فلسطين.. آليات الاحتلال تطلق النار على مناطق جنوب قطاع غزة    أردوغان يعلن عزمه إجراء محادثات مع ترامب حول أوكرانيا    مفاجأة إن حدثت، حاسوب عملاق يتوقع الفائز بكأس العالم 2026    الإفتاء: الصيام في شهر رجب مستحب ولا حرج فيه    عميد حقوق المنصورة: لا صحة لما تداول حول مجاملة ابن رئيس الجامعة    مملكة البحرين تبدأ عضويتها غير الدائمة بمجلس الأمن    مجدي الجلاد: مصر تعزل تحركات إسرائيل في الصومال عبر دبلوماسية ذكية    فعاليته تجاوزت ال90%، الكشف عن لقاح ثوري يقضي على سرطان الجلد وهذا موعد طرحه رسميا    عاجل.. "تنظيم الاتصالات": احتمالية تأثُر بعض الخدمات يوم 3 يناير نتيجًة لأعمال صيانة    «بالدموع والآهات».. أحمد سعد يحتفل بعيد ميلاد تامر عاشور بطريقة ساخرة (فيديو)    قضية اللاعب رمضان صبحي تضع المدارس الدولية في مأزق    مطلقات يواجهن حيل الأزواج.. للهروب من حقوقهن    الأسعار بين الاستقرار والارتفاع.....اسعار الفاكهة اليوم السبت 3يناير 2026 فى المنيا    مستوطنون إسرائيليون يقتحمون قرى فلسطينية ويطلقون الرصاص الحي على الأهالي (فيديو)    إيران توجه رسالة عاجلة إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن عقب تهديدات ترامب    رفع الإشغالات وتكثيف النظافة بمحيط اللجان الانتخابية بمدينة العياط بالجيزة    أمم إفريقيا - المجبري: المنافسة الحقيقية تبدأ من هذه المرحلة.. ومن المهم تحليل مباريات مالي    نائب محافظ كفر الشيخ يشهد ختام الدوري الرياضي لمراكز الشباب    أجبروني على هذا التصرف، حمزة الجمل يكشف سبب تقدمه بشكوى ضد الإسماعيلي    لحظات رعب داخل منزل بدمنهور.. تسريب غاز يُصيب أسرة كاملة بالاختناق    المخدرات حولت الابن إلى قاتل    عندما تتحول ليلة الزفاف إلى مأتم    اليوم، نظر دعوى محاسبة أطباء العباسية لإصدارهم تقارير تسببت في أحكام سجن لسيدات    إن بعض الظن شائعة، قصة محاولة سيدة في المنوفية إلقاء أطفالها أمام القطار بمزلقان قويسنا    سقوط صانع محتوى في قبضة مباحث الدقهلية بتهمة ابتزاز الفتيات    دمياط تتزين باللون الأخضر في «أسبوع التنمية المستدامة»    عمرو يوسف النجم الأكثر إيراداً في 2025    حكاية أغنية رفضها «سامو زين» وكانت سر نجاح فضل شاكر    د. نادين حسني: هدفي علاج الأمراض من جذورها لا تسكين أعراضها| حوار    تنظيم أم صدمة للسوق؟.. نقل معارض السيارات خارج العاصمة    محافظ أسيوط يتفقد مقر اللجنة العامة استعدادا لجولة الإعادة ب3 دوائر انتخابية (فيديو)    لأول مرة.. توسيع للمريء باستخدام البالون لمسن بمستشفى كفر شكر بالقليوبية    كيف تحمي صحتك بأطعمة الشتاء؟    ننشر مواقيت الصلاه اليوم السبت 3يناير 2026 فى المنيا    وزارة الدفاع الإماراتية تعلن استكمال عودة جميع عناصرها من اليمن    عاجل- طقس شديد البرودة ليلًا وتحذيرات من الصقيع والشبورة خلال الفترة من 4 إلى 8 يناير 2026    أجواء شتوية مائلة للبرودة....طقس المنيا السبت 3يناير 2026    تنظيف كنيسة المهد استعدادًا لاحتفالات عيد الميلاد المجيد حسب التقويم الشرقي    عبدالملك: الزمالك بحاجة لثورة في الفريق    إيبارشية القاهرة الكلدانية تحتفل بعيد مار أنطونيوس الكبير    استمرار انقطاع مياه الشرب عن بعض مناطق بلطيم والبرلس والمصيف بكفر الشيخ    ثلاثي البريميرليج يتنافس على ضم مهاجم ريال مدريد    الشاعر شعبان يوسف ل العاشرة: 2025 شهد حراكا ثقافيا ملموسا رغم التحديات    فصل التيار الكهربائي عن عدد من مناطق بمدينة دسوق    نتيجة حلقة اليوم من برنامج "دولة التلاوة"، مفاجأة بخروج هذا المتسابق (فيديو)    سباعية نارية تقود مودرن سبورت دبي لصدارة مستحقة    سلوت قبل مواجهة فولهام: ترتيبنا الحالي عادل.. ونسعى لصناعة الفارق    الأهلي يكسر عقدة النصر ويهزمه 3-2 في كلاسيكو مثير بالدوري السعودي    أخبار × 24 ساعة.. وزارة العمل توفر مليون فرصة عمل فى الداخل والخارج خلال 2025    بعد حكم حبس رمضان صبحي.. عمرو أديب: اشتراط مؤهل الأب لدخول بعض المدارس الدولية حرام    المصل واللقاح: شتاء 2026 سيكون عنيفا من حيث الإصابة بالأمراض التنفسية    ضمن المبادرة الرئاسية ... إجراء عملية زراعة قرنية ناجحة بمستشفى رمد المنصورة    وزير شئون المفاوضات الفلسطيني الأسبق: زعامة عبد الناصر ونهرو وتيتو الأولى والأخيرة من نوعها    غدًا.. 667 ألف ناخب يحسمون جولة الإعادة لانتخابات النواب بالدائرة الثالثة في الفيوم    أذكار مساء الجمعة.. سكينة للقلب وتجديد للإيمان مع ختام اليوم المبارك    فى ذكرى ميلاد المسيح    الأقصر تعلن جاهزيتها لماراثون انتخابات النواب فى جولة الإعادة بإسنا والقرنة وأرمنت    استعدادات مكثفة في مساجد المنيا لاستقبال المصلين صلاة الجمعة اليوم 2يناير 2026 فى المنيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



د. حسن نافعة يكتب: التغير المأمول فى سياسة مصر الخارجية الضرورات والمحددات والآفاق

ارتبطت سياسة مصر الخارجية على مر العصور بمعطيات جيواستراتيجية أملتها عوامل جغرافية وتاريخية اتسمت بثبات نسبى، فالجغرافيا جعلت من مصر دولة تعتمد اعتماداً شبه كلى على مياه نهر ينبع خارج أراضيها ويجرى داخل دول عدة قبل أن يصل إلى حدودها الجنوبية.
أما التاريخ فتشير دروسه إلى أن معظم الغزاة أتوا إلى مصر عبر بوابتها الشمالية الشرقية، وكثيراً ما كانوا يواصلون زحفهم فى اتجاه فلسطين والشام لتأمين احتلالهم لها، أما الغزاة الذين جاءوا قاصدين الشام وفلسطين فعادة ما كانوا يواصلون زحفهم فى اتجاه مصر لتأمين بقائهم فى المشرق، مما جعل من مصر وفلسطين والشام كتلة استراتيجية واحدة ترتبط بمصير واحد.
هذه المعطيات الاستراتيجية فرضت على مصر سياسة خارجية تقوم على دعامتين. الأولى: تستهدف الدفاع عن الحياة والبقاء بالعمل على ضمان استمرار تدفق مياه نهر النيل، وهو ما فرض عليها ضرورة متابعة ما يجرى وراء حدودها الجنوبية، أى فى دول حوض النيل.
والثانية: تستهدف الدفاع عن الأمن والاستقلال، بالعمل على مواجهة التهديدات الخارجية، وهو ما فرض عليها ضرورة متابعة ما يجرى وراء حدودها الشرقية، أى فى فلسطين والشام.
وكان من الطبيعى، فى سياق كهذا، أن تشكل منطقة حوض النيل، من ناحية، ومنطقة الشام، من ناحية أخرى، مجالا حيويا متصلا ومتكاملا لمصر من منظور سياستها الخارجية. لذا لم يكن غريبا أن تتسم هذه السياسة بدرجة عالية من الثبات والاستقرار، وهو ما ظهر بوضوح خلال جميع المراحل التى امتلكت فيها مصر مقومات الاستقلال والنهضة، رغم التقلبات التى كانت تطرأ على شكل النظام السياسى أو على طبيعة النخبة الحاكمة، بين الحين والآخر، عبر تاريخها الطويل والممتد.
غير أن نظرة عابرة على ما يجرى فى المنطقة من تفاعلات فى المرحلة الراهنة تكفى للتوصل إلى نتيجة مفادها أن سياسة مصر الخارجية باتت عاجزة عن تأمين وحماية مجالها الحيوى، سواء على جبهة الجنوب أو على جبهتها الشمالية الشرقية، مما يشير إلى أن خللا ما قد وقع فى تصميم ورسم هذه السياسة بحيث لم تعد متسقة على الإطلاق مع معطيات مصر التاريخية والجغرافية.
صحيح أن النيل ما زال يتدفق عبر حدودها الجنوبية، وصحيح أيضا أنه لا تلوح فى الأفق مخاطر غزو خارجى وشيك عبر بوابتها الشمالية الشرقية، إلا أن بوسع كل مراقب محايد أن يدرك على الفور أن المخاطر والتهديدات المحتملة على مصر، سواء من جبهتها الجنوبية أو من جبهتها الشمالية الشرقية، تتزايد باطراد وبسرعة، وأن قدرة مصر على ضبط ما يجرى، من تفاعلات فى هاتين المنطقتين تتضاءل باطراد وبسرعة أيضا!.
فعلى صعيد الجبهة الجنوبية: يبدو السودان، الذى يشكل مع مصر كتلة طبيعية واحدة كمنطقة مصب لنهر ينبع خارجهما، بات مهددا بالتفتت والانقسام إلى دويلات عدة، والضغوط على مصر من جانب دول حوض النيل لإعادة النظر فى الاتفاقيات الخاصة بتوزيع حصص مياه النهر تتزايد بانتظام، سواء بسبب احتياجاتها الطبيعية المتزايدة من المياه أو نتيجة تعاظم النفوذ الإسرائيلى كان ولا يزال يسعى لمحاصرة مصر وابتزازها للحصول على المزيد من التنازلات وتحقيق تفوق استراتيجى فى الصراع الدائر فى منطقة الشرق الأوسط وعليها.
أما على صعيد الجبهة الشمالية الشرقية فتبدو مصر فى موقف لا تحسد عليه أيضا.
فبعد ثلاثين عاما من توقيع مصر على معاهدة صلح منفرد مع إسرائيل لا يزال السلام غائبا، وأصبحت الحركة الوطنية الفلسطينية ضعيفة ومنقسمة على نفسها بعد أن عجزت سلطة أفرزها اتفاق «أوسلو» عن التوصل إلى تسوية عادلة للقضية الفلسطينية، ووقع قطاع غزة تحت سيطرة قوة سياسية تعتبرها مصر مناوئة، وترى فيها امتدادا لجماعة الإخوان المسلمين المعارضة بعد أن اضطرت إسرائيل إلى القيام بانسحاب منفرد منه.
ولأن معاهدة السلام التى أبرمتها مصر لم تلزم إسرائيل بأى ضوابط للسلوك تجاه الأطراف الأخرى فى الصراع، فى الوقت الذى فرضت فيه على مصر التزام الحياد فى الصراع، فقد بدت مصر الرسمية فى بعض الأحيان ليس فقط غير قادرة على ضبط التفاعلات فى المنطقة، ولكن أيضا شبه منحازة إلى إسرائيل فى مواجهة أطراف عربية أخرى، وهو ما تجلى بصفة خاصة أثناء حرب إسرائيل على لبنان صيف عام 2006 ثم على قطاع غزة شتاء 2008/2009.
وحين تصبح مصر غير قادرة على ضبط الأوضاع داخل مجالها الحيوى، فمن الطبيعى أن تفقد نفوذها داخل الدوائر الأوسع لحركة سياستها الخارجية، أى الدوائر العربية والأفريقية والإسلامية. إذ يلاحظ أن قدرة مصر على قيادة العالم العربى، سواء منفردة أو بالتنسيق مع سوريا والسعودية، تقلصت كثيرا فى الآونة الأخيرة.
أما الدائرة الأفريقية فقد أهملتها مصر إهمالا شبه كامل فى عهد مبارك، ولم يعد لمصر من تأثير يذكر على القارة مقارنة بدول صاعدة مثل جنوب أفريقيا، بل إن نفوذها داخل منظمة الاتحاد الأفريقى بدا باهتا حتى بالمقارنة بدول عربية أخرى مثل ليبيا أو حتى الجزائر المشغولة بصراعاتها الداخلية.
نفس الشىء حدث داخل الدائرة الإسلامية، حيث تراجع النفوذ المصرى مقارنة بنفوذ دول كالسعودية أو إيران أو حتى تركيا. وقد ترك هذا التراجع فراغا تنافست لملئه ثلاث دول غير عربية هى: إسرائيل وإيران وتركيا، وهو وضع يبدو غير طبيعى وغير مقبول، شعبيا على الأقل، وبالتالى غير قابل للاستمرار.
ومن هنا الحاجة الماسة إلى مراجعة شاملة لسياسة مصر الخارجية لتشخيص طبيعة الخلل، الذى أدى إلى التراجع فى الدور وفى المكانة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتصحيح الخلل القائم بطريقة تعيد التناغم المطلوب بين سياسة مصر الخارجية ومعطياتها الجيواستراتيجية.
للتعرف على طبيعة الخلل الذى وقع، ربما يكون من المفيد أن نعيد التذكير أولا بالتوجهات الرئيسية لسياسة مصر الخارجية، خاصة منذ الحرب العالمية الثانية، التى أمكن فى سياقها تحقيق التناغم المطلوب مع المعطيات الجيواستراتيجية حين قامت على الأسس التالية:
1- التعامل مع المشروع الصهيونى باعتباره مصدر التهديد الرئيس لأمن العالم العربى ككل.
2- التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها قضية عربية وإسلامية لا يجوز التصرف فيها على نحو منفرد.
3- البعد عن المحاور والتكتلات الدولية واعتماد سياسة عدم الانحياز كركيزة لتحرير الإرادة وحماية استقلال الوطن.
وانطلاقا من هذه التوجهات العامة قامت مصر بمبادرات مهمة بعد الحرب العالمية الثانية منها:
1- تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 واحتضان مقرها فى القاهرة.
2- المشاركة فى الحرب العربية الإسرائيلية الأولى عام 1948.
3- وضع بذور سياسة عدم الانحياز بالامتناع عن التصويت على قرار الحرب التى قادتها الولايات المتحدة على كوريا الشمالية بتفويض من مجلس الأمن عام 1950.
4- اقتراح مشروع قرار أقره مجلس الجامعة العربية عام 1950 يقضى بتوقيع عقوبات على كل دولة عربية توقع صلحا منفردا مع إسرائيل وطردها من الجامعة العربية.
5- صياغة وإقرار معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادى العربى. وقد ظلت هذه المبادرات، بدرجة أو أخرى، هى الموجه الرئيسى لسياسة مصر الخارجية حتى حرب أكتوبر 1973، رغم اختلاف طبيعة النظم والنخب والقيادات التى تعاقبت على حكم مصر طوال تلك الفترة. لكن ما إن وضعت حرب أكتوبر أوزارها حتى بدأ الانقلاب الكبير فى سياسة مصر الخارجية.
فقد قرر الرئيس السادات أن حرب أكتوبر يجب أن تكون آخر الحروب، وبدأ البحث عن تسوية سلمية مع إسرائيل بالاستعانة بالوساطة المنفردة للولايات المتحدة الأمريكية التى اعتقد أنها تملك 99% من أوراق الحل، إلى أن قادته خطاه عام 1977 إلى الذهاب إلى القدس وإلقاء خطاب فى الكنيست.
وقد بنى الرئيس السادات توجهات سياسته الجديدة على مجموعة من الافتراضات أهمها:
1- أن إسرائيل أصبحت جاهزة نفسيا للتسوية على أساس العودة إلى حدود 67 وحل عادل لقضية اللاجئين.
2- أن الولايات المتحدة ترغب فى إنجاز مثل هذه التسوية حتى لو اقتضى الأمر ممارسة الضغط على إسرائيل.
3- فى حال تعذر التوصل إلى تسوية شاملة دفعة واحدة يمكن البدء بالمسار المصرى.
4- لن يكون أمام العالم العربى فى نهاية المطاف سوى الالتحاق بركب التسوية طوعا أو كرها.
غير أن الأحداث اللاحقة أثبتت خطأ هذه الافتراضات جميعا، التى انتهى بها المطاف إلى:
1- تسوية منفردة مع إسرائيل رفضتها الدول العربية الأخرى.
2- قطيعة بين مصر والعالم العربى دامت حوالى عشر سنوات ونقل مقر الجامعة العربية إلى تونس.
3- احتقان الحياة السياسية فى مصر إلى درجة أدت إلى اعتقال كل رموز الحركة الوطنية المصرية فى سبتمبر 1981.
4- اغتيال الرئيس السادات فى أحد أكثر مشاهد العنف السياسى إثارة فى التاريخ المصرى فى 6 أكتوبر 1981.
وعندما ظهر بوضوح، فى سياق هذه الأحداث المتعاقبة، أن خللا جسيما أصاب سياسة مصر الخارجية، بدأت محاولات لتصحيحه عقب اختفاء الرئيس السادات وتولى الرئيس مبارك أخذت أشكالا عدة منها:
1- التجاوب مع الضغوط الشعبية لتجميد التطبيع واستخدام الخلاف حول طابا وسيلة لتبريد عملية السلام مع إسرائيل.
2- السعى لتصحيح العلاقة المختلة مع الاتحاد السوفيتى وإعادة بعض التوازن المفقود فى صيغة العلاقة مع قمة النظام الدولى.
3- استغلال الحرب العراقية الإيرانية من أجل العمل على إزالة الاحتقان فى العلاقة مع العالم العربى، تمهيدا لعودة جامعة الدول العربية إلى مقرها فى القاهرة دون الاضطرار إلى إلغاء أو تجميد المعاهدة مع إسرائيل، وهو ما تم فعلا قبل نهاية الثمانينيات.
هذه المحاولات «التصحيحية» لم تعكس فى حقيقة الأمر رؤية متماسكة لسياسة خارجية مصرية جديدة بقدر ما عكست مهارة تكتيكية فى توظيف تفاعلات إقليمية ودولية معينة للتحلل من ضغوط داخلية وخارجية ملحة. لذا سرعان ما انهارت أمام أول أزمة كبرى حقيقية حين أقدم صدام حسين على غزو الكويت.
فقد أدارت مصر هذه الأزمة أيضا بمنطق الدولة التى تسعى للاستفادة التكتيكية منها، وليس انطلاقا من رؤية استراتيجية تسعى لاستعادة دور مصر القيادى المفقود فى العالم العربى، ومن ثم خرجت من الأزمة مستفيدة ماديا وسياسيا وخاسرة استراتيجيا، وهو ما اتضح بجلاء بعد نجاح إسرائيل فى إجهاض مؤتمر مدريد.
وهكذا عادت مصر إلى نظام عربى ضعيف وممزق، ولكن دون دور فاعل حيث توقفت فاعليته على قدرة مصر على لعب دور حاسم فى استكمال عملية التسوية الشاملة، أو قيادة العالم العربى نحو إدارة جديدة للصراع تجمع بين العمل السياسى ودعم المقاومة، وهما ما فشلت فيهما معاً.
وقد ترتب على هذا الفشل، خصوصا فى ضوء نجاح المقاومة اللبنانية بقيادة حزب الله فى إنهاء الاحتلال الإسرائيلى لجنوب لبنان دون شروط، تقزيم الدور المصرى بسبب سعى الولايات المتحدة وإسرائيل لتوظيفه للضغط على الأطراف العربية للقبول بالشروط الإسرائيلية للتسوية، وهو ما بدا واضحا بصفة خاصة فى الفترة التى أعقبت فشل كلينتون فى التوصل إلى تسوية للقضية الفلسطينية عام 2000.
وعندما كشرت الولايات المتحدة بقيادة المحافظين الجدد عن أنيابها بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، آثرت مصر السلامة وعادت للانكفاء على ذاتها، مما سهل من مهمة الولايات المتحدة فى غزو وتدمير العراق عام 2003. ومع بروز جمال مبارك على مسرح السياسة المصرية بدا واضحا أن القيادة المصرية أصبحت مشغولة بترتيب خلافة السلطة فى مصر أكثر بكثير من انشغالها باستعادة دورها القيادى فى العالم العربى.
وربما يفسر هذا الانشغال عودة الدفء إلى العلاقات المصرية الإسرائيلية، بالإفراج عن الجاسوس الإسرائيلى عزام عزام قبل انتهاء مدة عقوبته، ثم إبرام اتفاقية الكويز مع إسرائيل، وأخيرا بإبرام صفقة لمد إسرائيل بالغاز المصرى بسعر يقل عن الأسعار العالمية.
يلفت الانتباه ويثير التأمل هنا أن عودة الدفء للعلاقات المصرية الإسرائيلية لم يواكبها اعتدال فى السلوك وإنما واكبها، على العكس، تشدد بالغ وصل إلى حد خوض حربين كبيرتين خلال أقل من عامين، إحداهما ضد لبنان عام 2006 والثانية ضد غزة عام 2008، حيث ألقت مصر الرسمية باللوم فى الأولى على حزب الله وفى الثانية على حماس، وبما أوحى بأنها بدأت تتبنى عمليا وجهة النظر الإسرائيلية والأمريكية التى تحاول الترويج إلى أن إيران والأصولية الإسلامية والمنظمات «الإرهابية»، وليس القضية الفلسطينية أو الصراع العربى الإسرائيلى، هى مصادر التهديد الرئيسية للأمن فى المنطقة.
فى سياق ما تقدم يمكن القول بأن مصر ستواجه فى المرحلة المقبلة جملة من التحديات التى تنطوى على تهديدات محتملة مباشرة لأمنها الوطنى، يتمثل أهمها فى:
1- تفتت عدد من الأقطار العربية تحت وطأة الصراعات الاثنية والقبلية والدينية والقومية، على رأسها السودان.
2- انهيار عملية التسوية نهائيا، خاصة على المسار الفلسطينى، ونجاح إسرائيل فى فرض تسوية بشروطها قد تتضمن فرض توطين أعداد كبيرة من اللاجئين الفلسطينيين فى سيناء تحت شعارات التعمير والتنمية.
3- تنامى قوة كل من إيران وتركيا وإسرائيل إلى الدرجة التى تؤهلها للعب أدوار إقليمية تتنافس على النفوذ فى المنطقة وتسعى لاقتسامه.
وفى تقديرى أن استمرار سياسة مصر الخارجية على ما هى عليه لن يؤدى إلا إلى زيادة التحديات خطورة وتعقيدا، ما لم تتوافر لقيادتها السياسية إرادة حقيقية لمواجهة هذه التحديات والخروج عن الطوق الأمريكى فسوف يستمر تدهور دورها ووضعها ومكانتها فى النظامين الإقليمى والعربى.
وحين تتوفر لقيادتها هذه الإرادة السياسية فسوف تظهر الحاجة الماسة لتغيير بوصلة سياسة مصر الخارجية انطلاقاً من الأسس التالية:
1- التعامل مع إسرائيل باعتبارها مصدر التهديد الرئيسى على أمن مصر وأمن العالم العربى، الذى يسبق أى خطر آخر، مما يفرض عليها السعى لحشد كل الطاقات وتعبئة كل الجهود لمواجهته بكل الوسائل المتاحة، بما فى ذلك دعم وترشيد عمل المقاومة المسلحة، والعمل على إعادة توحيد الحركة الوطنية الفلسطينية من خلال المساعدة على إعادة بناء منظمة تحرير فلسطينية أصدق تمثيلا للشعب الفلسطينى وحرصا على ثوابت نضاله.
2- إعادة ترتيب البيت العربى على أسس جديدة والسعى لبناء توافق عربى حول صيغة للتكامل تحقق منفعة متبادلة لجميع الدول العربية ويكسب منها الجميع.
3- فتح صفحة جديدة فى العلاقات مع إيران. تبدأ بإعادة العلاقات على مستوى السفراء ، ودعم علاقات التعاون مع تركيا، وتمهيد الطريق لحوار عربى-تركى-إيرانى يستهدف البحث عن حلول إقليمية متوازنة لمشكلات الأمن فى المنطقة.
غير أننا نعتقد أنه يصعب تبنى مصر هذه التوجهات الجديدة فى سياستها الخارجية دون تغيير فى بنية نظامها السياسى الراهن الذى يشهد فى المرحلة الراهنة بداية لحالة حراك من نوع جديد من المتوقع أن تتصاعد تدريجيا على مدى العامين المقبلين لتصل ذروتها أثناء الانتخابات الرئاسية المقرر عقدها فى أكتوبر عام 2011، التى ستسبقها انتخابات تشريعية شديدة الأهمية والحساسية فى نهاية عام 2010.
وفى تقديرنا أن نتائج هذه الانتخابات هى التى ستؤشر لحجم التغير الذى سيطرأ على سياسة مصر الخارجية، وبالتالى مدى قدرة مصر كدولة وكنظام وكمجتمع على مواجهة تحديات الحقبة المقبلة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.