بن عازب، انه كان مع الرسول (ص) يوم الحديبية إلف وأربعمائة أو أكثر، فنزلوا على بئر فنزحوها فاتوا النبي (ص) فأتى البئر وقعد على شفريها، ثم قال: ائتوني بدلو من مائها، فأتي به ( فبصق ) فدعا ثم قال: "دعوها ساعة" فأروا أنفسهم ورِكابهم حتى ارتحلوا. وفي الحديث رقم 4203 ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ ثم تمضمض ودعا ، ثم صبه فيها
صحيح البخاري، الحديث رقم 4259 حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن، عن أبي حازم ، قال أخبرني سهل بن سعد (ض) أن رسول الله (ص) قال يوم خيبر "‏ لأعطين هذه الراية غدا رجلا ، يفتح الله على يديه ، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله "‏‏ قال فبات الناس يدركون ليلتهم أيهم يعطياه، فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (ص) كلهم يرجو أن يعطاها فقال:‏ أين علي بن أبي طالب؟ .‏ فقيل، هو يا رسول الله يشتكي عينيه‏.‏ قال:‏ فأرسلوا إليه،‏‏.‏ فأتي به (فبصق) رسول الله (ص) ي عينيه، ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال:‏ أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النعم .‏‏
صحيح البخاري، الحديث رقم 185 حدثنا آدم قال حدثنا شعبة قال حدثنا الحكم قال سمعت أبا جحيفة يقول خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهاجرة فأتي بوضوء فتوضأ فجعل الناس يأخذون من فضل وضوئه فيتمسحون به.. فصلى النبي صلى الله عليه وسلم الظهر ركعتين والعصر ركعتين وبين يديه عنزة وقال أبو موسى دعا النبي صلى الله عليه وسلم بقدح فيه ماء فغسل يديه ووجهه فيه (ومج فيه) (أي بَصقَ) ثم قال لهما اشربا منه وأفرغا على وجوهكما ونحوركما..
كثُرت الآراء حول عصمة رسول الله (ص) وتعددت فيها أقوال العُلماء وتباينت فيما بينهم ، فمنهم من قال بأن الرسول (ص) غير معصوم في غير التبليغ ، إي أنه معصومٌ فيما يؤديه عن الله تعالى، وليس بمعصوم في غير ذلك من الخطأ والنسيان والصغائر من الذنوب، (قال السفا ريني في شرح عقيدته) قال ابن حمدان في نهاية المبتدئين: أنه يجب أن يكون النبي معصوماً من جميع الرذائل والفواحش منذ الصغر وحتى الموت، عمداً وسهوا.
وقال ابن عقيل في الإرشاد: إنهم عليهم السلام، لم يعتصموا في الأفعال، بل في نفس الأداء ولا يجوز عليهم الكذب في الأقوال فيما يؤدوه عن الله ، وقال ابن تيمية: الأنبياء صلوات الله عليهم معصومون فيما يخبرون به عن الله سبحانه وتعالى في تبليغ رسالاته باتفاق الأمة.. ولهذا وجب الإيمان بكل ما أوتوا، كما قال تعالى ( قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم ) وقوله ( آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) ( مجموع الفتاوى 10/ 29 )
بيد أننا نقول: أنه وبالرغم من اختلاف المسلمين في مقدار عصمة رسول الله (ص) إلا أنهم قد نسبوها له بشكل أو بآخر، وهنا نطرح سؤالاً: كيف لنا أن نوفق ما بين القائلين بعصمة الرسول (ص) قبل وبعد بعثته وبين قوله تعالى: وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (الضحى:7)
يعتبر الإمام عبده رحمه الله عليه، أن عصمة رسول الله (ص) كالمعُجزة، ضرورة من ضروريات صدق الرسالة، ومن مُقتضيات حكمة الله، وإذا كان الرسول، كبشر يجوز على جسده ما يجوز على أجساد البشر، وإذا كان الرسول كمجتهد قد كان يمارس الاجتهاد والشورى وإعمال العقل والفكر والاختيار بين البدائل في مناطق وميادين الاجتهاد التي لم ينزل فيها وحى إلهي.. فإنه معصوم في مناطق وميادين التبليغ عن الله - سبحانه وتعالى - لأنه لو جاز عليه الخطأ أو السهو أو مجانية الحق والصواب أو اختيار غير الأولى في مناطق وميادين التبليغ عن الله، لتطرق الشك إلى صلب الرسالة والوحي والبلاغ، بل وإلى حكمة من اصطفاه وأرسله ليكون حُجة على الناس. كذلك كانت العصمة صفة أصيلة وشرطًا ضروريًا من شروط رسالة جميع الرسل (ع) فالرسول في هذا النطاق - نطاق التبليغ عن الله، وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحى يوحى، وبلاغة ما هو بقول بشر، ولذلك كانت طاعته فيه طاعة لله، وبغير العصمة لا يتأتى له هذا المقام. أما اجتهادات الرسول (ص) فيما لا وحى فيه، والتي هي ثمرة لإعماله لعقله وقدراته وملكاته البشرية، فلقد كانت - تصادف الصواب والأولى، كما كان يجوز عليها غير ذلك.. (الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده ) دراسة وتحقيق الدكتور محمد عمارة ج2 صفحة 415
يقول الله سبحانه وتعالى: اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (الحج:75)
يُفهم من قوله تعالى، بأن الأنبياء هم صفوة البشر وأفضلهم ولا خلاف في ذلك، لكن هذا الاصطفاء والتفضيل القرآني للأنبياء، لا يعني أن التنزيل الحكيم قد نسب إليهم العصمة، بل نفاها عنهم بدليل أن القران قد نسب إليهم نواقص الصِفات (كالنسيان والسهو) والأعمال قبل وبعد بعثتهم ومُعرضون لما يتعرض له بقية البشر من السهو والنسيان والأخطاء والذنوب.. بدلالة قوله تعالى:
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ) وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً (الفتح: 2)
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ) وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ (محمد: 19)
قَد (تَّابَ الله عَلَى النَّبِيِّ) وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (التوبة:117)
وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ( القصص 87 )
وَالَّذِي أَطْمَعُ أَن (يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي) يَوْمَ الدِّينِ (الشعراء: 82 )
سَنُقْرِؤُكَ (فَلَا تَنسَى) (الأعلى: 6)
قَالَ رَبِّ إِنِّي (ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي) فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (القصص: 16)
قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا (نَسِيتُ) وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً (الكهف: 73)
لقد جاءت هذه الآيات المبينات لتقطع الشك باليقين حول المفهوم المُلتبس الذي تواتره المُسلمون في مسألة عصمة الأنبياء، وهذا المفهوم وللأسف من المفاهيم الثابتة عند السادة العُلماء، رغم تعارضه مع نصوص الكتاب الذي أُنزل على قلب رسول الله (ص) الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، بعد هذا كله ننطلق في تساؤلنا المشروع: كيف لنا أن نوفق بين أقوال الأئمة الذين ضلوا وأضلوا، وبين هذه الآيات الواضحة؟
العصمة في معاجم اللغة
مقاييس اللغة: (عصم ) العين والصاد والميم أصلٌ واحدٌ صحيحٌ يدلُّ على إمساكٍ ومنْع وملازمة والمعنى في ذلك كلِّه معنىً واحد. من ذلك العِصْمة: أن يعصم اللهُ تعالى عَبْدَه من سوءٍ يقع فيه
واعتصم العبدُ بالله سبحانه وتعالى، إذا امتنع. واستَعْصَم: التجأ
العصمة في اللغة معناها المنع، يقال عصمته عن الطعام أي منعته عن تناوله، وعصمته عن الكذب أي منعته عنه، وتقول العربُ: أعْصَمتُ فلاناً، أي هيّأتُ له شيئاً يعتصم بما نالته يدُه أي يلتجئ ويتمسَّك به، ومنه قوله تعالى:
قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاء قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ إِلاَّ مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (هود:43) وقوله أيضاً
يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (غافر:33)
للوقوف أمام مفهوم عصمة رسول الله (ص) في كتاب الله تعالى، نقف خاشعين أمام قول الحق سُبحانه:
يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (المائدة: 67)
إن النظر في هذه الآية الكريمة بُبين لنا بشكل لا يقبل التأويل، بأن الله سُبحانه وتعالى قد عصم رسوله الكريم (ص) من تأثير الناس عليه، وحمايته من شرور الكُفار وكيد الفُجار حصراً، ولم يعصمه من الأخطاء، أو السهو والنسيان، ناهيك عن الذنوب، لقوله سُبحانه:
وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً * وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً * إِذاً لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرا ( الإسراء 73- 75 ) وقوله سُبحانه:
وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (النساء 113 )
إن أهم وأبرز ما يستوقف المُتأمل في الآيتين السابقتين: أنه كيف يكون لرسول إنسان بشر، مُعرض لمِثْلَي عذاب الحياة في الدنيا ومثْلَي عذاب الممات في الآخرة، أن يُشرع مع الله وينسخ آياته، ويُحرم ما أحلّ الله ويقضي على أحكامه؟ والله سُبحانه وتعالى يُخبرنا بشكل لا يقبل التأويل، أنه فضل على رسوله (ص) فضلاً عظيماً، وعصمه برحمته من طائفة همت بإضلاله، وأنزل عليه الكتاب الذي فيه تبيان كل شيء، وعلمه من الحكمة ما لم يكن يعلم؟ فقوله تعالى: وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً ( ولولا أن ثبَّتناك) على الحق، لِعِصمتنا إِياك لقد كدتَ تركَن إِليهم، أي هممتَ وقاربتَ أن تَميل إِلى مرادهم شيئاً قليلاً. إن المُدقق المُتجرد في هاتين الآيتين ، يُدرك بأن العصمة الإلهية اقتصرت على تأثير الناس على رسول الله (ص) لقد صدق الله تعالى وعده، فبلغّ الرسول (ص) الرسالة وأدى الأمانة. ( في مُناسبة نزول هذه الآيات أربعة أقوال ) (6)
لن يجد القارئ الفطن المُتدبر لكتاب الله تعالى، المُتسلح بعلوم ومعارف هذا العصر، والمُتحرر من عبودية السلف وكتب التُراث ، صعوبة في استشفاف المعنى الحقيق لمفهوم مُصطلح لفظ (السُنة) الذي ورد في الآيات السابقة، والذي يقتصر على مفهومين اثنين لا ثالث لهما:
أولاً: (سُنن) قوانين الله تعالى التي لا تتحول ولا تتبدل، بدلالة قوله سُبحانه: فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (فاطر: 43)
ثانياً: المنهج أو الدأب أو الطريقة (الفعلية والعملية) الذي يسير عليه الناس في تطبيق هذه القوانين الثابتة، وهو الطريق الموصل إلى غاية معنوية كانت أو محسوسة، وما عداه من تعريفات بشرية فليس عندنا بشيء، لأن لفظ (سُنة الرسول) لم يرد في التنزيل الحكيم أصلاً، وإنما ورد فيه (سُنة الله) فقط ، كما بينت (أظهرت) الآيات الكريمة التي استشهدنا بها، وقد يطرح أحدهم سؤلاً مشروعاً: إذا كانت السُنة هي القانون والمنهج العملي، فهل سن القوانين حصري لله تعالى؟ ألا يحق للرسول (ص) بصفة خاصة، والناس بصفة عامة، في سن القوانين لتنظيم شؤونهم؟ قبل الإجابة على هذا السؤال الهام، يتوجب علنيا أن نُميز بين مفهومين مُتداخلين وشائعين، المفهوم الأول مُصطلح الرسول والثاني مُصطلح النبي (ص)
مهمة الرسول – صلوات الله وملائكته عليه
لا يختلف اثنان من المسلمين العقلاء بأن التنزيل الحكيم يخلو من الحشو واللغو والعبثية، والمُتدبر لكتاب الله تعالى، يرى وبوضوح دقة تراكيبه ومعانية التي لا تقل عن دقته سُبحانه وتعالى في خلقه لهذا الكون من أصغر ذرة إلى أكبر مجرة، فلكل حرف في التنزيل الحكيم وظيفة ولكل كلمة مُهمة، فما هي مهمة الرسول (ص) المُحددة في ضوء التنزيل الحكيم؟ القول الفصل نجده في هذه الآيات الواضحة:
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ (فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (التغابن:12)
(فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ) وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (آل عمران:20)
وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ (أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) (المائدة: 92)
وَإِن مَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ) وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (الرعد:40)
(فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (النحل:35)
فَإِن تَوَلَّوْاْ (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) (النحل:82)
قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) ( النور:54)
وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ) (العنكبوت: 18)
(مَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ) (بس:17)
فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ) وَإِنَّا إِذَا أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الْإِنسَانَ كَفُورٌ (الشورى:48)
بعد تدبر هذه الآيات الواضحات، نخلص إلى القول بأن كل ما فعله النبي (ص) بعيداً عن الرسالة ليس تكليفاً شرعياً، وأن مهمة الرسول (ص) الوحيدة تقتصر على تبليغ الرسالة التي نزلت على قلبه وحياً، كاملة بأوامرها ونواهيها، لقوله تعالى:
أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (المائدة:67)
لقد جاءت طاعة الرسول (ص) المُكلف بتبليغ الرسالة للناس بأوامرها ونواهيها مُقترنة بالرسالة المكلف بتبليغها، لقوله سُبحانه: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( آل عمران 132) وقوله سُبحانه: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (المجادلة: 13)
وقد عزز سبحانه وتعالى هذه الطاعة بربطِها مباشرة بطاعته بدلالة قوله سُبحانه: مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّه وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (النساء: 80)
لقد استعرضنا هذه الآيات الواضحة والمُحددة لنصل بعدها إلى القول: بأنه من حق الناس والنبي (ص) بصفته نبياً وإماماً وقائداّ ومؤسساً لهذه الأمة في سن القوانين التي لا تتصادم مع سُنن قوانين الله، لأن سُنة (قوانين) الله تعالى هي المُهيمنة على سُنن البشر في كل الأحوال. نُشير بعجالة إلى حقيقة هي في غاية الأهمية، ويجب أن لا تغيب عن ذهن المُتدبر لكتاب الله تعالى: وهي أن سُنن (قوانين) العليم القدير، ثابتة أزلية، بمعنى أنها لا تتأثر بالزمان ولا بالمكان، ولا يُمكن لها أن تتصادم مع الحقائق الكونية، ولا تتبدل ولا تتحول لقوله سُبحانه وتعالى: فَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ( فاطر 43 ) بعكس سُنن النبي (ص) الصحيحة ( الفعلية والعملية والمُتواترة ) فهي ليست ثابتة، ولكنها ظرفية زماناً ومكانا، متحركة تُراعي احتياجات الناس وَمُتَطَلَّبَاتهمْ اليومية (وهي ليست وحيا)
إن المعيار الوحيد للأخذ بهذه السُنن، هو انطباقها على التنزيل الحكيم والواقع المُعاش، فإن تعارضت تركناها.
ومن أهم هذه السُنن، تلك الخطبة التي كانت تسبق الصلاة من يوم الجمعة أو تليها، والتي راعت احتياجات المُصلين آنذاك، واستمرت طيلة فترة الخلافة الراشدة، إلى أن حولها المنتصرون من أهل السنة والجماعة من (موعظة الجمعة) إلى منبر سياسي لخدمة السلطان، فتحول الخطيب إلى قزمٍ ومريد، يدعو للسلطان بعمر مديد، أو قصاصاً يقص على المصلين قصصاً تهمل الزمان والمكان، وتغتال التاريخ، وتسقط العقل، كما كان يفعل القصاصون في المساجد في القرن السابع الميلادي، لا أكثر ولا اقل من ذلك!
يقول الله تعالى: َإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الجمعة: 10-11)
آيتان كريمتان لا تُشيران لا من قريب أو من بعيد إلى خطبة الجمعة، والتي أصبحت بفعل فاعل جزأً لا يتجزأ من صلاة الجمعة ولا تقوم الصلاة بدونها في رأي غالبية الفقهاء! لقد اخذ البعض قوله سُبحانه ( وَتَرَكُوكَ قَائِماً )ْ على ظاهره، معتمدين على روايات متضاربة، بعضها يدعي بأن النبي (ص) كان قائماً على المنبر (يخطب) والبعض الآخر بأن النبي (ص) كان قائماً في الصلاة.. بالرغم من أن سياق الآية يُشير إلى أن النبي (ص) كان قائماً عليهم في الصلاة. فقوله سبحانه وتعالى: إِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُون" أوضح من أن يتجاهله ذو لب. فنحن أمام نص إلهي واضح: فإذا قضيت الصلاة، أي أديت وفرغ منها، فانتشروا في الأرض أي لكم بعد انقضاء الصلاة أن تتفرقوا حيث شئتم في أعمالكم واذكروا الله ولا تنسوه واذكروه ذكراً كثيراً لعلكم تفلحون. أنظر إلى قوله تعالى:
وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ (فَأَقَمْتَ) لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ َلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً (النساء:102)
أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً (وَقَائِماً) يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ (الزمر 9 )
(أقم الصلاة) لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهود (الإسراء: 78) )
(وأقم الصلاة) طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين (هود: 114)
من هنا، فنحن نقول على أن طاعة الرسول (ص) للرسالة التي نزلت على قلبه بفروعها الثلاث، الشعائر وآيات الصِراط المستقيم (القيم والمُثل العليا (سورة الأنعام: 150– 152) آيات الأحكام والتشريع هي طاعة واجبة في حياته وبعد ومماته، ونقول أيضاً، أن الطاعة للرسول (ص) جاءت من مقام الرسالة المُكلف بتبليغها للناس كافة، (والتي تحتمل الطاعة والمعصية، ولم تأتي للنبي (ص) من مقام النبوة وعلومها التي تحتمل التصديق والتكذيب.) تجدر الإشارة هنا إلى أن الأوامر والتنبيهات التي جاءت إلى النبي (ص) مُخاطبة إياه بعبارة "يا أيها النبي" احتوت على تعليمات وإرشادات أو حالات خاصة بالنبي (ص) حصراً، ليس لها عُلاقة بالحلال والحرام، ولا يوجد في التنزيل الحكيم آية قرآنية واحدة تقول: وأطيعوا النبي.
تقييد الحلال المُطلق
إن الأصل في الأشياء الحِلية، والحرام هو الاستثناء، والحلال لا يمكن ممُارسته في أي مجتمع إلا مُقيدا، وإن أهم سِمة من سمات تقييد الحلال أنه لا يحتاج إلى وحيّ. فتقييد الحلال في زمن النبي (ص) حيناً، وإطلاقه حيناً آخر، معناه أن النبي (ص) سنّ قوانين إضافية حملت الطابع ألظرفي والمكاني وحاكت احتياجات المُجتمع في عصره أوجبت طاعته في حياته فقط ، ولهذا السبب بالذات أمر النبي بعدم تدوين أحاديثه، وهو ما رواه أحمد في مُسنده، ومُسلم في صحيحة، وابن عبد البر في كتاب العلم، وغيره عن أبي سعيد ألخدري مرفوعاً (إن صحَّ) "لا تكتبوا عني شيئاً إلا القرآن فمن كتب غير القرآن فليمحه" ونضرب مِثالاً على قرار اجتهادي اتخذه النبي (ص) في تقييد الحلال المُطلق ثم أطلقه من قيوده مرة ثانية فيما بعد، وهذا المِثال هو زيارة القبور:
من الطقوس التي مارسنّها النساء قبل الإسلام، وفي كل مرة كن يزرن فيها القبور، أن يمزقن جيوبهن وثيابهن للتعبير عن حزنهم حين يموت لهن ميت، إلى أن اجتهد وسنّ النبي (ص) (قانوناً مدنياً) نهى فيه النساء عن زيارة القبور وشق الجيوب، عِلماً بأن زيارة القبور أو عدم زيارتها حلال، لكن النبي (ص) (إن صحّ عنه) قيد هذا الحلال للحد من عادات جاهلية مُتأصلة عند العرب قبل الإسلام، ولكنه عاد فسمح بزيارة القبور بعد أن رسخت المفاهيم الإسلامية في قلوب الناس. فكان ما فعله النبي (ص) (سُنة) قانوناً مدنياً ظرفي، قيد فيه حلالاً مًطلقاً، انتهى بانتهاء الأسباب التي أوجبته وليس تحريماً، ولكن المُشكلة الكُبرى جاءت من فهم رجال الدين وعدم مقدرتهم على التفريق بين الحرام وتقييد الحلال المطلق، حيث اعتبروا تقييد الحلال تحريماً لحلال، وتحليلاً لحرام. (8) ( انتهى )
نقف خاشعين أمام قول الحق سُبحانه وتعالى: "وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا
لماذا يتعمد العلماء باقتطاع هذه الآية في كل مرة من سياقها؟ ومن قال إنني أدعو أصلاً إلى عدم طاعة رسول الله؟ (ص) فطاعة الرسول الكريم (ص) في هذه الآية مقرونة بطاعة الله تعالى وليست بمعزل عن طاعته، ولنتمكن من الإجابة هذا السؤال علينا أن نقرأ قول الحق سبحانه وبدون اقتطاع الآية الكريمة يقول الله تعالى:
مَّا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاء مِنكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ( الحشر 7 )
الآية الكريمة تتحدث عن مصارف أموال الفيء الغنائم ووجوهه، وتتحدث عن نصيب الرسول (ص) منها وذي القربى واليتامى والمساكين ومستحقيها من المسلمين، وتحث المسلمين على طاعة الله تعالى في أوجه صرف الفيء، وطاعة رسول الله (ص) في هذه الآية تحديداً، هي طاعة خاصة بها لا تشمل العمومية، ولا يجوز سحبها على كل ما ورد في كتب الأحاديث، ولكننا في نفس الوقت لا نُنكر أن طاعة الرسول (ص) في أمور كالشعائر واجبة ومُلزمة كطاعة الله تعالى تماما، لأنها وكما أشرنا قبل قليل، مُقترنة بها كما في قوله سُبحانه وتعالى: وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (الأنفال:1)
فقوله سُبحانه: وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُو ، فالإشارة هنا واضحة إلى أن للنبي (ص) أن يأمر وينهى، ولكن ليس له أن يُحل الحرام، أو أن يُحرم الحلال، فالحلال والحرام أبدي وشمولي وتوقيفي من الله حصراً، لا شريك له فيه ، حيث أنه من بديهيات المنطق، الإقرار بأن المُحرمات لها خواص لا يُدركها إلا العليم البصير، كامل المعرفة في الغيب والشهادة، التي لا يحدها الزمان ولا المكان، هذه المعرفة لا يملكها رسول من عند الله، أو فقيه، ولا إجماع أو مجلس نيابي. الأمر والنهي أمرٌ يشترك فيه الله سبحانه وتعالى والناس. ( انتهى) (8)
الآن وقد اقتحمنا العقبة وأمطنا اللثام عن المفهوم الصحيح للسُنة النبوية، وشرحنا ذلك بالأمثلة والشواهد، واستشهدنا بآيات التنزيل الحكيم، نُقرر جازمين بأن السُنة النبوية ليست الحكمة المُشار إليها في كتاب الله، وأن الرسول (ص) ليس معصوما من الأخطاء أو الذنوب، أو السهو والنسيان، بل هو معصومٌ حصراً من تأثير الناس عليه، كذلك بينَا أن الكتاب الذي أُنزل على قلب رسول الله (ص) كامل، والكامل لا يحتاج إلى زيادة أو نًقصان، وعليه: فإن الطرح الحالي للمفهوم الفقهي للسُنة النبوية لا عُلاقة له من قريب أو من بعيد مع سنة النبي – صلوات الله وملائكته عليه.
الطامة الكُبرى بأن الإمام الشافعي رحمة الله عليه، ابتدع في دين الله تعالى وأتى بفرضية الحكمة هي السُنة ، وأسس على هذا الافتراض وبنى عليه أصولاً وأحكاماً في الفقه، والمُقلِدون المُتعصبون من عُلماء العصر، وهم في حقيقة الأمر لا يعُدون عُلماء وإن عدوا عُرفاً لجهلِهم أو تجاهلهم الحقائق القرآنية بعدما استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، بالأحاديث الظنية والمُمتلئة بالإسرائيليات، وألطم والرمم، والغث والسمين، والصحيح القليل، والموضوع الكثير كمصدر للدين والعلم، حتى وقع السواد الأعظم من المسلمين في المحظور، وأوقع العُلماء الأفاضل أنفسهم في الحرام. للأسف الشديد، لقد أراحوا عقولهم لهذه الفرضية، ووجدوا أنها أيسر من إجهاد الذهن في الاجتهاد في كتاب الله تعالى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
الحواشي – المراجع
(1)
دخل الإسلام مع أبيه أبى سُفيان زعيم المُشركين سابقاً، وأمه هند بنت عتبه في نهاية عهد الرسول (ص) بعد فتح مكة
(2)
وقعة صفين هي المعركة التي وقعت بين جيش علي بن أبي طالب وجيش معاوية بن أبى سفيان في سنة 39 هجرية. طالب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب معاوية بالبيعة، فيما طالب معاوية عليا ًبالقصاص أولاً من قتلة عثمان ثم تكون البيعة. وأصر علي على أن تكون البيعة أولاً. تقابل الجيشان هناك وقام بينهما قتال شديد كان يستمر يوميا من بعد صلاة الفجر إلى نصف الليل وقتل فيه ما بقارب 70 ألفا.
(3)
فرقة إسلامية ظهرت في عهد الخليفة علي بن أبي طالب نتيجة الخلافات السياسية التي بدأت في عهد عٌثمان بن عفان.
(4)
نسبة إلى العام الذي أصبح فيه معاوية بن أبي (أبي) سفيان خليفة للمُسلمين
(5)
الشيخ محمود أبو ريه – رحمه الله في كتابه (أضواء على السُنة المُحمدية) ص 6-7
(6)
في مُناسبة نزول هذه الآيات أربعة أقوال:
أولاً: أن وفداً من ثَقيف أتَوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: متِّعنا باللات سَنة، وحرِّمْ وادينا كما حرَّمْتَ مكة، فأبى ذلك، فأقبلوا يُكثرون مسألتهم، وقالوا: إِنا نحب أن تعرِّف العرب فضلنا عليهم، فإن خشيتَ أن يقول العرب: أعطيتهم ما لم تعطنا، فقل: الله أمرني بذلك؛ فأمسك رسول الله صلى الله عليه وسلم (عنهم) وداخلهم الطمع، فنزلت هذه الآية، رواه عطاء عن ابن عباس. وروى عطية عن ابن عباس أنهم قالوا: أجِّلنا سنة، ثم نُسلم ونكسر أصنامنا، فهمَّ أن يؤجِّلهم، فنزلت هذه الآية.
ثانياً: أن المشركين قالوا للنبي (ص) لا نكفُّ عنك إِلا بأن تُلِمَّ بآلهتنا، ولو بأطراف أصابعك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما علَيَّ لو فعلت والله يعلم إِني لَكاره»؟ " فنزلت هذه الآية، قاله سعيد بن جبير، وهذا باطل لا يجوز أن يُظَنَّ برسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا ما ذكرنا عن عطية من أنه همَّ أن يُنْظِرهم سنة، وكل ذلك مُحال في حَقِّه وفي حق الصحابة أنهم رَوَواْ عنه
ثالثاً : أن قريشاً خَلَواْ برسول الله ليلةً إِلى الصباح يكلِّمونه ويفخِّمونه، ويقولون: أنت سيدنا وابن سيدنا، وما زالوا به حتى كاد يقاربهم في بعض ما يريدون، ثم عصمه الله من ذلك، ونزلت هذه الآية، قاله قتادة.
رابعاً: أنهم قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اطرد عنك سُقَاط الناس ، ومواليهم، وهؤلاء الذين رائحتهم رائحة الضأن، وذلك أنهم كانوا يلبَسون الصوف، حتى نجالسَك ونسمعَ منك، فهمَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل ما يستدعي به إِسلامهم، فنزلت هذه الآيات، حكاه الزجاج؛ قال: ومعنى الكلام: كادوا يفتتونك، ودخلت «إِن» واللام للتوكيد. قال المفسرون: وإِنما قال: «ليفتتونك»، لأن في إِعطائهم ما سألوا مخالفةً لحكم القرآن. فقوله تعالى { لتفتريَ } أي: لتختلقَ { علينا غيرَه } وهو قولهم: قل الله أمرني بذلك، {وإِذاً} لو فعلت ذلك { اتخذوك خليلاً} أي: والَوْكَ وصافَوْكَ. تفسير زاد الميسر / ابن القيم الجوزي
(7)
مروان بن الحكم بن أمية
(8)
نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي، الدكتور محمد شحرور


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.