محافظ الوادي الجديد تعلن منح مهلة شهرين لتوفيق أوضاع المزارعين والمستثمرين    موناكو ضد بي اس جي.. باريس يفوز 3-2 فى ذهاب ملحق دوري أبطال أوروبا    حزب الجبهة الوطنية يدعو القوى الوطنية للمشاركة في مبادرة "بداية جديدة".. فيديو    21 لواء وفريقًا .. "المحافظين" توسع نفوذ حكم العسكر في غير الملابس الرسمية    فوق الركام.. أهالي غزة يؤدون التراويح في أول رمضان بعد الإبادة    مرور 107 فلسطينيين عبر معبر رفح البري في الاتجاهين    الشباب السعودي يراهن على خبرة نور الدين بن زكري    مدرب سيراميكا: حققنا فوزا مستحقا.. والزمالك يمر بفترة رائعة رغم الظروف الصعبة    خشوع وجموع غفيرة في المسجد الحرام والنبوي مع انطلاق أول تراويح رمضان 1447ه    أحمد فايق يقلب موازين كاستنج بمفاجأة كبرى في إعلان النتائج النهائية.. فيديو    مصطفى عاطف ل كلمة أخيرة: الدولة تولي اهتماما كبيرا برعاية الأصوات الشابة في التلاوة    18 أبريل المقبل.. محمد رمضان يحيي حفلا غنائيا في ألمانيا    خالد الجندي يقبّل يد الدكتور حسام موافي بعد شائعة وفاته    أعشاب طبيعية تساعدك على التخلص من الإجهاد قبل رمضان    السجن المشدد 10 سنوات ل 4 متهمين بسرقة ماكينة رى بالإكراه فى سوهاج    محافظ البحر الأحمر: منظومة جديدة للنظافة تبدأ من الغردقة وتمتد لكل المدن    رئيس الوزراء يغادر إلى واشنطن للمشاركة في الاجتماع الأول ل "مجلس السلام"    مانشستر يونايتد يستهدف ماك أليستر لتعويض كاسيميرو    مارسيليا يتواصل مع الركراكي لخلافة دي زيربي    الفيلم العراقي مملكة القصب يفتتح الدورة 16 من مهرجان مالمو للسينما العربية    خالد أبو بكر: مفيد شهاب نجح في رفع الحجز عن أملاك مصرية وخفض المبالغ كثيراً    انطلاق معسكر منتخب السلة في برج العرب استعدادًا لتصفيات كأس العالم    الوصل ضد الزوراء.. فيتوريا يطيح بعماد النحاس من دوري أبطال آسيا 2    الصحة توضح الحالات الممنوع فيها صيام الحامل حفاظًا على الأم والجنين    الدوري المصري – موعد مباراة الزمالك ضد حرس الحدود    الأدعية المستحبة في اليوم الأول من رمضان 2026    "تموين القاهرة": جميع السلع متوفرة.. ومفيش تاجر هيتحكم في الأسعار    قناة dmc تنعى الزميل محمود نصر الكاتب الصحفى باليوم السابع    السماء تتحدث بكلمات الترحيب الرمضانية التراثية فوق مآذن الحسين.. صور    "الشباب والرياضة" تعلن تفاصيل أضخم مشروع استثماري في استاد القاهرة ب25 مليار جنيه    زيلينسكي: عشرات الآلاف من سكان أوديسا أصبحوا بلا تدفئة ولا مياه جراء الهجمات الروسية الواسعة    التعاون التعليمي والدعوي يتصدر لقاء وكيل الأزهر وكبير وزراء ملاكا الماليزية    تموين الغربية: ضبط 10 أطنان دقيق مدعم قبل تهريبها للسوق السوداء    محافظ الجيزة يتابع أعمال رصف مطلع كوبرى أرض اللواء لتيسير حركة المرور.. صور    وزيرة الثقافة اليونانية تزور المتحف القومي للحضارة    ما بعد زراعة النخاع العظمي؟ في ضوء اليوم العالمي لمرضى الطرد العكسي ضد النخاع    دار الإفتاء تعلن خطتها الشاملة لشهر رمضان    قبل رمضان.. هل تكفي نية واحدة لصيام الشهر؟    القنوات الناقلة لمسلسل نيللي كريم «على قد الحب» في رمضان 2026    النائبة مروة حلاوة تطالب بإعادة النظر في القيم التأمينية لسجل المستوردين    «الأوروبي لإعادة الإعمار» يستثمر 10 ملايين دولار في «بريد فاست»    الطقس غدًا.. انخفاض درجات الحرارة وأمطار خفيفة في بعض المناطق والعظمى بالقاهرة 22    رئيس جامعة أسيوط يشهد افتتاح عشرة أسرّة رعاية مركزة بمستشفى الإصابات والطوارئ    الجمهورية الجديدة..عصابة مسلحة تسرق محلات طريق بلقاس جمصة وحريق مخزن بلاستيك في بنها    السيد البدوي يهنئ الرئيس السيسي والأمة الإسلامية بحلول شهر رمضان    القوات المسلحة تجري مراسم تسليم وتسلم القيادة    إحالة مسئولي مدرسة للمحاكمة بسبب جريمة تحرش بالشرقية    وزير العمل: دعمنا مستمر لتنفيذ ملفات التدريب والتأهيل وبناء بيئة عمل مستقرة    الشهابي: تشكيل المجالس المحلية ضرورة وأمن قومي    طلب إحاطة بشأن تأخر تسليم الكتب المدرسية    دياب: مكافأة بطل الدوري ستكون أكثر من 20 مليون.. ولن نؤجل مباريات بسبب الاتحاد الإفريقي    أوقاف القليوبية تطلق حملة نظافة مكبرة بجميع المساجد استعدادا لشهر رمضان    نائب رئيس جامعة القاهرة لشئون الدراسات العليا يستقبل رئيس جامعة ناجويا اليابانية    لجنة بجمعية رجال الأعمال المصريين تناقش آليات امتثال الشركات لقانون حماية البيانات الشخصية ولائحته    بيان مشترك لمصر و7 دول يدين قرار إسرائيل بتصنيف «أراضي دولة» في الضفة المحتلة    أسعار الفراخ والبيض اليوم الثلاثاء 17-2-2026 في الأقصر    حكم صوم يوم الشك بنية كفارة اليمين؟.. الإفتاء تجيب    إذاعة رمضان تعود بقوة من قلب ماسبيرو... 10 مسلسلات درامية تعيد أمجاد الراديو وتجمع كبار النجوم في موسم استثنائي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السفرجل " التفاحة الذهبية " رمز الخصوبة و الحب و الحياة
نشر في البداية الجديدة يوم 04 - 11 - 2012


السفرجل " التفاحة الذهبية "
رمز الخصوبة و الحب و الحياة
يطلق علميا على السفرجل (quince)، الذي يعتبر من أنواع الفاكهة الشتائية المعروفة في الشرق والغرب، اسم «سيدونيا اوبلونغا» (cydonia oblonga)، وهو من جنس «سيدونيا» (cydonia) من عائلة «روساكيا» (rosaceae) ومن الفصيلة الوردية، التي تعتبر من الفصائل ذوات الفلقتين والتي تضم عدة أجناس من الأشجار والشجيرات والأعشاب التي تحب البيئة الباردة عادة أو تنمو فيها. وسميت هذه الفصيلة بالوردية، لأن أزهارها تشبه أزهار الورد، ومن أنواع الفاكهة والأشجار الأخرى التي تنتمي إليها، الإجاص واللوز والتفاح والكريز، ومن الشجيرات التوت والفراولة أو الفريز والعليق على أنواعه. وهناك أنواع أو أجناس بشكل أدق تأصلت منه واستقلت، مثل السفرجل الصيني المعروف علميا ب«بسودوسيدونيا ساينينسيس» (pseudocydonia sinensis)، والسفرجل في شرق آسيا بشكل عام يعرف ب«كيانوميليس» (chaenomeles). كما أن هناك أيضا ما يعرف بالسفرجل البنغالي (bengal quince) الذي يطلق عليه اسم «بيل» (bael). لكن لا علاقة لهذا السفرجل نباتيا بالسفرجل المعروف بأي حال، فإن الأكاديين الذين عرفوه قديما في بلاد ما بين النهرين، أطلقوا عليه اسم «سبرجيلو» (supurgillu)، أما الاسم الإنجليزي «كوينس» (quince) فيعود إلى القرن الرابع عشر كما يبدو إلى اسم «كوين» (quoyn) (جمع)، المأخوذ من الفرنسية القديمة «كوين» (cooin) المتدرج من الاسم اللاتيني «سيدونيوم مالوم» (cydonium malum) الذي بدوره يعني في اليونانية «تفاحة كيدونيا» (kydonian apple).
مهما يكن، فإن النبتة الطيبة معروفة وتزرع في الكثير من البلدان وعلى رأسها تركيا التي تنتج ربع ما ينتجه العالم من السفرجل كل سنة، ويحبه الإيرانيون كثيرا منذ قديم الزمان ومنذ أيام الإمبراطورية الفارسية قبل آلاف السنين، وهناك الكثير من المناطق التي لا تزال تستهلكه بكثرة، خصوصا بعض المناطق الجبلية والشمالية. كما يعتبر من أنواع الفاكهة الوطنية - كتركيا وإيران - في أرمينيا وأذربيجان وجورجيا وباكستان وكرواتيا والبوسنة وصربيا ومقدونيا وألبانيا ورومانيا وبلغاريا وأوكرانيا واليونان، بالإضافة إلى الكثير من الدول الأخرى، ولكن بكميات أقل في أوروبا والولايات المتحدة. وكان الإغريق في قديم الزمان يقدمون السفرجل أثناء الأعراس، وكانوا يحترمونه ويقدرونه لأن أفروديتي جلبته معها إلى اليونان من الشرق، وبالتحديد من «بلاد المشرق» أو «بلاد الشام» التي يطلق عليها اسم «ليفانت»، وتضم قديما صحراء سيناء وقبرص وسورية ولبنان وفلسطين والأردن والعراق. وكان على العروس قبل ليلة الدخلة قضم قطعة من السفرجل، تيمنا بهدية باريس لأفروديتي التي كانت سفرجلة. كما كان الناس يرشقون موكب العروس قبل وصولها إلى المنزل بالسفرجل ويقدمون كعكة من العسل والسمسم (السمسمية) للتأكيد على خصوبتها قبل تقديم السفرجلة الطازجة إلى العروس.
كانت اطلانطا بنت ليسيوس، وهي شخصية إغريقية خرافية، تكن للسفرجل الذهبي مكانة خاصة. مهما يكن فإن اليونانيين اعتبروا السفرجل دائما رمزا للخصوبة والحب.
وقبل اليونان يقال إن بعض الكلمات التي جاءت باسم «تفاحة» في ترجمات أغاني سليمان كانت تدل على السفرجل وتم ترجمتها بالخطأ إلى تفاح لأنه درج إلى وقت طويل ربط الاسمين أو خلطهما. كما أحب الرومان أيضا السفرجل، الذي جاء ذكره وذكر وصفات طبخه في كتاب «أبيقيوس» (apicius) الخاص بالطبخ في القرن الرابع للميلاد. وتحدث الكتاب عن وصفة خاصة ليخنى السفرجل مع العسل والكراث أحيانا. وذكر المؤرخ الروماني المعروف بليني الكبير أو الأب نوعا واحدا من السفرجل الذي كان يؤكل نيئا ويعرف ب«سفرجل المولفيان» (mulvian quince). أما كولوميلا فقد ذكر عدة أسماء وأنواع، منها «التفاحة الذهبية» التي منحت اسمها أو وهبته للبندورة في الإيطالية «بومدورو». ويعتقد أن هذه التفاحة الذهبية هي السفرجل الذي جاء كما يعتقد قديما من حدائق «هيسبيريديس»، أي «حدائق التفاح الذهبي». وحسب الخرافات والحكايات القديمة، فإن الأرض أهدت هذه الحدائق إلى الإلهة اليونانية هيرا بمناسبة زواجها من كبير الآلهة زيوس. وتقول الموسوعة الحرة في هذا الشأن إن هذا الاسم في اليونانية كان يعود إلى الحوريات اللواتي لجأن إلى الحدائق الغناءة في العالم المحظوظ في ليبيا القديمة. وبينما تشير الموسوعة إلى أن موقع هذه الحدائق الخاصة بالسفرجل كان في موقع بنغازي حاليا في إقليم سيرين شرق ليبيا في القرن السادس قبل الميلاد، تشير بعض المصادر إلى أنها كانت قرب جبال الأطلس في منطقة طنجة في المغرب. وذكر الكثير من المؤرخين الأوروبيين لاحقا أنها كانت في جنوب شبه الجزيرة الأيبيرية، أي البرتغال وإسبانيا.
تاريخيا، تقول المعلومات المتوافرة إن بلاد السفرجل الأصلية أو موطنه هي بين منطقة بحر قزوين والبحر الأسود والمناطق الجبلية في القوقاز التي تطال تركيا وإيران وجنوب جورجيا. ومع هذا فإن استغلاله وزراعته على نطاق واسع، كان في بلاد ما بين النهرين (mesopotamia) في القرن الأول قبل الميلاد. ومن هناك وصل إلى فلسطين وأخذه أهل اليونان لزراعته خلال زياراتهم للشرق. ولا يزال الكثير من المؤرخين يجادلون بأن الفاكهة التي أكلتها حواء في جنة عدن لم تكن تفاحة بل رمانة أو سفرجلة. وبعد الصراع بين العرب والمسلمين والإمبراطورية البيزنطية في القرن الثامن، وانتقال العاصمة من دمشق إلى بغداد، عرف العرب الكثير من المنتوجات نتيجة الازدهار الذي شهدته المدينة. فبينما كان البعض يجلب إلى بغداد القرفة من الصين كان البعض الآخر يجلب جوز الهند من الهند والسفرجل والزعفران والتفاح والملح من بلاد فارس وبالتحديد من أصفهان. وكان الملك شارلمان في فرنسا كما يبدو مسؤولا عن دخول السفرجل إلى البلاد وزراعته في الحدائق الملكية عام 812 بأوامر منه شخصيا. وفي القرن الثامن عشر انتشر السفرجل بكثرة في أستراليا ونيوزيلاندا، ويبدو أنه جاء إلى هاتين المستعمرتين الجديدتين آنذاك عبر البضائع التي كانت تصل من بريطانيا وربما الهند والصين واليابان.
وأوصل الإنجليز كما يبدو السفرجل إلى العالم الجديد، إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1629 في خليج ماسيتشوسيتس، ثم انتشر لاحقا في ولاية فرجينيا واعتاد الأميركيون بعدها على طعمه الحلو والمز والقاسي في الوقت نفسه. ومنها اتجه غربا في اتجاه تاكساس عام 1850، حيث كان الناس يرغبون في امتلاك شجر الفاكهة في حدائقهم وخصوصا التفاح والرمان والتين والدراق والخوخ والسفرجل.
وكان نجاح السفرجل في بعض دول أميركا اللاتينية جنوبا أكبر، كما يبدو، وذكر وجوده الإسبان في التشيلي في القرن التاسع عشر، الذين قالوا إنه يصبح حلوا طيب المذاق إذا ما ترك ينضج على شجره أو على «أمه». وربما نتيجة هذا الطعم الحلو أحبه الناس في أميركا اللاتينية، مع أن أهل المكسيك يجدونه قويا ومزا ولكنهم اعتادوا عليه منذ زمن طويل على هذه الحال. على أي حال فإن إنتاج السفرجل في الولايات المتحدة تراجع كثيرا منذ سنوات ولا تزال مناطق زراعته وإنتاجه الرئيسية هي تركيا وإيران وأميركا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام حيث يعتبر جزءا لا يتجزأ من الفاكهة المحلية.
مهما يكن، فإن للفاكهة المفيدة جدا للصحة، كجميع أنواع الخضار والفاكهة، استخدامات عدة، منها صناعة المربى وال«جلي» وشتى أنواع الحلويات. وأحيانا يضاف إلى بعض أنواع المربى لتحسين طعمها وتزكيتها. ويقال إن كلمة «مارمالاد» (marmalade) التي تعني «مربى» في الفرنسية والإنجليزية وبعض اللغات الأخرى، جاءت من كلمة «مارميلو» البرتغالية التي تعني في الأصل «مربى السفرجل». وكان البرتغاليون من عشاق السفرجل إلى درجة أن صنعوا منه الخمر والنبيذ. كما يمكن تقشير السفرجل وشيّه وطبخه. ويستخدم الألمان عصيره ويحبونه كثيرا.
أما في البلدان العربية وتركيا وإيران فيستخدم في الطبخ ومجففا وللحلوى ولمختلف أنواع العلاجات الطبية. ويكثر السفرجل في جنوب أوروبا كما سبق أن ذكرنا، وعند ولادة الطفل في كرواتيا وسلوفينيا يلجأ الأهل إلى زرع شجرة سفرجل، حيث ترمز إلى الخصوبة والحب والحياة، أخذا عن الإغريق.
وفي مالطا يستخدم كثيرا كمربى ويتم تذويب خليطه الحلو في المياه المعلبة لعلاج بعض العلل. وفي لبنان أيضا يستخدم كمربى وفي سورية أيضا لكن في سورية يطبخ مع الرمان واللحم والكبة أحيانا ويطلق عليها «كبة سفرجل». وفي إيران يطبخ ويؤكل طازجا وكحلوى وغيره، وتستخدم بذوره لعلاج أمراض الصدر كما هو الحال في أفغانستان. ويغليه الباكستانيون مع السكر حتى يصبح لونه أحمر ويطلقون عليه اسم «مربى». وفي أميركا اللاتينية، حيث يطلقون عليه اسم «مامبريلو» بالإسبانية، يستخدم ويزرع في الكثير من البلدان مثل فنزويلا والأرجنتين والتشيلي واليوراغواي والمكسيك. ويستخدمون مربى السفرجل في أميركا اللاتينية أحيانا في الساندويتشات مع الجبنة ويطلقون عليه اسم «dulce de membrillo».
على أي حال، فإن السفرجل من أنواع الفاكهة الفاخرة والمهمة التي لا يمكن لبعض الشعوب الاستغناء عنها في مطبخهم المحلي. ولجمال هذه الفاكهة أو الثمرة ولونها الأصفر المخملي الصلب، دخلت التاريخ والأسطورة وأصبحت جزءا من التراث الشعبي للكثير من الشعوب والأمم، إلى درجة أن أطفال الكاريبي يستخدمونها أحيانا في ألعابهم اليومية.
يطلق علميا على السفرجل (quince)، الذي يعتبر من أنواع الفاكهة الشتائية المعروفة في الشرق والغرب، اسم «سيدونيا اوبلونغا» (cydonia oblonga)، وهو من جنس «سيدونيا» (cydonia) من عائلة «روساكيا» (rosaceae) ومن الفصيلة الوردية، التي تعتبر من الفصائل ذوات الفلقتين والتي تضم عدة أجناس من الأشجار والشجيرات والأعشاب التي تحب البيئة الباردة عادة أو تنمو فيها. وسميت هذه الفصيلة بالوردية، لأن أزهارها تشبه أزهار الورد، ومن أنواع الفاكهة والأشجار الأخرى التي تنتمي إليها، الإجاص واللوز والتفاح والكريز، ومن الشجيرات التوت والفراولة أو الفريز والعليق على أنواعه. وهناك أنواع أو أجناس بشكل أدق تأصلت منه واستقلت، مثل السفرجل الصيني المعروف علميا ب«بسودوسيدونيا ساينينسيس» (pseudocydonia sinensis)، والسفرجل في شرق آسيا بشكل عام يعرف ب«كيانوميليس» (chaenomeles). كما أن هناك أيضا ما يعرف بالسفرجل البنغالي (bengal quince) الذي يطلق عليه اسم «بيل» (bael). لكن لا علاقة لهذا السفرجل نباتيا بالسفرجل المعروف بأي حال، فإن الأكاديين الذين عرفوه قديما في بلاد ما بين النهرين، أطلقوا عليه اسم «سبرجيلو» (supurgillu)، أما الاسم الإنجليزي «كوينس» (quince) فيعود إلى القرن الرابع عشر كما يبدو إلى اسم «كوين» (quoyn) (جمع)، المأخوذ من الفرنسية القديمة «كوين» (cooin) المتدرج من الاسم اللاتيني «سيدونيوم مالوم» (cydonium malum) الذي بدوره يعني في اليونانية «تفاحة كيدونيا» (kydonian apple).
مهما يكن، فإن النبتة الطيبة معروفة وتزرع في الكثير من البلدان وعلى رأسها تركيا التي تنتج ربع ما ينتجه العالم من السفرجل كل سنة، ويحبه الإيرانيون كثيرا منذ قديم الزمان ومنذ أيام الإمبراطورية الفارسية قبل آلاف السنين، وهناك الكثير من المناطق التي لا تزال تستهلكه بكثرة، خصوصا بعض المناطق الجبلية والشمالية. كما يعتبر من أنواع الفاكهة الوطنية - كتركيا وإيران - في أرمينيا وأذربيجان وجورجيا وباكستان وكرواتيا والبوسنة وصربيا ومقدونيا وألبانيا ورومانيا وبلغاريا وأوكرانيا واليونان، بالإضافة إلى الكثير من الدول الأخرى، ولكن بكميات أقل في أوروبا والولايات المتحدة. وكان الإغريق في قديم الزمان يقدمون السفرجل أثناء الأعراس، وكانوا يحترمونه ويقدرونه لأن أفروديتي جلبته معها إلى اليونان من الشرق، وبالتحديد من «بلاد المشرق» أو «بلاد الشام» التي يطلق عليها اسم «ليفانت»، وتضم قديما صحراء سيناء وقبرص وسورية ولبنان وفلسطين والأردن والعراق. وكان على العروس قبل ليلة الدخلة قضم قطعة من السفرجل، تيمنا بهدية باريس لأفروديتي التي كانت سفرجلة. كما كان الناس يرشقون موكب العروس قبل وصولها إلى المنزل بالسفرجل ويقدمون كعكة من العسل والسمسم (السمسمية) للتأكيد على خصوبتها قبل تقديم السفرجلة الطازجة إلى العروس.
كانت اطلانطا بنت ليسيوس، وهي شخصية إغريقية خرافية، تكن للسفرجل الذهبي مكانة خاصة. مهما يكن فإن اليونانيين اعتبروا السفرجل دائما رمزا للخصوبة والحب.
وقبل اليونان يقال إن بعض الكلمات التي جاءت باسم «تفاحة» في ترجمات أغاني سليمان كانت تدل على السفرجل وتم ترجمتها بالخطأ إلى تفاح لأنه درج إلى وقت طويل ربط الاسمين أو خلطهما. كما أحب الرومان أيضا السفرجل، الذي جاء ذكره وذكر وصفات طبخه في كتاب «أبيقيوس» (apicius) الخاص بالطبخ في القرن الرابع للميلاد. وتحدث الكتاب عن وصفة خاصة ليخنى السفرجل مع العسل والكراث أحيانا. وذكر المؤرخ الروماني المعروف بليني الكبير أو الأب نوعا واحدا من السفرجل الذي كان يؤكل نيئا ويعرف ب«سفرجل المولفيان» (mulvian quince). أما كولوميلا فقد ذكر عدة أسماء وأنواع، منها «التفاحة الذهبية» التي منحت اسمها أو وهبته للبندورة في الإيطالية «بومدورو». ويعتقد أن هذه التفاحة الذهبية هي السفرجل الذي جاء كما يعتقد قديما من حدائق «هيسبيريديس»، أي «حدائق التفاح الذهبي». وحسب الخرافات والحكايات القديمة، فإن الأرض أهدت هذه الحدائق إلى الإلهة اليونانية هيرا بمناسبة زواجها من كبير الآلهة زيوس. وتقول الموسوعة الحرة في هذا الشأن إن هذا الاسم في اليونانية كان يعود إلى الحوريات اللواتي لجأن إلى الحدائق الغناءة في العالم المحظوظ في ليبيا القديمة. وبينما تشير الموسوعة إلى أن موقع هذه الحدائق الخاصة بالسفرجل كان في موقع بنغازي حاليا في إقليم سيرين شرق ليبيا في القرن السادس قبل الميلاد، تشير بعض المصادر إلى أنها كانت قرب جبال الأطلس في منطقة طنجة في المغرب. وذكر الكثير من المؤرخين الأوروبيين لاحقا أنها كانت في جنوب شبه الجزيرة الأيبيرية، أي البرتغال وإسبانيا.
تاريخيا، تقول المعلومات المتوافرة إن بلاد السفرجل الأصلية أو موطنه هي بين منطقة بحر قزوين والبحر الأسود والمناطق الجبلية في القوقاز التي تطال تركيا وإيران وجنوب جورجيا. ومع هذا فإن استغلاله وزراعته على نطاق واسع، كان في بلاد ما بين النهرين (mesopotamia) في القرن الأول قبل الميلاد. ومن هناك وصل إلى فلسطين وأخذه أهل اليونان لزراعته خلال زياراتهم للشرق. ولا يزال الكثير من المؤرخين يجادلون بأن الفاكهة التي أكلتها حواء في جنة عدن لم تكن تفاحة بل رمانة أو سفرجلة. وبعد الصراع بين العرب والمسلمين والإمبراطورية البيزنطية في القرن الثامن، وانتقال العاصمة من دمشق إلى بغداد، عرف العرب الكثير من المنتوجات نتيجة الازدهار الذي شهدته المدينة. فبينما كان البعض يجلب إلى بغداد القرفة من الصين كان البعض الآخر يجلب جوز الهند من الهند والسفرجل والزعفران والتفاح والملح من بلاد فارس وبالتحديد من أصفهان. وكان الملك شارلمان في فرنسا كما يبدو مسؤولا عن دخول السفرجل إلى البلاد وزراعته في الحدائق الملكية عام 812 بأوامر منه شخصيا. وفي القرن الثامن عشر انتشر السفرجل بكثرة في أستراليا ونيوزيلاندا، ويبدو أنه جاء إلى هاتين المستعمرتين الجديدتين آنذاك عبر البضائع التي كانت تصل من بريطانيا وربما الهند والصين واليابان.
وأوصل الإنجليز كما يبدو السفرجل إلى العالم الجديد، إلى الولايات المتحدة الأميركية عام 1629 في خليج ماسيتشوسيتس، ثم انتشر لاحقا في ولاية فرجينيا واعتاد الأميركيون بعدها على طعمه الحلو والمز والقاسي في الوقت نفسه. ومنها اتجه غربا في اتجاه تاكساس عام 1850، حيث كان الناس يرغبون في امتلاك شجر الفاكهة في حدائقهم وخصوصا التفاح والرمان والتين والدراق والخوخ والسفرجل.
وكان نجاح السفرجل في بعض دول أميركا اللاتينية جنوبا أكبر، كما يبدو، وذكر وجوده الإسبان في التشيلي في القرن التاسع عشر، الذين قالوا إنه يصبح حلوا طيب المذاق إذا ما ترك ينضج على شجره أو على «أمه». وربما نتيجة هذا الطعم الحلو أحبه الناس في أميركا اللاتينية، مع أن أهل المكسيك يجدونه قويا ومزا ولكنهم اعتادوا عليه منذ زمن طويل على هذه الحال. على أي حال فإن إنتاج السفرجل في الولايات المتحدة تراجع كثيرا منذ سنوات ولا تزال مناطق زراعته وإنتاجه الرئيسية هي تركيا وإيران وأميركا اللاتينية ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام حيث يعتبر جزءا لا يتجزأ من الفاكهة المحلية.
مهما يكن، فإن للفاكهة المفيدة جدا للصحة، كجميع أنواع الخضار والفاكهة، استخدامات عدة، منها صناعة المربى وال«جلي» وشتى أنواع الحلويات. وأحيانا يضاف إلى بعض أنواع المربى لتحسين طعمها وتزكيتها. ويقال إن كلمة «مارمالاد» (marmalade) التي تعني «مربى» في الفرنسية والإنجليزية وبعض اللغات الأخرى، جاءت من كلمة «مارميلو» البرتغالية التي تعني في الأصل «مربى السفرجل». وكان البرتغاليون من عشاق السفرجل إلى درجة أن صنعوا منه الخمر والنبيذ. كما يمكن تقشير السفرجل وشيّه وطبخه. ويستخدم الألمان عصيره ويحبونه كثيرا.
أما في البلدان العربية وتركيا وإيران فيستخدم في الطبخ ومجففا وللحلوى ولمختلف أنواع العلاجات الطبية. ويكثر السفرجل في جنوب أوروبا كما سبق أن ذكرنا، وعند ولادة الطفل في كرواتيا وسلوفينيا يلجأ الأهل إلى زرع شجرة سفرجل، حيث ترمز إلى الخصوبة والحب والحياة، أخذا عن الإغريق.
وفي مالطا يستخدم كثيرا كمربى ويتم تذويب خليطه الحلو في المياه المعلبة لعلاج بعض العلل. وفي لبنان أيضا يستخدم كمربى وفي سورية أيضا لكن في سورية يطبخ مع الرمان واللحم والكبة أحيانا ويطلق عليها «كبة سفرجل». وفي إيران يطبخ ويؤكل طازجا وكحلوى وغيره، وتستخدم بذوره لعلاج أمراض الصدر كما هو الحال في أفغانستان. ويغليه الباكستانيون مع السكر حتى يصبح لونه أحمر ويطلقون عليه اسم «مربى». وفي أميركا اللاتينية، حيث يطلقون عليه اسم «مامبريلو» بالإسبانية، يستخدم ويزرع في الكثير من البلدان مثل فنزويلا والأرجنتين والتشيلي واليوراغواي والمكسيك. ويستخدمون مربى السفرجل في أميركا اللاتينية أحيانا في الساندويتشات مع الجبنة ويطلقون عليه اسم «dulce de membrillo».
على أي حال، فإن السفرجل من أنواع الفاكهة الفاخرة والمهمة التي لا يمكن لبعض الشعوب الاستغناء عنها في مطبخهم المحلي. ولجمال هذه الفاكهة أو الثمرة ولونها الأصفر المخملي الصلب، دخلت التاريخ والأسطورة وأصبحت جزءا من التراث الشعبي للكثير من الشعوب والأمم، إلى درجة أن أطفال الكاريبي يستخدمونها أحيانا في ألعابهم اليومية.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.