عندما انطلقت شرارة ثورة الخامس والعشرين من يناير/كانون الثاني عام ،2011 وفي خضم تطوراتها على مدى أيامها القليلة نسبياً التي انتهت بتلبية ما نادت به حناجر الثائرين في ميادين التحرير على امتداد الأراضي المصرية، المتمثل بأن “الشعب يريد إسقاط النظام”، طفت الكثير من التساؤلات على سطح العلاقات السياسية والمجتمعية، من قبيل شكل النظام الذي يريده الشعب، كون الأخير هو من أراد فسقط النظام السابق، فلا بد أن يكون النظام الجديد “كما يريد” . ومنذ رحيل النظام السابق وعلى مدار عامين تقريباً، مرت مصر، كغيرها من الدول التي تشهد تغييرات ثورية، بمراحل عدة، تمايزت عن بعضها بمقدار الشد والجذب بين فرقاء السياسة، وبحجم المعارك السياسية التي خاضتها بين انتخابات برلمانية ورئاسية، وتشكيل للجمعية التأسيسية المكلفة وضع مشروع دستور جديد لمصر الثورة، وما تخلل ذلك وتبعه من استمرار للصراع السياسي الذي لم يتجاوز الخطوط الحمر، حتى الأيام الأخيرة، عندما بدأ خلاف الرأي يتحول إلى مواجهة ميدانية، وصور من التخريب والحرق . وإذا كان أطراف الأزمة جميعاً يؤكدون في كل مناسبة أو تصريح، أن الهدف الأساسي الدفاع عن مصر، وحماية الثورة، وصون مكتسباتها، والدفاع عنها في وجه الثورة المضادة، فإن ذلك لا يمنع من استقراء حقيقة المواقف ودوافعها، وقياس مصداقيتها، من خلال ترجمتها واقعاً على الأرض . هناك اتهامات للحزب الحاكم في مصر ورأس السلطة التنفيذية فيها بمحاولة مصادرة إنجازات الثورة، وتجييرها لمصلحة حزبية، والتفرد بالسلطة وجعلها أكثر دكتاتورية، وهناك اتهامات مضادة بمحاولات المعارضين الانقلاب على الشرعية، وتأكيدات بالسعي لحماية الثورة والدفاع عن مصر . كلام جميل وذو معنى، لكن ترجمته إلى واقع تحتاج إلى ما يتعدى الشعار الجاهز، أو المفصّل على مقاس هذه الجهة أو تلك، أوَ ليس الدفاع عن مصر أساساً لحماية الثورة؟ وما الذي يتطلبه الدفاع عن مصر سوى وضع المصالح الشخصية والحزبية جانباً، ورفع الغطاء عن سماسرة الدم، وتجار الخراب، ومندوبي الفتنة والثورة والمضادة؟ أليس الدفاع عن مصر شأن كل مصري أينما وجد؟ أليس شأناً عاماً لا يختزل في شخص ولا ينسبه حزب إليه حصراً؟ حماية الثورة والدفاع عن مصر شأن واحد وحيد، لا ينتقص ولا يجزأ، وهذا يتطلب بشكل فعلي أن يفهم من في السلطة أنهم قادة مرحلة انتقالية، وأن يفهم من في المعارضة أن التعبير عن الرأي والحصول على الحقوق لا يكون بالأيدي، وعلى حزب الحكومة أن يتنبّه إلى حقيقة أنه ليس في معزل عن الاحتجاجات، وليس مصوناً من وصول شرارتها إليه، وعليه أن يدرك أن الحديث عن “دفاع عن النفس” في وجه الاعتداء على مقاره يخرجه عن سكة القيادة التي يفترض فيها أن تكون الضامن للاستقرار، إلى هاوية تشجيع وتصعيد الصراع غير الديمقراطي وغير الحضاري . الدفاع عن النفس يجب أن يعني من دون مواربة الدفاع عن مصر، لا عن مصالح حزب أو جهة أو فئة بعينها، وإلا فليتنازل هؤلاء عن حكمهم لمن هم أكثر استعداداً على تقديم مصالح البلاد على مصالحهم، والدفاع عن مصر يتطلب التهدئة لا التصعيد ولا التهديد، يتطلب الحوار والبحث عن نقاط التقاء، يتطلب الانفتاح على مطالب الناس، لا الحديث من برج عاجي هدمه الثوار، وهم على استعداد لتقويض أركانه مجدداً . ما يحدث في مصر يدمي قلب كل عربي حريص على أمن واستقرار وازدهار الشقيقة الكبرى، ويدفع على الدوام إلى التحذير من مواصلة محاولات ترسيخ حكم فردي اقتلع منذ أشهر خلال أيام معدودات، على القيادة أن تقنع المصريين أنها لهم جميعاً، وأن تخرج من قوقعة فكرية تجعل منها إدارة مؤسسة حزبية أو جمعية سياسية .