لم يكن الغياب انسحابًا، ولم يكن الصمت تخلّيًا عن الضوء، بل كان أشبه برحلة داخلية طويلة، محمّلة بالقلق والخسارات والأسئلة الثقيلة عن الفن والهوية والمعنى عامان من الغربة، بين شوارع لا تشبه الذاكرة، وكاميرات لا تمنح ثقتها بسهولة، وتجربة قاسية علّمته أن التمثيل ليس موهبة فقط، بل معركة بقاء وبين شوارع لا تحفظ الوجوه، خاض الفنان رامي وحيد تجربة صعبة، عارية من الضمانات، ليكتشف أن التمثيل فى أقصى حالاته ليس مجرد مهنة، بل اختبار أخلاقى وإنساني طويل، بعد مشاركته العالمية في فيلمين دفعة واحدة. وفي هذا الحوار، يفتح رامي قلبه، لا ليتحدث عن نجاحات براقة، بل عن خوف وانكسار وتمرّد، وحلم لم يفقد عناده ليست هذه حكاية فنان غاب، بل قصة إنسان قرر دفع ثمن الحلم كاملًا، من خلال مشاركة عالمية في فيلمين دفعة واحدة، دون مساومة.. غربة، خسارة، خوف، وتمسك عنيد بالفن، لأن بعض الأحلام لا تُعاش إلا بهذا القدر من الألم ◄ لماذا غبت عن الساحة الفنية كل هذه الفترة؟ الغياب لم يكن مقصودًا على الإطلاق، بل جاء غصبًا عنى لم يكن السفر إلى الولاياتالمتحدة ضمن حساباتى أو مخططاتي، لكن الظروف قادتني إلى هناك طوال عامين من الغياب عن مصر، كنت في حالة توتر دائم، ورغبة ملحة فى العودة إلى بلدى أكبر ما شغلنى هو فكرة التأقلم مع مجتمع مختلف تمامًا، ومحاولة فهم ثقافتهم وطريقة تفكيرهم، لأن التمثيل هناك ليس مجرد لغة أو موهبة فنية، بل عملية معقدة تتطلب اندماجًا كاملًا فى عقلية الآخر فى البداية كانت التجربة صعبة، وكل ما حدث كان أقرب إلى الصدفة. ◄ اقرأ أيضًا | رامي صبري ومصطفى حجاج يشعلان سهرة رأس السنة في القاهرة ◄ هل كانت قلة الفرص في مصر سببًا؟ الفرص التى عُرضت على لم تكن على مستوى أحلامى لم أكن أبحث عن الظهور، بل عن الدور الذى يشبهنى، الذى يضيف لي ما كان مطروحًا أقل مما حلمت به وأبعد مما أريده. ◄ أرى أن ذلك هروب من المناخ الفنى فى مصر؟ فعلاً، هروب لأننى فنان أعشق المواجهة، وأفكر بعمق فى أى مدى ستأخذنى الأدوار، خاصة أننى رافض العمل فى شىء غير التمثيل فى مصر أركز مع الشخصية وأعيشها، ويصعب على الخروج منها بسهولة، لأننى أريد أن أعطى الشخصية حقها. ◄ درجة المعايشة تركت انطباعًا خاصًا لدى المشاهد، خاصة فى أدوار الشرير كيف تبتعد عن هذا الانطباع؟ (ضاحكًا): هذا صحيح ولأخرج من دور الشرير، يجب أن أجد الدور الآخر الذى يبعدنى عن هذه الصورة، التى تجعل المشاهدين يظنون أننى شرير طوال الوقت ولا أصلح لغيره وهذا الانطباع كان مزعجًا جدًا بالنسبة لى أبلغ رد على ذلك كان دورى فى مسلسل «الطوفان»، وكان تحديًا قويًا لأثبت أننى قادر على تقديم جميع الأدوار وربما سبب ابتعادى فى الفترة الماضية كان رفضى الشديد لوضعى فى قالب الشر. ◄ هل تسعى أنت للحصول على الدور أم تنتظر حتى يُعرض عليك؟ ساخرًا: أنا أسعى وأبحث عن الدور، ولكن «عندما يعرض علىّ أرفضه» ألتقى بالكثير من الأشخاص الذين يحبوننى ويرشحوننى لأدوار عديدة، وفى النهاية أرفض، ويغضبون منى لأننى فاشل فى إدارة أعمالى مدير الأعمال الجيد هو من يجعل الفنان يتفرغ للعمل فقط ويطلع على كل ما يُعرض عليه. ◄ وخطوة أمريكا، هل كانت ملاذًا أم هروبًا؟ كانت ملاذًا غير آمن أنا بطبعى متهور فى اختياراتى، لا أحب الطريق الممهد حتى أدوارى دائمًا غير متوقعة لم أبحث عن الأمان، بل عن المغامرة، عن مساحة لاختبار نفسى سافرت إلى لوس أنجلوس لصديقى الفنان رامى غيط لعمل «شورت ريلز» لتسويق نفسى، ومدة كل ريل دقيقة ومن هنا جاءت فرصة المشاركة فى فيلمين: Living with Grandma وClairmont World . ◄ وما طموحاتك التى كنت تنتظرها من الفن المصري؟ أشعر دائمًا أن الجمهور يمنحك أمانة، يصدقك، ويستأمنك على مشاعره إذا قدمت عملًا لا ترضى عنه فقط من أجل التواجد، فأنت تخون هذه الثقة أبحث عن أدوار مختلفة، وأحب تجربة مناطق جديدة بدأت هذا الطريق كمتفرج، من خلال أعمال والدى وجيل كامل من الفنانين الكبار الفنان الذى يحتل مكانة فى قلوب الناس لا يجب أن يُرى فى مكان أقل. ◄ هل كانت تجربة السفر مغامرة محسوبة؟ لم تكن محسوبة أبدًا، كانت مغامرة كاملة فى أمريكا كل شىء منظم وقاسٍ ويخضع للقانون لا تقف أمام الكاميرا إلا بتصاريح رسمية النظام هناك يضمن حقوق الدولة أولًا كنت أبحث عن مواقع التصوير، أقدم نفسى، أعرض أعمالى، ثم بدأت رحلة البحث عن «إيجنت»، وهى رحلة شاقة وسط آلاف الممثلين التحدى الحقيقى كان أن يقتنع بك «الإيجنت». ◄ يؤخذ دائمًا على المشاركات العالمية حصر الفنان فى أدوار عربية، هل شعرت بذلك؟ نعم، وكان ذلك أزمة حقيقية معظم الترشيحات كانت لشخصيات نمطية الاستثناء الوحيد الذى أراه هو عمر الشريف، لأنه أتقن لغات كثيرة ففتح لنفسه طريقًا مختلفًا. ◄ بالنسبة لك، هل كانت اللغة حاجزًا؟ بشدة اللهجة الأمريكية ليست ما تعلمناه، كل شىء مختلف: التعبيرات، المعانى، التفاصيل اليومية فى البداية لم أكن أفهم ما يدور حولي، وبعد عامين فقط بدأت أتحدث لغتهم بطلاقة. ◄ ماذا أضافت لك التجربة؟ غيرتنى تمامًا فى أمريكا فرص العمل كثيرة لكنها قاسية الناس هناك منهكة عملت أشياء كثيرة غير التمثيل لأستطيع الاستمرار، اشتغلت فى الكاستينج وأعمال فنية مساندة تعرضت للنصب فى بداية الطريق، وخسرت 2000 دولار، وبعت سيارتى وشقتى من أجل الحلم، واضطررت للعمل فى مجالات أخرى لتعويض الخسارة. ◄ والدك الفنان الراحل سمير وحيد، هل كان له تأثير كبير عليك؟ (بشدة التأثر): أكبر وأجمل عقدة فى حياتى، أحب والدى بشدة، وتأثرت به فنيًا وإنسانيًا رحل مبكرًا عام 1997، ولم أعش معه سوى 18 عامًا، سمعت عنه من الجميع ما يبكينى: طيبته، وحب الناس له، ورثت منه شكلى وبصمة صوته وحبه المطلق للفن، مثلت معه على المسرح عرضًا واحدًا بعنوان «إيكوس»، وهو من الأدب العالمى ومن إخراج الراحل عمرو دوارة كان يخاف علىّ من دخول المجال لأنه عانى كثيرًا، لكن أثره ما زال حيًا داخلى حتى الآن.