حيثما تتسارع وتيرة الأحداث اليومية الساخنة والمتحركة في العالم العربي حيث تشتعل الحرائق والصراع المتلهب في لبنان وفلسطين والعراق. وحين تحاول اسرائيل ومعها جنبا الي جنب الولاياتالمتحدةالأمريكية فرض السيطرة الكاملة والشاملة علي منطقة الشرق الأوسط بأكملها تتحول الضجة الكبيرة المثارة حول برنامج ايران النووي وصواريخ كوريا الشمالية الي جانب مهم وأساسي في المعركة الدائرة لفرض السيطرة والهيمنة الأمريكية. وإحالة الملف النووي الايراني الي مجلس الامن مرة اخري يفتح صفحة جديدة في ذلك الملف وذلك بعد عامين من المفاوضات والمناورات التي حفلت بها من استعراض للعضلات بين الطرفين الأساسيين وهما ايرانوالولاياتالمتحدةالامريكية. وينطبق الامر أيضا علي كوريا الشمالية وتجاربها النووية والصاروخية التي اعتبرتها امريكا واليابان خطرا علي أمن منطقة شرق آسيا وعلي السلام العالمي كله وكأن الصواريخ الذرية الأمريكية المنتشرة في القواعد العسكرية الأمريكية في اليابان والفلبين والاسطول السابع الامريكي هي صواريخ ذرية طيبة وداعية للسلام علي عكس الصواريخ الكورية الشمالية الشريرة فما بالك بإيران. والمؤتمر الذي عقد في نيويورك منذ عدة شهور لمراجعة معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية وحضره ممثلون عن اكثر من 180 دولة فشل في التوصل الي اتفاق وقد كان من المفترض ان يناقش المؤتمر قضايا رئيسية ثلاثا وهي نزع الاسلحة النووية وليس فقط حظر انتشارها وضمانات البرامج النووية الوطنية والاستخدام السلمي للطاقة النووية. وهي قضايا كما تري غاية في الحيوية خاصة بالنسبة للدول التي لا تملك أسلحة نووية ويعاني اقتصادها من ضعف مصادر الطاقة التي مازالت محصورة في البترول أساسا مع اغلاق كل السبل بالتي هي أحسن وبالتي هي ليست أحسن أمام تلك الدول من تطوير برامج خاصة بها لانتاج الطاقة النووية واستخدامها في قضايا التنمية والتطور. ولعل أهم العوامل التي أدت إلي فشل المؤتمر هو ان امريكا ومعها عدد من الدول النووية الاوروبية كانت تحاول اختصار مهمة المؤتمر وتخصصه لمناقشة البرامج النووية الخطرة لكل من كوريا الشمالية وايران بينما كانت اغلبية الدول تري ان القضية أبعد من ذلك بكثير وان الأمر يتعلق بتجريم الخبرة النووية وحصرها فقط في النادي الذري الموجود الآن. وكان فشل المؤتمر والانقسام الحاد الذي شهدته اروقة وقاعات المناقشات التي تواصلت علي مدي شهر بفتح ملفات وقضايا كان مسكوتا عنها طوال الفترة الماضية لعل من أهمها تعدد المنابر النووية وكسر احتكار مجموعة قليلة من الدول لتلك الأسلحة الفتاكة خاصة بعد ان رفضت الولاياتالمتحدة اقتراحات قدمت للمؤتمر بوقف اي تفجيرات نووية جديدة او اي زيادة نوعية او كمية للأسلحة النووية. بل ان الولاياتالمتحدة ومعها عدد من دول النادي الذري رفضت اقتراحا تقدمت به مصر وعدد من الدول الآسيوية والافريقية واللاتينية بفرض الحظر علي نقل المعدات والتكنولوجيا النووية الي اسرائيل كجزء من مشروع متكامل لجعل منطقة الشرق الاوسط خالية من الاسلحة النووية. ولعلنا مازلنا نذكر الحماس الزائد للولايات المتحدةالامريكية في طرح وفرض معاهدة الحظر الشامل لانتشار الاسلحة النووية وحشد كل أوراق الضغط الممكنة لإرغام دول كثيرة علي التوقيع علي المعاهدة سنة 1995 وكان من الواضع ان الاتفاقية تسعي الي حصر ملكية السلاح النووي في نادي الدول الخمس الكبري التي احتكرت هذه الملكية لسنوات طويلة يضاف اليها اسرائيل التي تمتلك بالفعل ترسانة نووية كبيرة تقدر بحوالي 200 رأس نووي. ومن هنا جاءت الفكرة التي عارضت هذا الاتجاه وشملت عددا واسعا من مجموعة الدول الآسيوية والافريقية واللاتينية وطالبت بتطوير بنود الاتفاقية الدولية من حظر انتشار الأسلحة النووية الي القضاء النهائي علي تلك الاسلحة وتدميرها وفقا لجدول زمني محدد. ونتيجة لذلك خرجت الفكرة التي وجدت لها اصداء ايجابية واسعة في اوساط دول الجنوب وشعوبها وهي ضرورة حصول تلك الدول علي برامج نووية لاستخدامها من اجل التنمية أو حتي تعدد المنابر النووية أو الملكية النووية وكسر احتكار مجموعة محددة من الدول لملكيتها وحظرها علي الآخرين. ويعتمد أصحاب هذا الاتجاه الي ان تنوع ملكية المؤسسات النووية ليس مفيدا فقط لرفع اقتصاديات غالبية بلدان العالم الثالث بل والأهم من ذلك اجراء شكل من أشكال التوازن بين من يملكون أسرار الذرة ومن لا يملكون؛ ونذكر في هذا الاتجاه ان توازن الرعب النووي في مرحلة الثنائية القطبية قام بدور الردع الحقيقي لعدم استخدام هذه اللاسلحة طوال نصف قرن كما ضمن عدم اشعال حروب عالمية جديدة. ومن الطبيعي والامر كذلك ان يتعاطف الرأي العام في دول العالم الثالث وفي العالم العربي بشكل خاص مع موقف ايران واصرارها علي ان يكون لديها مؤسساتها الذرية المستقلة ومع موقف كوريا الشمالية وحقها في ان يكون لديها صواريخ حاملة لرؤوس ذرية مثلما رحبت شعوب الجنوب نجاح الهند وباكستان في كسر احتكار النادي الذري لملكية هذه الاسلحة. ان الموجود بالفعل في الترسانات النووية في العالم حاليا تكفي لتدوير العالم كله اكثر من عشر مرات، وتعتقد اصحاب فكرة تعدد انتشار ملكية المؤسسات النووية ان احتلال عدد من دول العالم الثالث لهذه المؤسسات ربما تمثل من الناحية العملية رادعا اكبر ضد استخدام تلك الاسلحة الرهيبة واحتكار ملكيتها وربما كان ذلك ايضا مقدمة طبيعية للمطالبة بالانتقال من معاهدة منع انتشار الاسلحة النووية الي معاهدة جديدة لتدمير جميع الترسانات النووية الموجودة بالفعل في ظل سياسات الهيمنة والسيطرة والعربدة الاسرائيلية الامريكية تكتسب فكرة تعدد الملكية النووية ومنابرها أرضية واسعة وسط الشعوب الفقيرة والمقهورة.