نسرين 1 مثل ابنة مخلصة لبرج الجدي، أخفيتُ خوفي بمُجرّد بدء الطائرة رحلتها إلى السماء. تصنّعتُ الثقة، وتمنّيتُ ألا يفضحني لهاثي، بسبب الرهبة والخوف بمُجرّد انطلاق الطائرة بسرعتها القصوى تمهيدًا لبدء التحليق في السماء. ابتلعتُ ريقي أكثر من مرّة حين شعرتُ بأن الطائرة قد قطعتْ علاقتها بالأرض نهائيًا. وقاومتُ الإحساس المخيف بأن روحي تنسحب منّي. ولاحظتُ تشبّثي بالمقعد بيَدَيّ الاثنَتَيْن. وتقريبًا كنتُ في حالة تشنّج كامل، وأملي فقط ألا ينظر لي الرجل الفرنسي غريب الأطوار الذي فتح كتابًا بمُجرّد جلوسه، وغاب عن العالم نهائيًا. حاولتُ الابتعاد بذهني عن الطائرة، وتخيّلتُ صورة حنين حين تراني في باريس كمفاجأة. علاقتي بحنين، رغم رفضها العودة لمصر منذ سافرتْ، ظلّتْ متواصلة. كانت تتّصل بنا أيضًا بين آن وآخر، لأنها تحبّ أن تسمع صوت ماما. لم أُخبرْها عن العذاب الذي تعيشه أمّي الآن بسبب مرضها، رغم رضوخها للعلاج النفسي، كما اقترحتْ حنين في زيارتها لمصر، لكننا لم نعد نفهم ما تمرّ به من حالات الذهول، أو الاستيقاظ على صراخ من خوف بلا أسباب حقيقية. حين عرفتُ أنها جاءت للقاهرة مرَّتَيْن خلال الثورة، وعادتْ من دون أن تتّصل بي، بحثتُ لها عن الأعذار، كان وقتًا عصيبًا علينا جميعًا. أشعر بمسؤوليّتي الآن في إقناع حنين بالعودة لمصر. تولّيتُ المهمّة عن اقتناع، وأشعر أنني سأنجح. فهل ستقبل حنين أن تعود معي للقاهرة؟ بصراحة، حتّى لو رفَضَتْ، وعاندتْ، فسأكون أدّيتُ واجبي تجاهها، وتجاه العائلة كلّها. رغبة ماما في رؤية حنين أصبحت مُلحّة الآن أكثر من أيّ وقت مضى. قلتُ لحنين ذلك أكثر من مرّة. وكانت تتلقّى ذلك بتعاطف كبير، وأحيانًا بالبكاء. كانت تعدّ أن أحدًا لا ينافس أمومة طنط سيسيليا، أمّ ناتالي، إلا ماما، ومع ذلك، فظروف حياتها أصبحت أكثر صعوبة. مؤتمرات في أكثر من بلد، وانشغال بالأبحاث والتدريس في الجامعة. لم تنجح أيّ خطّة من خطط محاولات تدبير المرور على القاهرة، لو كانت في خطّ رحلتها إلى أيّ بلد قريبة خلال مؤتمر من المؤتمرات. اهتزّت الطائرة أكثر من مرّة، وتمنّيتُ أن أُغلق عينَيّ، وأفتحهما، لأجدَ نفسي في المطار في باريس. تذكّرتُ أننا سنهبط ترانزيت في عمّان أوّلًا، ولعنتُ ذاكرتي. وأخيرًا أعلن صوت رنّة قوية مصحوبة بانطفاء مصابيح الأحزمة انتهاء مرحلة الإقلاع ومشاهدة المضيفة الرشيقة الشقراء وهي تتحرّك بجواري. وهدأتُ قليلًا، لكنْ، يبدو أن مظهري كان مثيرًا للشفقة، لأن المضيفة ذات الشَّعْر البنّيّ الفاتح الذي قصّتْهُ حول وجهها كهالة دائرية، جاءتْني مبتسمة، لتسألني إذا ما كنتُ أحتاج لمساعدة. ابتسمتُ لها، وتأمّلتُ رموش عينَيْها الطويلَتَيْن، وفكّرتُ للحظة كيف يمكن أن يكون شكل عينَي لو استخدمتُ رموشًا صناعية كهذه؟ ومسحتُ وجهي من العَرَق البارد. طلبتُ منها كوب ماء، وأكّدتُ لها أنني في أحسن حال. حاولتُ تخيّل سيناريو رحلة باريس التي تمنّيتُ أن أزورها من قبل كثيرًا، وخصوصًا الأماكن التي حَكَتْ لي عنها حنين، وتلك التي تمنّيتُ زيارتها خصوصًا برج إيفل والمتحف. ماذا كان اسمه؟ الذاكرة يأكلها الخوف. ناولتْني المضيفة الماء، فابتسمتُ لها وأنا أستعيد أخيرًا اسم "اللوفر". وحاولتُ تذكّر اسم المتحف الآخر الذي حَكَتْ لي حنين عنه بشغف، ولم أنجح. حتّى هذه اللحظة لم أحسم تردّدي. هل أحكي لحنين عن السبب الحقيقي لهذا الزيارة بمُجرّد أن أراها؟ أم عليّ أن أؤجّل ذلك بضعة أيّام حتّى أتأكّد من حالتها النفسية، ومدى تقبُّلها للأمر؟ قرّرتُ الاستماع إلى الآيبود، وشغلتُ أُغنيّات عمرو دياب، فانطلق يغنّي: "شُفت الأيّام .. وأنت معايا حبيبي". وخفق قلبي بصورة رفعت، وارتجف قلبي. "أجمل أيّام، وانت معايا حبيبي". ضاعت الأيّام الجميلة، يا رفعت، للأسف. يبدو أنني أحاول ألا أُضيّع فرصتي في الاستمتاع بباريس أوّلًا. (2) لم تستغرق الرحلة من القاهرة لعمّان وقتًا طويلًا، ولكنْ، حرام بصراحة تكرار تجربة هبوط وصعود الطائرة بهذه السرعة. أتمنّى ألا يكون الانتظار في مطار عمّان مُملًا. أمامي على الأقلّ أربع ساعات كاملة أو أكثر قليلًا من الانتظار في المطار. تأمّلتُ المساحة الكبيرة المخصّصة للترانزيت بدهشة، تناثرتْ بها مقاعد كثيرة بينها ما يشبه "شيزلونج" يتيح لمَنْ يجلس عليه أن يتمدّد. قالتْ لي سيّدة لبنانية في مقهى المطار إن الخطوط الأردنية تعتمد على الترانزيت، بحيث يكون المطار محطّة ربط للرحلات المختلفة. تبادلتُ الحوار مع السّيّدة اللبنانية، وكان ذلك مريحًا لأعصابي قليلًا. كانت في طريقها إلى باريس في إجازة. قالتْ لي إنها تعدّ باريس الحديقة التي تذهب إليها، لتتنشق فيها هواء نقيًا بعيدًا عن مشاكل لبنان. ثمّ أردفتْ: وبعيد عن مشاكل الزلمات والأولاد .. وضحكتْ بصوت عالٍ، وسعلتْ بعدها طويلًا. عندما ضحكتُ بدوري: دخيل الله شو ها الضحكة الحلوة. قالتْ لي: متزوّجة؟ قلتُ: كنتُ مخطوبة، بس دلوقت لا. قالتْ: كتير حلو .. بعدك صغيرة، يا بنتي، شو بَدِّكْ بها الهَمّ؟ ضحكتُ من طريقتها في الكلام، فقالتْ لي إن العرب الآن وصلوا فرنسا، وأصبحت أيضًا لها مشاكل. قلتُ لها إنهم موجودون من زمن طويل، فقالتْ إن العرب الذين تقصدهم هم أصحاب اللِّحى، والمنتقبات الذين يريدون تغيير هوية فرنسا، لأنهم شرّفوها بوجودهم أخيرًا. قلتُ لها إن ابنة خالي التي أسافر لزيارتها تتحدّث عن هذا الأمر بانزعاج أيضًا. أمّنتْ على ما قلتُهُ، ثمّ أضافتْ أنها شجّعتْ بناتها على السفر مبكّرًا، وأن بينهنّ ابنة تدرس في فرنسا هي التي تذهب لقضاء العطلات معها. شعرتُ بالخجل لعدم سفري قبل ذلك إلا سفرات داخلية مع الجامعة، الأقصر وأسوان وشرم الشيخ. قلتُ لها بخجل: – بصراحة كنتُ أتمنّى أسافر مبكّرًا، لكن دراستي لطبّ الأسنان قضتْ عليّ. فضحكتْ، وقالتْ: – كم عمركِ؟ – 23 سنة. – أوه، طيّب، بَعْدِكْ شابّة صغيرة، ولو رحتي باريس مرّة ما بتقدري إلا إنّكْ تخطّطي تروحيها كلّ شوي. ابتسمتُ لها مؤيّدة، ورحتُ أُنصتُ لها وهي تحكي لي عن مغامراتها في باريس، وتعرُّفها على شباب فرنسيّيْن، وقعت في غرامهم مبكّرًا، وكيف كانت تقضي أيّامها معهم في فترات الشباب والجنون، كما كانت تصفها. كنتُ أضحك على بعض المواقف، فكانت تتوقّف للحظات تتأمّلني وأنا أضحك، وتبادلني الابتسام أو الضحك، وتردّد لازمة "شو بيعرفني؟"، وتضحك، ثمّ تواصل الحكي. وبعد أن انتهتْ، أضافت ضاحكة: – طبعًا هادا كلّو قبل الزواج، بعد الزواج ما بطيق أشوف، لا شوارب، ولا أصحاب الشوارب. تأمّلتُ ملامحها الرائقة، وعنايتها بمظهرها، وقدّرتُ أن عمرها ربّما منتصف الأربعينيات، لكنها بشكل ما كانت تفوقني إحساسًا بالحيوية والشباب. وجهها ذو جمال رائق ربّما بسبب الإحساس بأن عينَيْها ناعستان قليلًا، وشَعْرها الأشقر يبدو مصبوغًا، لكن تصفيفته أنيقة، وترتدي تي شيرت أبيض محبوكًا عليها، ويعلوه بلوفر خفيف أصفر بأزرار، تركتْهُ مفتوحًا كاشفًا التي شيرت الذي يبرز حجم صدرها الكبير. وبنطلون جينز رمادي وانتعلتْ حذاءً رياضيًا أسود. سألتْني إذا كانت ابنة خالي ستستقبلُني في المطار، فأوضحتُ لها كيف خطّطتُ زيارة مفاجِئة لها، وحجزتُ ليلَتَيْن في فندق رخيص قريبًا من سَكَنها. قالتْ لي: – إذا ما ظبطتْ، تعي عِنّا في بيت بنتي. كمان بنتي بِتْحبّ هيك مفاجآت. تعي اعملي مفاجأة لإلها! ضحكتُ على تعليقها، فشاركتْني الضحك، وقالتْ إنها أيضًا تُحبّ هذه المفاجآت، وتمنّتْ لي رحلة موفّقة. وأوضحتْ أنها ستلحق بصديقة لها، ذهبتْ للسوق الحُرّة. مرّ الوقت سريعًا، بسبب هذه السّيّدة اللطيفة التي ساعدتْني على التّخلّص من التّوتّر أيضًا. أخرجتُ كتابًا من حقيبتي، واحدًا من كُتُب خالي رامي التي نقلتْها أمّي للبيت في المختلط، كأنها تريد أن تضع شيئًا يربطها به تحت عينها في البيت باستمرار. لم تتمكّن إلا من نقل مجموعة صغيرة من كُتُبه، وأودعتِ الباقي في بيت توريل. تذكّرتُ جدّتي سلوى التي قالتْ لي بشرود إنها لا تريد شيئًا من الحياة إلا أن ترى حفيدتها قبل أن تموت. كلّهم تركوا بيت العائلة بعد وفاة "خالو رامي"، حتّى جدّي وجدّتي لم يطيقا الحياة فيه. انتقلا إلى شقّة صغيرة، أجّرها جدّي من صديق له، يمتلك بناية حديثة نسبيًا في "شارع الشريف الرضي" في توريل. جدّي حسين يجلس شاردًا في الشرفة أغلب الوقت، يدخّن بيَدَيْن مرتعشَتَيْن من أثر الشلل الرعّاش، وإذا دخل إلى غرفة المعيشة، فلقراءة الجريدة إن استطاع، أو لسماع الأخبار في الراديو. وجدّتي تتابع المسلسلات التلفزيونية في غرفتها، وإذا أغلقت التلفزيون، تقرأ في المُصحف قليلًا، أو تستمع لإذاعة الأغاني. ولا أعرف إذا كانت حقًا تتابعها أم أنها تُشغل بها ذهنها عن وفاة خالو؟ سمعتُها مرّة تنادي باسم رامي، والتفتُّ إليها، كانت تحدِّق في السقف، ثمّ نظرتْ إليّ. ولم أفهم إن كانت تسألني عن خالو؟ أم أنها فقط لهجتْ باسمه؟ ارتبكتُ. وسألتُها: – فيه حاجة، يا تيتة؟ – لا، يا حبيبتي، أنا كويّسة. العلاقة بينها وبين جدّو تعقّدت كثيرًا منذ وفاة خالو، لأنه يُحمّلها الذنب فيما يحدث لحنين، بينما ترى هي أنه كان بإمكان خالي رامي الزواج مرّة أخرى، وأن زواجه كان كفيلًا بأن يتجاوز محنته. لم تكن ماما قد أخبرتْها بأنه تزوّج مرّة في دبي، وأن المرض الذي أصابه في النهاية لم يكن له علاقة بحالته النفسية. كلّما نطقتْ جدّتي سلوى باسم خالو تُذكّرني بماما، خلال الأيّام الأولى بعد وفاته. بدتْ لي مثل امرأة مسكونة بالعفاريت، تقول أشياء كثيرة بكلمات سريعة ونبرة صوت ضعيفة، وأسمع بين كلماتها المبتورة اسم خالو رامي أكثر من مرّة. كنتُ أشعر بأن روحي تنسحب منّي لوهلة هلعًا، وأنظر إلى بابا، فأراه يتأمّلها بوجه ممتقع، يحاول أن يُداري خوفه عليها، وحزنه على خالو الذي يحبّه كثيرًا. خالو الذي كان يوصيه عليّ كثيرًا كلّما رآه، لأنه كان يعلم بمشكلة أمّي وشرودها "خُدْ بالك من نسرين، يا يوسف. إوعى نادية تاخدَكْ عنها"، وكان بابا يبتسم له بخجل هازًّا رأسه في تفهُّم. بابا يحبّ جدّتي جدًّا، ويعدّها أمّه بالفعل، ويناديها دائمًا "ماما سلوى"؛ لأن جدّتي لأبي ماتت حتّى قبل أن يتزوّج من أمّي. لم أُخبر أحدًا لا أنا ولا أمّي عمّا عرفناه، ولا عن السبب الحقيقي لزيارتي هذه لحنين في باريس. أمّا أسباب الرحلة الأخرى التي تخصّني، فلم أخبر بها أحدًا، حتّى أمّي. كنتُ أحتاج إلى إجازة حقيقية، هدنة طويلة من أمّي التي أهلكتْني، بسبب انهيارها النفسي والصّحّيّ منذ وفاة خالو رامي، ومن الدراسة التي استمرّت خمس سنوات متواصلة تقريبًا، وبعدها مباشرة بدأت الحياة العملية في مستشفى الجامعة، ثمّ في العيادة الخاصّة التي أعمل بها مساء الآن. قال لي أبي في المطار إنه يشعر بحاجتي للراحة. وابتسمتُ له معتذرة عن اضطراري لأن يسافر للقاهرة يوم الجمعة، لكنه ابتسم ابتسامة مقتضبة، وكأنه لا يحتاج إلى أن أعتذر له عن أيّ شيء. أشعر بالارتباك، لأنني ربّما كان من الأفضل أن أخبر حنين في اللحظات الأخيرة عن زيارتي لها في باريس، فربّما كانت مشغولة أو مضطرّة للسفر. وعدتُ أقول لنفسي: أمامي أسبوعان إجازة، فحتّى لو صادف الوقت وجودها خارج باريس أو انشغالها لأيّ سبب، فلن يزيد الأمر عن عدّة أيّام، سوف أقضيها في شوارع باريس العظيمة حتّى تعود. وعدتُ لصفحات كتاب "الجريمة والعقاب". (3) خلال الرحلة من عمّان إلى باريس، فقدتُ تركيزي رغم استمتاعي بأحداث الرواية، وبتعقُّد أفكار الشخصيات والحبكات التي تُفاجِئني من فصلٍ لآخر. ملتُ على شبّاك الطائرة، وبدأتْ صور مختلفة من الذاكرة تمرّ في رأسي، مختلطة بضجيج المحرّك النّفّاث. كنتُ أقلّ توتّرًا هذه المرّة، ربّما لأن الطائرة التي انتقلْنا إليها أكبر حجمًا بكثير، وكان الكرسيّ المجاور لي خاليًا. وهو ما أتاح لي فرصة، لأُعبّر عن توتّري بكُلّ حُرّيّة، ولأتشبّث بالمقعد بكلّ قوّة في أثناء الإقلاع. السفر في الطائرة لفرنسا لأوّل مرّة جعلَني أستعيد مشاهد كثيرة من حياتي. كأن السفر يجعل المرء يعيد تأمّل جوانب من حياته التي تصبح بعيدة بشكل ما، أو كأني شعرتُ أنني أخيرًا أخذتُ مسافة تتيح لي تأمّل حياتي من بعيد، وبينها الأيّام التي سبقتْ فسخ خطبتي لأحمد. كنتُ قد توصّلتُ إلى ضرورة اتّساقي مع نفسي، وقرّرتُ أن أخلعَ الحجاب، من دون أن أعودَ لأحد. اتَّخذ الأمر منّي وقتًا وحوارات وجدلًا كثيرًا مع نفسي، أشعلتْ شرارته حنين، ثمّ بدأتُ القراءة حول الموضوع، وتدريجيًا بدأتُ أشعر بضرورة اتّخاذ القرار. ورغم قبول أبي للفكرة، لأنه كان يعرف أن قرار الحجاب كان قرارًا ذاتيًا، فإن أحمد لم يتقبّل الفكرة. حين رآني بدون حجاب في السّيّارة لأوّل مرّة أظهر استياء شديدًا. دار بيننا نقاش ساخن، وقلتُ له في النهاية إنني حُرّة، وهذا اختياري، فما كان منه إلا أن خلع دبلة الخطوبة، وقال لي إن الأمر بالنسبة له ليس حُرّيّة. كنتُ أعرف، مع وصول الإخوان للسلطة في العام نفسه، أن له ميولًا إخوانية، على عكس ادّعاءاته كلّها بأنه مُجرّد متعاطف معهم. الشواهد كلّها أكّدت لي ذلك. ليس متعاطفًا معهم، لكنه لم يُجرِّم أيًّا من أعمال العنف التي اقترفوها. أفهم أن يُوجِّهوا العنف للسلطة التي يرون أنهم ضدّها، ولكنْ، ما ذنبُ الناس؟ أنا نفسي كنتُ متعاطفة معهم، وكنتُ أرى ضرورة أن يأخذوا فرصة. لكن ما حدث منهم بعد ذلك، وما عشناه في المنصورة من رُعب بسببهم، وبعد تفجير مديرية الأمن تحديدًا، جعلني أرفضهم. شعرتُ أن عليّ مراجعة أشياء كثيرة بخصوص الثورة نفسها، وليس الإخوان فقط. حتّى فكرة المشاركة في الثورة لم تجدْ في نفسه هوى، لمُجرّد أنني امرأة. قال لي إن الفتيات المحترمات لا يذهبنَ لتجمّعات تمتلئ بأبناء الشوارع. وصحيح أن الأمر لم يكن شائعًا في المنصورة مثلما كان الأمر في "ميدان التحرير" مثلًا، ولكني فعلتُها رغم ذلك، وتسلّلتُ مع صديقتي هناء إلى "جامع النصر"، حيث يتجمّع الثوار. كان الجوّ خانقًا، ومع ذلك كنتُ سعيدة. كنتُ أشعر أن مثل هذا الحدث الكبير لا يكفي للمرء أن يتعاطف معه فقط بالحماس. كلّنا كنّا نريد لمصر أن تتغيّر، وأن تصبح ديمقراطية. وما قهرني أنني رأيتُ في ذلك اليوم أكثر من فتاة، وقفنَ في محيط جامع النصر، وأخذنَ في الهتاف وهنّ يرفعن العَلَمَ المصري. بل إن واحدة منهنّ طلبتْ من صديق يقف بجوارها أن يرفعها على كتفَيْه. وطبعًا لم يعجب الكثير من الواقفين الأمر، بل وتحرّش بها أكثر من شخص بشكلٍ مهين وحقير. كنتُ أفكّر فيما يقوله لي أبي من أن أكثر شخصية متناقضة في التاريخ هي شخصية الإخواني، سينادي بالحُرّيّة اليوم، لأنها تُحقّق مصلحته، لكنه يمكن بعد دقائق قليلة أن يهتف بالنقيض، لو كانت مصلحته تقتضي ذلك، أو إذا تغيّرتْ أوامر قياداتهم. أفكّر الآن أن حياتي كطبيبة أسنان لم يكن من الممكن أن تنجح بسهولة لو كنتُ قد تزوّجتُ. هذه الفكرة تُعجِب حنين، وتقول لي إن عليّ أن أؤجّل فكرة الزواج تمامًا حتّى أتحقّق. كان تفكيري في موضوع الحجاب بجدّيّة قد سبق ذلك بسنوات، منذ رحلتي لشرم الشيخ مع حنين خلال الفترة التي عادتْ فيها إلى مصر. وتجرّأتُ وقضيتُ الإجازة مع حنين بدون حجاب. لكني لم أجرؤ على اتّخاذ الخطوة إلا بعد انتهاء سنوات دراستي في الكُلّيّة. وكلّما كنتُ أختبر الفكرة مع أحمد، أجده يُسفِّه منها بشكل سخيف. طبعًا لم يكن موضوع الحجاب مُجرّد مسألة تديّن فقط، فقد أصبح الحجاب ظاهرة. من النادر جدًّا رؤية فتاة غير محجّبة في المنصورة. حتّى بعض مَن ارتدينَهُ كموضة كنّ يضعنَ "تربون" يغطّين به جزءًا من شَعْرهنّ، بينما رقبة كلّ منهنّ مكشوفة. إلى اليوم، لم تغطِّ أمّي شَعْرها. ولا أعتقد أنها سيّدة تفتقد للتّديّن أو للضمير الحيّ. لولا صعوبة تفاصيل التجربة التي مرّتْ بها حنين، منذ طفولتها، لتمنّيتُ الحياة، مثلها، في باريس. لكني أعود وأقول إني لا أمتلك ربع قوّتها، لكي تمرّ بذلك كلّه، وتظلّ محافظة على قوّتها وحياتها، وتنجح أيضًا. عدتُ للقراءة. ووضعتُ السّمّاعات في أذني، وسمعتُ عمرو دياب مرّة أخرى: "نفكّر بعضنا بأيّام وذكرى حلوة عشناها أنا وأنت .. وغنوة حبّ، آه يا سلام بتوصف حالنا لمّا الدنيا جمعتْنا، وباعيش أنا وانت حالة من في الحكايات.."* تذكّرتُ "رِفعَت"، وارتعش جسدي، مرّة أخرى، كنتُ أعرف أنني لو استمررتُ بالتفكير فيه، فسوف أضعف وأبكي. "رفعت"؛ الشوكة التي لا تزول وخزتُها من قلبي، ولن يزول أثرُها أبدًا. عدتُ أركّز في القراءة، وتأمّلتُ في حالة "راسكلينكوف". كيف يُبرّر الجريمة، وكيف يُحوِّل نفسه إلى ضحية، ثمّ كيف يرى حقيقة نفسه، ويقرّر أنه يجب أن يمتثل للعقاب. تذكّرتُ "هند"، صديقتي التي تعرّفتُ عليها بالصدفة في المكتبة. ذهبتُ لشراء كتاب، ووجدتُها تتحدّث مع البائع عن الكُتُب بغرام شديد. ذُهلتُ أن شابّة صغيرة مثلها تمتلك هذا الشَّغَف بالكُتُب، وبكَمِّ المعرفة وأسماء الكُتُب التي قرأتْها. تدخّلتُ في الحوار بينهما، وقالتْ لي إنها كانت تتمنّى أن تسكن في مكتبة، لأن الكُتُب هم البشر الذين تتمنّى أن تعيش بينهم. ضحكتُ من التعبير، وقلتُ لها إنني أبحث عن كتاب جيّد، فبماذا تنصحينني، فضحكتْ وقالتْ: هذا سؤال صعب جدًّا. هناك عشرات الكُتُب التي أحبّها، ولكنْ، ليس بالضرورة أنها تهمّكِ. كانت تدرس الاقتصاد، لكنها تتحدّث عن الفلسفة والأدب كثيرًا، وأدهشني البائع الذي لم يكن أقلّ شَغَفًا ومعرفة بأغلب الكُتُب التي تتحدّث عنها. دعوتُها لتناول قهوة في المكتبة التي كانت تضمّ مجموعة مناضد محدودة للقراءة، وتناول القهوة. كانت تضع حجابًا، وترتدي تي شيرت ب"كُمّ" طويل، وبنطلونًا أسود. وجهها الجميل الخمري تبرز فيه عينان واسعتان سوداوان جميلتان. قالتْ لي ضاحكة إن الإنسان الذي يجد في الكُتُب حياته يصفه الناس بأنه معقّد. ونظرتْ حولها، وقالتْ لي هامسة إن صديقاتها يصفنها بالجنون، لأنها تُنفق فلوسها كلّها على الكُتُب. بصراحة أيضًا لولا هند، لما تعرّفتُ على مكتبات جديدة، امتلأتْ بها المنصورة، بينما أنا غائبة في مقرّرات وكُتُب ومعامل طبّ الأسنان. وبسببها وجدتُ نفسي أدخل يومًا بعد يوم إلى مكتبة جديدة، وأتذكّر ما كان خالي رامي يقوله عن ندرة المكتبات في المنصورة. في مكتبات مثل "ألف"، "الشبراوي"، "عصير الكُتُب"، إضافة طبعًا ل"بوكز آند بينز"؛ التي التقيتُ فيها بهند لأوّل مرّة. تبادلْنا الهواتف، وكلّما ضقتُ بحياتي ذرعًا، ولم أجد هناء، صديقة عمري، أتّصل بهند، وأحيانًا أدعوها لنتناول الطعام في "مطعم أهل الشام" الجديد، الذي أُفضّله الآن عن غيره. وعلى سبيل استدعاء الذكريات، كنتُ أجلس معها أحيانًا في "مقهى أندريا" الذي كانت أمّي تُخبرني بأنه من النادر أن تجلس إليه فتيات في زمنها، والذي كان الجلوس إليه قبل سنوات قليلة صعبًا بالنسبة للفتيات. وحين يكون الجوّ حارًّا، كنتُ أدعوها لكافيه "بلاك فورست" المواجه لكُلّيّة الطّبّ. ولكنه أعاد لي ذكرياتي السّيّئة مع أحمد، فلم أُكرّر الدعوة لهذا المكان. كنتُ أُخبر هند بهذا كله، فتضحك، وتقول لي فعلًا الدنيا اتغيّرت، والمنصورة اللي الواحد بيسمع عنها زمان بقتْ شبه الأحلام. كنتُ أجد في الحديث معها أفقًا آخر للحياة. 4 خالو، وكيف ألحّتْ على بابا، ليُجري إجراءات السفر لدبي، لكي يُحضر الجُثّة. وعلى إخفاء الخبر عن "جدّو" و"تيتة"، على الأقلّ حتّى وصول الجُثّة لمصر. كان قد عاد إلى مصر في إجازة قصيرة، قضى أغلبها في مصحّة نفسية خاصّة، بسبب الضغط النفسي الكبير الذي كان يعاني منه، كما أخبرتْني ماما. وبمُجرّد عودته لدبي، يبدو أنه كان بدأ يعاني من أمراض أخرى. بابا أخبرني أنه أُصيب بفقر الدم في آخر أيّامه. وبعد وفاته بسنوات، فهمتُ أنه أُصيب باللوكيميا، وكان هذا هو السبب في انهيار صحّته ووفاته. كنتُ أتصوّر أن البديهي الاتّصال بحنين، بمُجرّد معرفتي بالخبر المؤلم، لكن ماما قالتْ لي محذّرة إنني لو قتلتُها، لكان ذلك أهون عليها من الاتّصال بحنين لإخبارها بوفاة خالو. مبالغات ماما تجعلني أشعر بأنني سأُصاب بجلطة قلبية من شدّة بشاعتها، لكنْ، مع ذلك، وبسبب جدّيّتها الصارمة في مثل هذه الأمور، لا يمكنني معارضتها. أكتفي بدعابة، أحاول بها تخفيف الأحاسيس الكابوسية التي تُسبّبها مثل هذه المبالغات: – نادية والنبي ممكن تبطّلي تقولي لي الحاجات المزعجة دي. – نادية في عينِكْ قليلة الأدب! – آسفة، يا ماما، مش قصدي. كانت تشعر بفداحة ما قد تتعرّض له حنين نفسيًا، إذا عرفتْ بخبر وفاة أبيها بعد اختفاء طنط كريستين منذ طفولتها، وعَدّها هي نفسها أن أمّها ماتتْ منذ اختفتْ. أُدرك الآن أنني لم أتحدّث مع حنين أبدًا عن هذه الأشياء، ربّما إلا بعد وفاة خالي. أعتقد أن تحذيرات أمّي الأولى بالامتناع عن إخبارها بالأمر ظلّ أمرًا، قَطَعَ لساني عن الخوض في الموضوع، حتّى بعد مجيء حنين للمنصورة، ومعرفتها بخبر وفاة خالو من المذكّرات التي أوصتُني آنذاك أن أُعطيها لها. وفاة خالو رامي ظلّتْ في خيالي كأنها "تابو"، لا يمكنني الحديث فيها مع أيّ أحد. لكن المدهش حديثي في الأمر مع حنين بكلّ تلقائية، حين بدأتْ تحكي لي عنه، وعن زياراته لها في باريس، وكيف كانت العلاقة بينهما. شعرتُ بالإرهاق والنعاس فجأة، فأغمضتُ عينَيّ، واستسلمتُ لمشاهدة فيلم على الشاشة أمامي. (5) أنهيتُ إجراءات دخول باريس، بعد تفتيش دقيق. خلعْنا الأحذية، وأخرجتُ كلّ ما يمكن أن يؤدّي لصفير أجهزة الأشعّة، وانتظرْنا عودة أكثر من مارّ تحت الأجهزة لإعادة الاختبار، بسبب صفير الجهاز، بالإضافة إلى المساحة الشاسعة لمطار "أورلي"، التي اقتضتْ منّي مشيًا طويلًا حتّى وصلتُ أخيرًا لصالة استقبال القادمين. بحثتُ عن شبكة "واي فاي" في المطار، وأرسلتُ لبابا رسالة، أُطمئنه على وصولي وإنهاء الإجراءات، وكتبتُ له أنني سأتّصل بهما من الفندق بمُجرّد وصولي. خرجتُ من المطار وأنا منبهرة بكلّ ما حولي. كان الجوّ شديد البرودة، رغم أني ارتديتُ الجاكيت المبطّن بالفرو الذي وضعتُهُ على كتفي طَوَال الرحلة. توجّهتُ لسيّارات الأجرة التي تقف في صفّ انتظار طويل، وأعطيتُ الورقة التي أخذتُها من موظّفة استعلامات المطار، وبها اسم الفندق وعنوانه لأوّل شخص رأيتُه من الواقفين أمام صفّ السّيّارات. تأمّل الورقة لدقيقة، وهزّ رأسه، ثمّ ساعدني في وضع الحقيبة في السّيّارة. شعرتُ بشيء يشبه الفرحة في صدري وأنا أتأمّل الأجواء الماطرة على الطريق السريعة من المطار إلى المدينة. ومرّة أخرى عاودني القلق من عدم اتّصالي مبكّرًا بحنين. لكني تشبّثتُ بفكرة أن أعدّ نفسي مُجرّد سائحة ليوم واحد، قرّرتْ أن تزور باريس. بعد نحو ثلث ساعة، دخلْنا نطاق المدينة. كنتُ منبهرة بالعمارة القديمة الجميلة، التي يفوح منها عبق تاريخي غريب، وبالإضاءات التي تضيء الكافيهات، وبشكل الناس الذين يتحرّكون في الشوارع بحيوية رغم البرد. ورغم الصداع الذي بدأ يشتدّ تدريجيًا، كنتُ أستمتع بجمال ما أرى. أحسستُ أن عينَيّ كانتا عمياوَيْن، وأبصرتا في باريس. كلّ شيء هنا جميل ومُبهِر ومُلوّن ومختلف عمّا أراه يوميًا في المنصورة. تمنّيتُ الوصول للفندق بسرعة، لأتناولَ دواء الصداع قبل أن يفتكَ برأسي. فجأة وجدتُ السائق يصرخ ويرفع صوت الراديو في السّيّارة. لم أفهم. وضع يده على رأسه، ثمّ قال لي: – فرنسا تتعرّض لعمليات إرهابية. قفز قلبي في ضلوعي، وشعرتُ بتقلُّص في بطني، وقلتُ له: أين؟ ماذا حدث؟ قال لي: – اطمئنّي، نحن الآن قريبون من الفندق الذي تذهبين إليه. هناك هجمات إرهابية رهيبة .. إطلاق نار على مقاهٍ، ويبدو أيضًا في مسرح كاتلان، غير البعيد عن هنا. حاولتُ أن أتابع ما يقوله قارئ النشرة في الأخبار، وقلبي يقفز هلعًا. وكان السائق قد بدأ يزيد قليلًا من سرعة السّيّارة، كلّما وجد الفرصة، من دون أن ينطق بحرف، باستثناء صرخات الدهشة كلّما سمع جديدًا عن الأحداث. وصلْنا إلى الفندق، وأعطيتُ السائق نقوده بعد أن تمنّى لي السلامة، ودخلتُ للفندق بسرعة وأنا أجرّ حقيبتي خلفي. رحبّتْ بي فتاة فرنسية شابّة، تقف أمام "الكاونتر" الخشبي، وسألتْني: – السّيّدة نسرين شرنوبي؟ – هززتُ رأسي بالإيجاب. رحّبتْ بي، وقالتْ: – للأسف الشديد، وقعتْ منذ دقائق عمليات إرهابية كبيرة. ومن الجيّد أنكِ وصلتِ إلى هنا في الموعد. ربّما تُعلَن الطوارئ بعد قليل. أحسستُ بجفاف فمي في هذه اللحظات. وفكّرتُ أن أهاتف حنين أوّلًا. سألتُ موظّفة الاستقبال إذا كان هناك هاتف، يمكن الاتّصال به من الغرفة، فأجابتْ بالإيجاب، وطلبتْ جواز سفري. فتحتُ الباب، وأدخلتُ حقيبتي. بدت الغرفة الصغيرة نظيفة وأنيقة. وضعتُ الحقيبة بجوار دولاب صغير قريب من الباب، وفتحتُ الموبايل، لكي أبحث عن رَقْم حنين. وأسرعتُ إلى الريموت، لأفتح التلفزيون الذي كانت شاشته معلّقة أعلى كومود ومرآة في مواجهة السرير. وصلتْني من الغرفة أصوات سيّارات، لم أفهم إذا كانت شرطة أو إسعاف. اتّصلتُ بحنين، ورنّ الهاتف عدّة مرّات، ولكنْ، لم تردّ. شعرتُ بالقلق. أرسلتُ رسالة لأبي، أُطمئنه عن وصولي الفندق. ودعوتُ الله ألا يكونوا قد عرفوا بموضوع العملية الإرهابية. قنوات التلفزيون الفرنسية بدت كأنها قنوات نقل أخبار القيامة، كانت تنقل الأحداث من مواقع الأحداث، التي وصلتْها قوّات الشرطة، وطوّقتْها لحين انتهاء تحقيقات الشرطة الجنائية، وسمحتْ فقط لعربات الإسعاف والمُسعفين بالدخول لإنقاذ الجرحى، الذين كانوا يركضون والدماء تغطّيهم، وملامح الفزع تغلب على الألم. رأيتُ عددًا من الجثث على الأرض، والبعض كانوا من الجرحى الذين تلوّثتْ ملابسهم بالدماء. أحسستُ بالرعب، ولم أعرف ما ينبغي عليّ أن أفعل. من الموبايل أرسلتُ رسالة لحنين أُبلّغها برغبتي في الاطمئنان عليها، ثمّ عدتُ إلى الهاتف في الغرفة، لأعاود الاتّصال بها. ولكنها للمرّة الثانية لا تردّ. راودني إحساس قويّ بأنني نحس على المكان! معقول أن يحدث هذا كلّه في يوم زيارتي لباريس لأوّل مرّة؟ أنتظر ربع قرن لزيارة فرنسا، ولا أختار إلا هذا اليوم؟ طَوَال عمري أؤمن بالتشاؤم والنحس، ولم أنتبه أبدًا أني اخترتُ يوم الجمعة 13 للسفر .. يا للغباء! كنتُ أُنصِتُ للمذيعين والمذيعات وهم يتابعون الهرج والمرج والإسعاف ونقل الجرحى للمستشفيات، والدماء والخوف الذي أصبح حالة عامّة: "باريس تتعرّض لأكبر عملية إرهابية منذ الحرب العالمية الأولى"، "أعداد القتلى والجرحى غير معقولة". "الضربات في أكثر من مكان"، وهناك 1500 شخص محتجزون في أحد المسارح. فتحتُ الحقيبة بسرعة، وأخرجتُ حقيبة الأدوية الصغيرة، وعبثتُ بها حتّى وجدتُ العقار المسكّن للصداع. لم أجد زجاجة مياه في الغرفة، فنزلتُ إلى الاستقبال. فلم يكن في مقدوري الجلوس أكثر من ذلك. (6) في منطقة الاستقبال بالفندق، وجدتُ الكثيرين في هذه المرّة يقفون أمام ال "كاونتر"؛ حيث مازالت الفتاة الموظّفة تقف في مكانها لتخليص إجراءات وافدين جدد، أو تجديد حجز بعض مَنْ تبيّن لهم عدم قدرتهم للخروج إلى مطار في مثل هذه الظروف. سيّدات ورجال كبار في السّنّ، ملامحهم أجنبية، من اللكنات كنتُ أتكهّن بجنسيّاتهم: إسبان، إيطاليون، إنجليز، وغيرهم. وبعض الواقفين كانوا شبابًا من الجنسَيْن. كانوا أشبه بمجموعة بشر في سوق. جدال وصخب. والملامح تجمع الغضب بالخوف، والسّيّدات يبكينَ بمرارة، وهنّ يُمسكنَ بمناديل بيضاء. والبعض من الواقفين يتحدّث في الهاتف. زاد هذا كلّه من إحساسي بالخوف. وارتفع ضغطي، لأن دقّات الصداع في رأسي أصبحت لا تُحتمَل. سألتُ أحد الواقفين عن مكان المطعم، فأشار باتّجاه ردهة، وجدتُ بها عدّة جلسات وأرائك جِلْدية وثيرة، وكان هناك رُكن، يشبه منطقة الاستقبال في مدخل الفندق، تبيّنتُ أنه بار لتناوُل المشروبات. وخفتُ ألا يكون لديهم ماء أو قهوة. فمشيتُ عدّة خطوات أخرى، حتّى رأيتُ باب المطعم. دخلتُ، فوجدتُ شابًا أسمر نحيفًا يتابع الأحداث على هاتفه النّقّال. وضع الهاتف بجواره، ورحّب بي، وسألني إذا ما كنتُ أرغب في تناوُل العشاء. فقلتُ له إنني أرغب أوّلًا في بعض المياه، والقهوة. أومأ مُتفهّمًا. وبعد دقائق، أحضر لي كوب ماء ممتلئًا. واندهشتُ، فسألتُه: أليس لديكم مياه معدنية؟ وأخذنا نتجادل في حوار عَبَثي لدقائق، فهمتُ منه في النهاية أنه كان بإمكاني استخدام مياه الصنبور للشرب، في الغرفة، وأن السائد لمَنْ يرغب في مياه أخرى تناوُل المياه الغازية. وضحكتُ من غبائي. بلد فيها نهر السين، هل تحتاج لمياه معدنية؟ سألتُهُ عن الأخبار، فأخبرني أن فرنسا كلّها في حالة ذهول، لأن الهجوم كبير ومنظّم، وتمّ في توقيت متقارب في مواقع عديدة، وكثير من الضحايا تمّ قَنْصهم في المقاهي عشوائيًّا، بالإضافة إلى أحداث في ملعب فرنسا الدولي، وفي مسرح كابلان. وقال لي في أسى: – يبدو أن الشرطة ستقتحم المسرح، لأنهم أُبلغوا أن المجرمين يقومون بقَتْل الناس في الداخل بلا أيّ تردّد. أنا لا أفهم مَنْ هؤلاء المجانين؟! وماذا يريدون بقَتْل ضحايا يحضرون حفلًا موسيقيًا أو يجلسون على مقهى؟! هذا أمر مخيف وغبيّ جدًّا. ووجدتُ نفسي فجأة أبكي بلا أيّ مقدّمات. وما إن شعرتُ بدموعي حتّى تحوّل بكائي إلى انفجار، يشبه بكاء الأطفال. تأمّلني الفتى للحظات بارتباك وتعاطف، ثمّ انطلق إلى منضدة قريبة، واختطف من عليها علبة محارم ورقية، ناولني إيّاها. شكرتُهُ. فقال لي: – اليوم كلّنا فرنسا. هل لديكِ أقارب أو أهل في منطقة الأحداث؟ هززتُ رأسي نافية، ثمّ تذكّرتُ حنين، فقلتُ له باكية: – لا أعرف، لكنْ .. ربّما .. حنين .. لا أعرف أين حنين. – لندعو ونصلّي للضحايا وأهلهم. الحدث مؤسف جدًّا. في هذه اللحظة تمنّيتُ أن أجد بابا أمامي، لأرتمي في حضنه، وأبكي كالأطفال. فلا يمكنني الآن فَهْم أيّ شيء من هذا الجنون. ثمّ أين حنين؟ معقول أن تكون قريبة من هذه الأحداث؟ ومَنْ هم هؤلاء الإرهابيون؟ وماذا يريدون من فرنسا؟ وما ذنب هؤلاء القتلى كلّهم؟ حرام ما يحدث، والله. ما هذا الجنون كلّه؟ سمعتُ الأخبار بالفرنسية حين رفع الشّابّ مؤشّر الصوت: "أعلن الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند – الذي كان ضمن المتفرّجين في ملعب فرنسا الدولي، حيث كانت مباراة ودّيّة بين المنتخبَيْن الفرنسي والألماني – في خطاب مقتضب، ألقاه بعد تفجيرات باريس حالة الطوارئ في أنحاء البلاد جميعها، وإغلاق الحدود، وبعض المناطق. وفي السياق نفسه، دعت السلطات الفرنسية سكّان العاصمة إلى عدم الخروج من بيوتهم. كما دُعي الجيش للنزول لحماية العاصمة باريس، والمساعدة في حفظ الأمن. وألغى فرانسوا هولاند زيارته إلى تركيا للمشاركة في قمّة العشرين بولاية أنطاليا لمتابعة الوضع، وعقد اجتماعًا مع مجلس الدفاع في قصر الإليزيه، لبحث تداعيات الهجوم. وفي السياق نفسه، أصدر الادّعاء العامّ قرارًا بإغلاق المكتبات، والمتاحف، وأحواض السباحة، والصالات الرياضية، والأسواق العامّة، في العاصمة؛ واستُثنيت المدراس فقط". قلتُ بهلع: يا إلهي! الرئيس الفرنسي كان مُستهدَفًا؟ فقال الفتى: هي عملية مجنونة، بالمقاييس كلّها. هؤلاء المجانين قتلوا 90 شخصًا في المسرح، والآن الشرطة قرّرتْ اقتحام المكان، أيًّا كانت الخسائر. أشعل الفتى سيجارة، ونظر لي معتذرًا على التدخين، فقلتُ له ألا يعتذر. ولكن قلبي كان قد بدأ يأكلني على حنين. هل هي خارج فرنسا، ولذلك لا تردّ على الرَّقْم الذي أتّصل بها منه؟ ولكني أيضًا أرسلتُ لها رسالة. انتبهتُ لنسياني الهاتف في الغرفة. كانت الساعة قد اقتربتْ من منتصف الليل. فقلتُ لنفسي إن حنين عادة لا تسهر كثيرًا. واليوم كان لديها يوم عمل بالتأكيد. لعلّها نائمة. شربتُ القهوة التي قدّمها الفتى، وقلتُ له إنني لم أُغيِّر نقودًا إلى العُملة الأوروبية بعد، فأخبرني أنه سيُضيف ثمن القهوة على الغرفة. شكرتُهُ، واستكملتُ شرب القهوة بسرعة. كانت مُرّة وبلا سُكّر. رغم إحساسي بالوَنَس هنا، وبوجود بعض الناس الذين اجتمعوا حتّى لو كانوا قلقين وخائفين، لكنْ، كان عليّ العودة للغرفة لإعادة الاتّصال بحنين. شكرتُ الفتى الأسمر، وغادرتُ المطعم. في الردهة، كان أغلب روّاد الفندق قد تجمّعوا، وجلسوا على الأرائك المحدودة، وسمعتُ فتى يبدو عربيًّا يقول لجاره بالعربية: – الآن فقط تنتبه فرنسا لوجود إرهاب! كلّ يوم يموت آلاف من ضحايا الإرهاب في سوريا والعراق، وفي كلّ مكان. لكن صاحبه الذي كان يتابع فيديو خبريًّا على شاشة هاتفه لم يردّ عليه. صعدتُ إلى الغرفة وأنا أدعو الله أن أجد رسالة من حنين. (7) بعد انتصاف الليل، وعندما تبيّنتُ إغلاق حنين لهاتفها، وأنه لم يعد أمامي سوى الانتظار حتّى الصباح، خلعتُ ملابسي، ودخلتُ عارية إلى الحمّام الصغير، وألقيتُ بجسدي تحت المياه الدافئة، وأنا أتمنّى أن ينتهي هذا الكابوس على خير. ارتديتُ بيجاما مريحة، وعدتُ لمتابعة الأخبار. وبجواري رواية دوستويفسكي. التفتُّ لغلاف الرواية، فَمَرّ في ذهني سؤال عابر: كيف كان من الممكن أن يُحلّل نفسية المجرمين الذين قتلوا هؤلاء البشر كلّهم في دقائق، ومجانًا بلا سبب، ولا ذنب ارتكبه أيّ منهم؟ ثمّ عدتُ وتذكّرتُ أن راسكلينكوف في تبريره لجريمته كان يستند إلى مبرّرات. قلّبتُ في صفحات الرواية، حتّى وقعتُ على المقال الذي يفترض أنه كتبه قائلًا فيه: "أمّا الفئة الثانية، فهي تتألّف من رجال يتميّزون بأنهم جميعًا يكسرون القانون، بأنهم جميعًا مُدمِّرون، أو بأنهم جميعًا ميّالون إلى أن يصبحوا كذلك بحُكم ملكاتهم. جرائم هؤلاء الرجال تتفاوت خطورتها، وتتنوّع أشكالها طبعًا، وأكثرهم يريدون، بأساليب متنوّعة جدًّا، تدمير الحاضر في سبيل شيء أفضل، فإذا وجب على أحدهم من أجل تحقيق فكرته، أن يخطو فوق جُثّة، أو فوق بركة دم، فلن يستطيعَ أن يعزم أمره على أن يخطوَ فوق جُثّة، وفوق بركة الدم وضميره مرتاح؛ كلّ شيء رهن بمضمون فكرته، وبما لها من أهمّيّة طبعًا".* يا إلهي، فكأن دوستيوفسكي قد نفذ إلى عقلية مجرمي اليوم من مكانه هناك على بُعْد عقود زمنية، تفصلنا عنه، وكأن إجرام هؤلاء البشر مُجرّد حلقات متوالية تُغيّر القبّعات، بينما لا تخفي إلا عقلًا إجراميًّا واحدًا. وانتفضتُ عندما دقّ جرس هاتفي المحمول فجأة. هتفتُ لنفسي: حنين أخيرًا، لكني انتبهتُ لاسم "بابا " على الشاشة. كان في حالة هلع، ويبدو أن الأخبار الآن أصبحت حديث العالم كلّه. تعمّدتُ أن أبدو هادئة، وافتعلتُ أنني في طريقي للنوم. وقلتُ له إن الأخبار للأسف صحيحة، لكني بخير لأني بعيدة تمامًا عن موقعها. وإن كان قلبي يُحدّثني بأنها قريبة، لأنني كنتُ أسمع أصوات سيّارات الإسعاف بلا توقّف. لم أُغلق الهاتف إلا بعد أن حدّثتُ أمّي أيضًا. وقلتُ لها كاذبة إنني اتّصلتُ بحنين واتّفقتُ على اللقاء معها غدًا، وإنها بخير أيضًا. أغلقتُ الهاتف، وقلتُ: سامحني، يا ربّ. لكنْ، يكفيني القلق الذي أعيشه هنا، فلا يمكنني احتمال قلق أمّي، وهي على بُعْد آلاف الكيلومترات. بدأ الصداع يغادر رأسي تدريجيًا، وتسلّل الخدر من التّوتّر والتعب لجسدي. لكن ذهني لم يتوقّف عن العمل. نهضتُ فجأة حين تذكّرتُ مفتاح الحياة. فتحتُ حقيبة يدي، وتأكّدتُ من وجود السلسلة والأيقونة، وتنفّستُ ملء رئتَيّ. هذه السلسلة الذهبية التي أعادت الحياة للكثير ممّا كنّا نظنّ أنه مات للأبد. كشفتْ لنا أسرارًا، لم يكن أحد يعتقد أنه سيصل لمعرفتها يومًا. وهي السبب الحقيقي لوجودي في باريس الآن. لم يكن أمامي وسيلة لاستعادة هدوئي إلا أن أُغلق التلفزيون، وأُنصِتَ للموسيقى ولو لدقائق حتّى أتمكّن من السيطرة على خوفي ومشاعري. تذكّرتُ يوم جاءتْ ماريان إلى العيادة، لتطلب لقائي. لم أكن أعرف الاسم، لكني طلبتُ من الممرّضة أن تُدخِلَها لدقائق طالما الأمر شخصي. قالتْ لي إنها جاءت لأمر يخصّ كريستين. لم أنتبه في البداية، فقلتُ لها: كريستين مين؟ قالتْ: زوجة خالكِ. دقّ قلبي، وتأمّلتُ الفتاة. كانت جميلة، شعرها البُنّيّ مصفّف بطريقة بسيطة، وترتدي قميصًا أبيض طويلًا على بنطلون جينز، وتضع نظّارة طبّيّة. وحاولتُ أن أتكهّن بمَنْ تكون، لكنّي لم أعرف. سألتُها إذا كان الأمر الذي تريد أن تُحدِّثني فيه سيستغرق وقتًا، فأومأتْ برأسها. قلتُ لها أن تنتظرني حتّى أنتهي من الحالة الباقية لليوم. عندما جلسْنا في غرفة العلاج، طلبتُ من الممرّضة ألا تقاطعني أو تفتح الباب لأيّ سبب. استعدتُ ما قالتْهُ لي كلّه، والذي أُنصِتُ له وأنا فاتحة فمي من شدّة الدهشة. وهو ما حدث لأمّي نفسه حين حكيتُ لها تلك التفاصيل كلّها: كانت أمّي تعرفها، وسمعتْ اسمها عن طريق خالو، وهذا ما قلّل من شكوكي، فأخبرتُها بما قالتْه لي، وهي تؤكّد لي الخبر الذي بدا لي مثل الصاعقة: كريستين زوجة خالي وأمّ حنين حيّة تُرزَق، ولكنها فَقَدَت الذاكرة، ولا تعرف شيئًا، لا عن رامي أو حنين أو أيّ شيء يخصّ حياتها. سألتْني أمّي بعصبية وفضول: – إزاي يعني مش فاهمة؟ احكي لي بسرعة من غير ألغاز. كانت ماريان قد أخرجتْ من حقيبتها سلسلة ذهبية معلّقة، فيها دلاّية على شكل مفتاح الحياة، وقالتْ إنها بفضل هذه السلسلة فهمتْ كلّ شيء. أمسكتُ بالسلسلة كأنني أمسك بسرّ غامض. فقالتْ لي إنها وجدتْها بين متعلّقات أبيها موريس، في صندوق صغير فتحوه بعد وفاته. وقد تعرّفت الأمّ؛ زوجة موريس، على السلسلة، وأخبرتْ ماريان بأنها تخصّ كريستين بالفعل. ماريان التي حاولتْ أن تفهم من أمّها سرّ وجود متعلّقات تخصّ كريستين لدى أبيها، لم تصل لنتيجة واضحة محدّدة. كانت الأمّ لديها شكوك فقط، لكنها ليس لديها معلومات. قالتْ ماريان: فبعد إعلان زواج كريستين من رامي، وإعلان تغييرها لدينها، قرّر عمّي جورج وزوجته جورجيت أن يتركا المنصورة هربًا من الفضيحة، خصوصًا بعد إعلان عمّي تبرؤه منها حتّى يموت. لكنْ، يبدو، كما فهمتُ من ماريان، أن موريس لم يسكتْ، وظلّ يتربّص بها، وخطّط لاختطافها بمعرفة مجموعة، لم يتمكّن أحد من معرفتهم، وبقي أمرهم سرًّا. نجحوا في اختطافها من منزلها في الإسكندرية، بعد تخديرها، في وقت صادف وجود حنين نائمة في فراشها، وخروج خالي رامي من البيت. كانت القصّة كلّها عجيبة جدًّا، ووجدتُ نفسي أقول لها: – نعم؟ أفندم؟ ده فيلم ده جاية تحكيه ليا هنا؟ لكن ماريان، وبخجل شديد، قالتْ وهي تتحاشى النظر في عينَي: – بصراحة أنا المفروض أكون أكتر واحدة مكسوفة وتعيسة من الموضوع ده، لأني باحكي عن أبويا كراجل، أنا شايفة إنه ظَلَم وأجرم في حقّ بنت عمّتي. سألتُها عن السبب في فقدان طنط كريستين لذاكرتها، فأخبرتْني بأنها ظلّت تبحث في الموضوع، وتسأل أقاربها وأمّها عن تفاصيل تخصّ عمّتها جورجيت وزوجها، وتاريخ اختفاء كريستين، حتّى توصّلتْ لإمكانية أن تكون قد أُدخلَت أحد الأديرة. وقرّرتْ أن تبدأ رحلة بحث بمساعدة الكثير من زميلاتها وصديقاتها، وتتبّعت الأديرة التي يمكن أن تكون قد انتقلتْ إليها، ونبشتْ أوراق أبيها كلّها، حتّى وصلتْ إلى بعض الملابسات التي جعلتْها تتوقّع أحد الأديرة كمكان محتمَل لوجود كريستين به. وقالتْ إنها وفقًا لما تمكّنتْ من معرفته عن الأمر، اكتشفتْ أن الذين قاموا بخطف كريستين تعرّضوا، وهم في طريقهم للدِّيْر، إلى حادث سَيْر، انقلبتْ بسببه السّيّارة، أدّى إلى إصابتها بإصابات عديدة وكسور، لكنْ، عندما أفاقتْ، كانت فاقدة لذاكرتها. وانتهى الأمر بإيداعها الدَّيْر. كان الأمر كلّه غريبًا جدًّا، وكنتُ أشعر بمشاعر متباينة وأنا أتخيّل لو كان هذا الأمر قد كُشف قبل وفاة خالي، وتأثيره على حنين، ثمّ كيف ستستقبله الآن؟ أخذتْ ماريان تعتذر، وتؤكّد لي أنها من البداية لم تكن تحبّ تشدُّد أبيها وتزمّته. وأنها عانتْ كثيرًا بسبب هذا التّزمّت. وكان عليها أن تعرف الحقيقة، وأن تُخبرنا بها من أجل حنين ابنة كريستين. كنتُ أهزُّ لها رأسي بتفهّم، وأشكرها بمحبّة على ما فعلتْهُ، لكني وجدتُ نفسي أنهار باكية، وأنهنه مثل الأطفال. عاشتْ حنين حياتها كلّها بلا أمّ، وعاش خالي بقية حياته منذ اختُطفَتْ، وهو لا يعرف أهي حيّة أو ميتة، وهي، طنط كريستين نفسها، عاشتْ ربع قرن من حياتها من دون أن تعرف أن لها زوجًا وبنتًا. بينما هذا الشخص المتزمّت ضيّق الأفق، موريس، عاش كاتمًا السّرّ الذي كان يرى به أنه يُنقذ دينه ومعتقداته. لكني لم أنطقْ بحرف، سوى: "حرام، والله حرام" التي كانت تخرج مع بكائي، بينما كانت ماريان تحاول أن تُهدّئني وهي تعتذر عن تسبّبها في هذا الموقف السخيف. وبالعكس تمامًا، فقد كنتُ أُقدِّر أمانتها، ووعدتُها أن نصبح صديقَتَيْن، وسألتُها إذا كان بإمكاني أن أحكي ذلك لأمّي، فقالتْ لي إنها استأمنتْني على هذا الخبر من أجل ابنة عمّتها. وقالتْ إنها استعانتْ بصديقة طيّبة في الوصول للدَّيْر الذي تعيش فيه ابنة عمّتها، ولكنها لم ترها بنفسها. قالتْ: بصراحة كان مستحيل أفكّر آجي أقابلكْ إلا بعد ما اتأكّد تمامًا إنها موجودة في الدَّيْر. سألتُها، وهل والداها يعرفان شيئًا عن الموضوع، فهزّت رأسها وهي تقول: – تصدّقيني لو قلتْ لك إننا ما نعرفش حاجة عن عمّتي من يوم ما خرجوا من المنصورة؟ حتّى لمّا عم جورج اتوفّى ما حضرناش الجنازة. فيه ناس بيقولوا إن عمّتي جورجيت هاجرت برّه مصر. بس ما حدش عارف. عمّتي كانت حاسّة إن كريستين ظلمت نفسها، وإنها كانت تستاهل تعيش حياة طبيعية، وتفرح بيها في إكليل زي كلّ الأمّهات. كانت حسرتها كبيرة. أفقتُ من ذكرياتي التي أخذت تتداعى على صوت رنين الهاتف، فانتبهتُ شبه مذعورة.