سهم المصرية للاتصالات يبدو أنه سبب جنونا لعقول صغار المستثمرين.. وحمدت الله علي أننا أصبحنا نتمتع بوعي "بورصوي" فظيع! فالشغالة تسألني عن التوقعات بالنسبة لصعود السهم، وعمال البوفيه يسألوني عن الاحتمالات لتحرك السهم بعد طرح حصص جديدة من الشركات العامة للبيع في البورصة، والسائق يطلب مني أن أخدمه خدمة العمر وأوجهه إلي الاستثمار في السهم الذي سيكسب.. فأجبته بأنني لا أعمل في صالة القمار! والحقيقة أنني لا أقلل من أقدار الناس عندما أضرب الأمثال بهؤلاء، فهم جزء مهم من الشعب المصري، وهم أهلنا وناسنا، غير أنني كنت سأسعد كثيرا بهذا الوعي البورصوي لو كان حقيقيا، وعميقا، لكنه علي العكس من ذلك شكلي، ولا يعكس رغبة في المكسب مبنية علي فهم لعملية الاستثمار ومخاطرها، بقدر ما يعكس رغبة في المكسب نتيجة "عدوي" أو تقليد أعمي في غالبية الأحيان ومبني علي طمع. البعض يقول إن هذا التطلع للكسب حتي لو تحول إلي طمع بالنسبة للأفراد من صغار المستثمرين هو أمر مشروع، خاصة أن النظام الاقتصادي أفرز فئة طفيلية لديها طمع وجشع سمح لها بالتجاوزات وبالاحتكارات لحد مص دماء الناس، وقد حققت مكاسب ضخمة علي حساب المجتمع، فلماذا نقف عند "الغلابة" ونلومهم علي بعض مِنْ طمع لا يساوي شيئا أمام بحور الطمع التي توسعت بها كروش وحسابات كبار المنتفعين؟! والحقيقة أن مثل هذا الجدل وهذه الحوارات التي أصبحتُ كثيرا ما أستمع إليها تؤكد أمرا مهما وهو تحول المجتمع إلي حالة من الصراع الطبقي، نتيجة أن القاعدة العريضة من الناس لا تستفيد من الإصلاح الاقتصادي، ولا من أي قرارات أو إجراءات اقتصادية. فبالرغم من أنه نظريا تعود الملكية العامة للشركات إلي الشعب، فإنه عندما تباع حصص من هذه الملكية العامة وتتم خصخصة الشركات لا يعود ذلك بالنفع علي الناس، ولا يشعرون بأية ميزة من عمليات البيع.. وحتي عندما ينساقون وراء دعاية مبشرة بتحقيق ربح من جراء بيع أسهم في البورصة مثلما حدث في المصرية للاتصالات فيخرجون مدخراتهم وتحويشة العمر.. يكسب الكبار أيضا والمحترفون ويكون صغار المستثمرين هم الضحايا! وهناك الكثير من الاَراء التي تبرر هذا، بل تعتقد أن "الكبار" إذا لم يكسبوا من الأفراد ضيوف السوق فممن سيكسبون؟ وإلي اَخر تلك التفسيرات حول قواعد "اللعبة" التي تنظم الاستثمار في البورصة وأن العائد علي قدر المخاطرة، وهنا من يتحمل المسئولية في رأيي هي الدولة، لأنها من المفترض أن تكون دولة الجميع، وأن يكون فيها مكان لغالبية الناس من الطبقة الوسطي والدنيا، وليس مكانا فقط لفئة قليلة من الذين يسيطرون علي الموارد والعائد.. وعندما تقوم الدولة بالترويج لاستثمار معين، لابد أن تفكر كيف يكون ذلك عادلا، ولا يعود نتاجه وعائده إلي جيوب حفنة صغيرة، فعلي قدر توسيع دائرة المستفيدين من أي قرار تتخذه علي قدر ما تكون قد نجحت في أن تكون دولة لكل أبنائها! لكن السؤال المحوري الاَن الذي أصبحت أشك في نوايا إجابته هل تريد دولتنا أن تكون حقا دولة لكل أبنائها؟!