قد يبدو هذا السؤال غريبًا جدًا، وقد يظن البعض أننى مازلت أعيش متأخرًا عن الزمن، منذ ستة أشهر تقريبًا، فى أجواء الانتخابات الرئاسية!! لكنى أحب أن أطمئنك - أخى القارئ- أننى منتبه جدًا للظرف الذى نعيشه وهو الاستفتاء على مسودة الدستور.. وما قصدته هو أن التصويت - خاصة من جانب من قالوا: لا- كان على شرعية الرئيس محمد مرسي، والإسلاميين عمومًا، أكثر مما كان على الدستور!! وهناك شواهد كثيرة على رأيي، منها هذا الكم الهائل من التشويه والتزييف والتحريف للدستور، إضافة إلى بعض أعمال العنف، مثل محاصرة الشيخ أحمد المحلاوي، وضرب مسجد القائد إبراهيم بالمولوتوف!!.. ولو أن هناك معارضة جادة لها وجهة نظر فى مواد للدستور، فلماذا اللجوء للكذب والتدليس والعنف؟! أليس الصواب أن نناقش مواد الدستور الموجودة فعلاً لا التى فى رأس البعض وأوهامهم؟! الأمر الثاني، أن النقاط التى أعلن المنسحبون أنهم انسحبوا بسببها (مثل المادة رقم 219، التفسيرية للمادة الثانية)، سبق لهم أن وافقوا عليها، بل وقّعوا كتابة على ذلك، فلماذا الانسحاب إذن؟! وهل هو انسحاب سياسى أم حقيقي؟! أما الأمر الثالث والأهم، فهو أن المنسحبين أعلنوا فى حواراتهم الخاصة والعامة بعض الأسباب التى دفعتهم لرفض الدستور، لكنهم لم يكتبوها فى الورقة التى وزعوها تحت عنوان "لا لدستور تقسيم مصر" فى حملة ضخمة، وهى الورقة التى رأيت بعينى أنها بلبلت أفكار بعض الناس.. يعنى هم يبطنون غير ما يعلنون، خاصة أمام الرأى العام الذى يعلمون أنه لا يوافق على النقاط التى يرفضونها فى الحقيقة!! فمثلاً، د. محمد البرادعى أعلن أنه يرفض المادة التى تكفل فقط "حرية ممارسة الشعائر الدينية وإقامة دور العبادة للأديان السماوية" (المادة رقم 43)، وتساءل: وأين مكان البوذيين؟! والسؤال: هل لو وضع هذا الرفض ضمن ورقة "لا لدستور تقسيم مصر"، سيقتنع جمهور الناس بالتصويت ب "لا" على الدستور؟! وإذا كان د. البرادعى وجبهة الإنقاذ متأكدين من موقف الجماهير من هذا الاعتراض، فلم لم يسجلوه ضمن أسباب الرفض فى ورقة "التقسيم"؟! خذ مثالاً آخر، مادة استكمال الرئيس لمدته (المادة 226)، لماذا لم يعلنوها للناس فى ورقة التقسيم؟ وما حقيقة أنها هى السبب الرئيسى لرفض بعض قوى المعارضة للدستور، بغض النظر عن مواده الأخرى؟ وما حقيقة ما طلبه البعض فى الجمعية التأسيسية من أن تعرض هذه المادة وحدها فى استفتاء منفصل بجانب الاستفتاء على مواد الدستور كلها، ثم لما لم ينجحوا فى ذلك انسحبوا من التأسيسية؟! وخذ مثالاً ثالثًا، وهو الاعتراض على مادة العزل السياسى (المادة 232)، وهى المادة التى جيّشت وحشدت واستنفرت الحزب الوطنى وأنصاره للتصويت ب "لا"، وأظن أنه لا يجرؤ أحد من جبهة الإنقاذ الثورية أن يعلن صراحة اعتراضه على هذه المادة، بينما بعضهم يرفضها فى الحقيقة لأنه يرى أن الحزب الوطنى هو "الداعم الاستراتيجي" لهم فى مواجهة الإسلاميين.. وقد أكد د. البرادعى نفسه فى مقاله بال "فايننشال تايمز" هذا "التحالف"، الذى يعد عارًا فى جبين الثورة!! فرأيي، أن الاستفتاء كان على شرعية الرئيس مرسى وليس على الدستور؛ بمعنى أن معظم من قالوا: لا، انحازوا إلى موقفهم السابق من الرئيس.. ولذلك ليس غريبًا أن تكون نتيجة الاستفتاء فى المرحلة الأولى (56.5%) قريبة من نتيجة انتخاب الرئيس مرسى (51.73%).. ورأيى أيضًا أن عملية الاستفتاء هى امتداد لحالة الاستقطاب التى نعيشها منذ استفتاء مارس 2011، ولم تكن متصلة بالدستور ومضمونه ومواده.. ولو تم حذف المادة التى تتيح للرئيس أن يكمل مدته، بالإضافة لحذف مادة العزل السياسي؛ لكانت نتيجة الموافقة على الدستور مغايرة تمامًا. وبالتالى يجب أن تنتبه قوى المعارضة إلى أن الذى خفض نتيجة الموافقة على الدستور، هو دخول الحزب الوطنى على الخط، وليس قوة المعارضة، واقتناع الناس بالأكاذيب عن الدستور!! ومن ثم، لا يجوز لأحد أن يقلل من الجهد المبذول فى إعداد الدستور، ولا من شرعيته بزعم انخفاض نسبة الموافقة عليه؛ لأننا كنا بصدد إعلان المواقف من الرئيس أكثر من الدستور الذى سبق أن توافقت عليه قوى المعارضة قبل أن ينسحبوا لأسباب سياسية، وليس اعتراضًا على الدستور، حتى لو أعلنوا خلاف ذلك. ومن أراد دليلاً آخر فليراجع تصريحات رئيس حزب المصريين الأحرار د. أحمد سعيد، الذى لخص المشهد حين قال بالفم المليان: المشكلة ليست فى الإعلان الدستوري، ولا فى مسودة الدستور؛ وإنما المشكلة فى "الإقصاء الذى يمارسه الإخوان".. طبعًا "الإقصاء" من وجهة نظره هو!! وإذا اتفقنا على هذه النتيجة، فهى تعنى أن شعبية الرئيس مرسى فى زيادة، خاصة إذا أخذنا فى الاعتبار نتائج المرحلة الثانية من الاستفتاء، وهى بحسب كثير من المراقبين ستكون لصالح الدستور أكثر من المرحلة الأولى.