كمال حبيب ظلت الجماهير المصرية رهينة لحمق الدولة ورعونتها وامتلاكها لأسباب القوة الغاشمة بلا رقيب ولا حسيب ، وأذكر ونحن أطفال كيف كانت الدولة والسياسة والسلطة تمثلان رعباً للناس ، ومن هنا كانت الدولة تسيطر علي كل شئ من أول السجون والمعتقلات وحتي التنظيمات السياسية الواحدية وهي هنا بالمعني الحلولي الذي تحل فيها روح الدولة – الإله ، فهي الدولة والدولة هي أي التنظيمات السياسية من نوعية الاتحاد القومي والاشتراكي والتنظيم الطليعي وغيرها . ولأول مرة رأينا طلابا يتظاهرون ، أنا شخصيا أسمع أول مرة عن تظاهرة كنت طفلاً وتزامن ذلك مع تظاهرات طلاب معهد المنصورة الأزهري ، ومعظم الطلبة من قريتي " ديمشلت " عادوا إليها وهم يقصون ماجري وقتها في مدينة المنصورة ، كان ذلك عام 1968 م ، وفي 17 و18 يناير شاركت فيها حول جامعة القاهرة والجيزة وبعض ضواحيها ، وحين عدت لمدينة المنصورة شاهدت آثاراً نادرة لبعض بقايا من أثاث فاخر لمسئولي محافظة الدقهلية كان الناس يحتفظون به في منازلهم . وتابعنا مظاهرات عديدة للجماهير للتعبير عن سخطها وغضبها ، ولكن انغلاق النظام السياسي المصري الذي يعبر بقسوة عن مفهوم " الأوليجاركية الحديدية " هو أخطر معضلة أورثت الناس الشعور باليأس من التغيير ، وصحيح أنه لدينا موروثات ثقافية ولكن حين يكون النظام السياسي متسما بقدر من الانفتاح والقابلية للاستيعاب والتغيير والاستماع لصوت الناس يكون للسياسة معني وللحياة معني أيضاً فالإنسان له روح سياسية ومجتمعية بمعني أنه له أشواقه التي تتجاوز حدود مصالحه الخاصة . في المجتمعات المتطورة كلها التي حدث فيها تغير سياسي كانت هناك لحظة يدرك فيها النظام السياسي أن هناك متغيرات جديدة وأشواق وتوقعات جديدة للناس ولا بد من الاستجابة لها وهو مايعطي معني للعمل السياسي والعام ، فكل قوي المجتمع المدني في الغرب تعمل علي طرح قضيتها علي أجندة السياسيين لتصبح من اهتمام صانع القرار فيرصد لها الميزانيات ويتخذ بشأنها القرارات ، ولكن حين يكون النظام السياسي متصلباً غير قابل للتطور أو التغيير الحقيقي فهنا تكون المصيبة ويكون الانفتاح علي توقعات تكاد تكون حتمية – مع ذهابنا لرفض الحتميات – بوقوع عنف . الانتخابات البرلمانية الجارية في بر مصر اليوم وجدها الشعب المصري فرصة لن تعوض لمنازلة الدولة سيادتها واحتكارها للموارد السياسية ، وتأكيد أنه لايزال حيا وموجوداً ، فصعب ومهين علي شعب مصر أن تكتب الدولة له شهادة وفاة ودفن وهو لا يزال حيا – يعني تقتل القتيل وتمشي في مأتمه – وصعب مهين جدا ً علي شعب مصر أن يجري التعامل معه وكأنه مملوكات السادة الرؤساء وورثتهم وأنه يلزم نقل ملكيته إلي الأولاد والأبناء والأحفاد ، حتي صرنا بإزاء أنماط جديدة من " الخديويين " الجدد – نسبة إلي الخديوي توفيق الذي قال له عرابي نحن لا نورث بعد اليوم . اليوم السلطة التنفيذية تقف وحدها في مواجهة الشعب وحدها ، فالسلطة القضائية ترفض استبداد السلطة التنفيذية وتتحدي رعونتها وعنجهيتها ومن هنا تقف هذه السلطة عرجاء بلا قانون يشهد لأفعالها بالشرعية ، والقضاء هو المنصة العالية التي يجب أن ترتفع إليها الأعناق وتشرأب وهو هنا اليوم يعبر عن خوفه من سلطة تنفيذية أصبحت عنوانا للبلطجة السياسية . الشعب والقضاء وقطاع مهم من السلطة التشريعية وقطاعات واسعة من المجتمع المدني والأهلي مثل الطلاب والجامعات والنقابات المهنية والعمال كلها تقف في مواجهة غشم السلطة التنفيذية التي يقف علي رأسها مبارك رئيسنا المنتخب الذي يبدو وكأنه اختار أن يكون في مواجهة التيار الرئيسي وليس معه . ونحن الآن بما نراه نشعر بخطر يفقد النظام السياسي توازنه وتبدو الأمور ذاهبة إلي عنف مدوي من أجل حصول الحزب الوطني علي ثلثي مقاعد البرلمان لكي يملك ناصية السلطة التشريعية يتلاعب بها كما يريد ولكن الأمر لن يكون سهلا ومالم يعد هذا النظام الاعتبار لإرادة الناس واحترام خياراتهم فأبواب العنف مفتحة علي مصراعيها والدولة هي التي بدأ بالبلطجة وعليها أن تتحمل كافة النتائج . [email protected]