منذ فجر التاريخ، كان الموت يمثل معضلة عظيمة للإنسان، إذ عمل على إيجاد طرق تضمن للروح الخلود، وتؤمن الجسد ضد الفساد.. كانت هذه الرسالة التى يسعى معرض «المومياوات» -الذى أُقيم فى متحف الإنسان فى العاصمة الفرنسية «باريس» - إلى إيصالها للجمهور. فالمعرض - الذى افتتح فى 19 نوفمبر الجارى، ويستمر حتى 25 مايو 2026 - يسلط الضوء على الجهود البشرية عبر العصور المختلفة للحفاظ على الموتى، ورؤية كل شعب للتحنيط كوسيلة للتواصل مع الآلهة، والخلود، واستمرار الحياة. وقال الموقع الرسمى للمتحف: إن موضوع المعرض (التحنيط) مثير للدهشة والرعب فى آنٍ واحد، حيث مورس فى كل قارة لآلاف السنين، ليكشف عن رغبة فى الخلود سكنت البشرية منذ الأزل؛ مؤكدًا أن المعرض يقدم –ضمن مجموعة واسعة من المعروضات- 9 جثث محنطة بشكل استثنائى، معظمها مصحوبة بمقتنيات جنائزية، ووثائق علمية، وأعمال فنية معاصرة مستوحاة من هذه التقاليد.
من جانبها، وصفت صحيفة «سورتير باريس» الفرنسية المتخصصة فى التقارير الثقافية، المعرض بأنه (حدث رائد يعكس الأبعاد العلمية والثقافية لطقوس التحنيط فى الحضارات المختلفة)؛ مؤكدة أن متحف الإنسان ينقسم إلى عدد من المواضيع الشيقة فى رحلة عبر أنحاء العالم، منذ أكثر من 9 آلاف عام وحتى يومنا هذا. وأوضحت الصحيفة الفرنسية أن المعرض يكشف عن مختلف تقنيات وطقوس التحنيط فى مختلف الثقافات، فضلًا عن الكثير من المعتقدات الدينية، والممارسات الجنائزية، والمعرفة العلمية لمختلف الشعوب. مساعى الحفاظ على الجثث عبر التاريخ داخل متحف الإنسان، الذى يقع فى ساحة «تروكاديرو» الشهيرة فى «باريس»، رأى الزوار مومياوات لم تكن مجرد أجساد محفوظة، بل هى قطع حية من الماضى، تنطق بكثير من القصص التاريخية والدينية، التى شكلت علاقة الإنسان بالموت عبر العصور، ومن مناطق جغرافية متنوعة. فعلى سبيل المثال، قدم المعرض مومياوات «تشينتشورو» فى «تشيلى»، التى تُعتبر أحد أقدم المومياوات الاصطناعية المعروفة فى التاريخ، إذ يعود تاريخها لأكثر من 7 آلاف عام، حيث كان شعب «تشينتشورو» فى شمال «تشيلى» ابتكر أسلوبًا معقدًا لتحنيط موتاهم، والذى يتضمن إزالة الأحشاء، وتغطية الجثث بمادة حافظة تُساعد على إبقاء الأجساد صامدة أمام عوامل الزمن. كما عُرضت -أيضًا- مومياوات «تشاتشابويا» فى «بيرو»، التى اكتشفت فى عام 1977 فى جبال «الأنديز»، حيث تكشف هذه المومياوات عن تقنيات تحنيط معقدة كانت تستخدمها حضارة «تشاتشابويا»، من أجل الحفاظ على موتاهم بطرق تتماشى مع معتقداتهم الدينية. وتستكمل الرحلة فى المعرض إلى المومياوات المصرية الشهيرة، التى لا تزال تبهر العالم، إذ يعد التحنيط جزءًا أساسيًا من الثقافة المصرية القديمة، حيث كان يُعتبر شرطًا أساسيًا لضمان الحياة الآخرة، والبعث من جديد، إلا أنها لا تزال لغزًا وسرًا كبيرًا حتى الآن فى كثير من تفاصيلها المعقدة.
بشكل عام، يهدف المعرض لإبراز بعض الطقوس المكتشفة التى كانت تتبع فى الماضى للتحنيط، مثل: إزالة الأعضاء الداخلية، وتغطية الجثة بالمواد الحافظة كالمستحضرات النباتية، والعطور، وغيرها للمساعدة فى منع التحلل. المومياوات كأحد أشكال الفنون تعد المومياوات مصدر إلهام للعديد من الفنانين عبر العصور، إذ قال الباحث «باسكال سيليير»، الذى يشارك فى معرض «المومياوات» كأحد الخبراء فى هذا المجال، لوكالة «رويترز»، إن المومياوات كانت مصدرًا ملهمًا للعديد من الرسامين، مثل الفنان الفرنسى «بول جوجان»، الذى تأثر بمجموعة مومياوات «تشاتشابويا» فى «بيرو»؛ مضيفًا أن البعض يرى فى هذه المومياوات تأثيرًا على لوحة «الصرخة» الشهيرة للفنان النرويجى «إدفارد مونك»، وهو ما يفتح الباب لتفسير أعمق حول دور المومياوات فى الفن الغربي. وتُظهر المعروضات بالمتحف تأثير المومياوات على الثقافة الشعبية بشكل كبير، فى محاولة لفهم الممارسات القديمة من منظور علمى وثقافى بعيد عن الأساطير والتصورات السطحية، إذ يقدم فرصة لاكتشاف كيف تعاملت الحضارات المختلفة مع الموت. فعلى سبيل المثال، فى «جزر الكنارى»، كانت عملية التحنيط جزءًا من طقوس دينية، تهدف إلى احترام الموتى، وتحضيرهم للانتقال إلى الحياة الآخرة. وبالمثل، فى «فرنسا»، يكشف المعرض عن تقنيات التحنيط التى تباينت عبر العصور، مما يعكس تطور المفاهيم الاجتماعية والدينية المتعلقة بالموت والحياة الآخرة. من جانبه، أوضح جامع التحف «فيليب هازن» فى سياق المعرض أن جميع الحضارات القديمة كانت تولى اهتمامًا خاصًا بالموت وكيفية تمثيله؛ قائلًا إنه: «من خلال هذه الممارسات الجنائزية، يمكننا أن نفهم كيف أن ثقافات متعددة تطورت بشكل مستقل فى نظرتها إلى الموت؛ مؤكدًا أنها كانت تسعى -فى النهاية- إلى تحقيق الخلود، سواء عبر الحفاظ على الجسد، أو من خلال الأساطير التى كانت تحيط بالموت. فى النهاية، يقدم معرض «المومياوات» بمتحف الإنسان فى «باريس» تجربة لا تشبه أى رحلة تاريخية أخرى. فالأمر ليس مجرد عرض لجثث محنطة، بل هو دعوة للتأمل فى أسئلة أزلية حول الخلود والموت، وكيف تعاملت كل حضارة مع هذا الحدث العظيم، الذى يظل أكبر أسرار الوجود فى رحلة عقلية وروحية إلى عوالم قديمة ومتنوعة. فكل مومياء تحكى قصة فريدة عن الأشخاص الذين عاشوا قبل آلاف السنين، وأسباب التحنيط التى سلكوها، وكيف كان الموت جزءًا من حياتهم الدينية والاجتماعية، باعتبار أنه ليس مجرد نهاية، بل بداية لفهم أعمق للذاكرة والروح.