إذا بحثت في المعاجم العربية والقواميس المصرية عن مصطلح "رجال الأعمال" لن تجد له أثرا علي الأرجح، فهذه مهنة لم نعرفها في بلادنا إلا حديثاً. أما قبل ذلك.. كان لدينا "التاجر" و"الصانع" و"الفلاح" و"صاحب الأطيان" "طين" أي مالك الأراضي الزراعية، و"الأعيان" "عين" أي ملاك العقارات. أما عبارة "رجال الأعمال" أو "البيزنس مان" فلا وجود لها تقريبا أو هي نادرة في تاريخنا الاقتصادي والاجتماعي الحديث. حتي ترجمة كلمة "بيزنس" بكلمة أعمال تعكس ارتباك المفهوم ذاته ولا تحمل الترجمة العربية كامل معني وأبعاد اللفظ اللاتيني.. ناهيك عن أن كلمة "أعمال" تحتمل الاختلاف في معناها بين الفصحي والعامية، التي تربط بينها أحياناً وبين السحر والشعوذة و"الأعمال السفلية"! وهذا الارتباك في الترجمة يعكس بدوره احد أوجه الاختلاف بين نشأة وتطور الرأسمالية الغربية ونشأة وتطور الرأسمالية المصرية.. علي الأقل من زاوية أن الرأسمالية المصرية لم تعرف التشابك بين الرأسمالية التجارية والرأسمالية الصناعية والزراعية إلا في أوقات متأخرة نسبيا مقارنة بالرأسمالية الأوروبية والغربية. وإذا تتبعنا شيوع وانتشار مصطلح رجال الأعمال سنجد أنه بدأ في الظهور قبل ثورة 23 يوليو.. علي استحياء وبخاصة مع نوعيتين متمايزتين. * المجموعة الأولي تضم عدداً محدودا جداً من كبار الرأسماليين مثل عبود باشا صاحب الاستثمارات المتعددة في مجالات متنوعة. * المجموعة الثانية تضم محدثي النعمة من أثرياء الحرب و"القرنص" أي أولئك الذين حققوا ثروات من خلال المتاجرة مع معسكرات الاحتلال البريطاني. قبلها نكاد لا نجد من أطلق لقب "رجل الأعمال" علي طلعت حرب مثلا، وهو من هو بالنسبة للاقتصاد المصري وتطور الرأسمالية المصرية. وبعد ثورة 23 يوليو 1952 جري تأميم السياسة والاقتصاد، وبالتالي تواري دور الرأسماليين أيا كانت مسمياتهم. صحيح أن هذا الدور لم ينته لكنه تقلص أو اتخذ مسارات بعيدة عن الأضواء. بحيث أصبح "رجال الأعمال" يتخفون خلف صفة "العامل" و"الفلاح" في كثير من الأحيان. وحتي من كان منهم لا يجد مناصاً من الانضواء تحت لافتة "الفئات" فكان يسارع إلي الإعلان عن مناصرته ل "الاشتراكية" و"تحالف قوي الشعب العامل"، أو"الرأسمالية الوطنية" في أضعف الإيمان. وفجأة.. وبعد هذا الخجل.. أصبح هناك اندفاع وتسابق علي حمل لقب "رجل الأعمال" بصورة غير مسبوقة. وكانت نقطة التحول هي تولي الرئيس السابق أنور السادات السلطة ثم إعلانه تبني سياسة الانفتاح الاقتصادي في أعقاب حرب أكتوبر المجيدة وبالتحديد بعد صدور القانون 43 لسنة 1974 الذي دشن عصر ما أسماه أستاذنا الراحل الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين "انفتاح السداح مداح". في هذا المناخ الجديد الذي لا تحكمه أي ضوابط أو معايير "رأسمالية رشيدة" أصبح لقب "رجال أعمال" صفة لكل من هب ودب بما في ذلك النصابون والأفاقون وشذاذ الأفاق وقطاع الطرق و"الصيع". وأصبح من المحير أن يشترك في اللقب رأسمالي بوزن عثمان أحمد عثمان مثلاً ومستورد للفراخ الفاسدة أو تاجر عمله في السوق السوداء أو صاحب شركة توظيف أموال تحتال علي المصريين وتسرق منهم تحويشة العمر تحت ستار شعارات ولافتات دينية زائفة.