بقلم: سعد هجرس "تعارض المصالح" هو أحد الأمور المعقدة في كل الدول. ولأنه أحد أخطر الثغرات التي ينفذ منها الفساد "الكبير"، فان الأنظمة السياسية المختلفة تجتهد لابتكار آليات تمنع - أو علي الأقل تحد من - استغلال منصب الوظيفة العمومية للتربح الشخصي. هذا التربح غير المشروع يتحقق نتيجة استغلال الموظف العمومي لمنصبه واطلاعه علي معلومات لا يعرفها سوي عدد محدود من الأفراد. وقد تحدثنا في مقالات سابقة ، كثيرة، عن التجارب المختلفة بهذا الصدد، ومنها التجربة الأمريكية التي تستخدم آلية تسمي Blind Trust، وبموجبها يجب علي كل من يتصدي لمسئولية العمل العام، ويتولي منصباً سياسياً في الحكومة، أو الولايات ، أو يشغل مقعداً في البرلمان بمجلسيه .. يجب عليه أن يتخلي تماماً عن إدارة أعماله الخاصة، بعد أن يفصح إفصاحاً كاملاً وشاملاً عن ثروته، ويتم تسليم كل "البيزنس" الخاص به إلي هذا ال Blind Trust، الذي يمتلك القائم عليه صلاحية تسييل الأصول وإعادة استثمارها في قطاعات أخري، بحيث لا يعرف الشخص المسئول صاحب هذا البيزنس القطاع الذي يتم استثمار أمواله فيه بعد حين. ولا ينطبق هذا علي رجال الاعمال الذين يتم توزيرهم فقط، وإنما ينطبق علي الجميع بلا استثناء. ولأن مصر تفتقر إلي وجود مثل هذه الآلية، فقد طالبت بالتفكير في خلق واحدة تتواءم مع ظروف مجتمعنا. لكن الرد الجاهز علي هذه الدعوة كان يؤكد أن لدينا بالفعل آلية تحل هذه الاشكالية، هي إقرار الذمة المالية الذي يوقعه المسئول قبل توليه منصبه والذي يتم التدقيق فيه لمعرفة ما إذا كانت ثروته قد تضخمت أثناء توليه الوظيفة العمومية. وفي العدد الأخير من مجلة "المصور" فجر المستشار أحمد الشلقاني مساعد وزير العدل ورئيس جهاز الكسب غير المشروع مفاجأة من العيار الثقيل بأن الجهاز ليس بإمكانه كشف أي تلاعب أو تزوير في إقرارات الذمة المالية لكبار أو حتي صغار المسئولين. هذا التحقيق الممتاز للزميلة نهال بلال يعيد فتح هذا الملف الخطير .. والمسكوت عنه.