رأيتُ خلف الصورة وجهكِ.. يا منصورة، وجه لويس التاسع المأسور في يَدَي صبيح أمل دنقل "والصمتُ أيضًا سأصفه لي.. إذ إنّ أفضل كلمات الحبّ بين أيّ اثنَيْن هي تلك التي لا تُقال". أوكتافيو باث كريستين جزيرة الورد عَدَدْتُ غيابها عن حياتي الضربة الثانية لي بعد موت عماد المبكّر، والصادم، الذي كان حَدَثًا مفصليًّا في حياتي وحياة كلّ شلّتنا (الأصدقاء المُقرّبون) تقريبًا. وبالرغم من أنني تمنّيتُ لها السعادة من أعماق قلبي، لكنّي، لن أسامحها أبدًا على زواجها المبكّر، ورحيلها إلى أمريكا مع زوجها. وسوف يلاحقني الشعور بالتعاسة لغيابها دائمًا. بينما سيظلّ عزائي أنها كانت سعيدة بقرارها بالزواج والهجرة. جاكلين صديقة بالمعنى الذي أفهمه لفكرة الصداقة، ومعها أتحدّث عن أيّ شيء يخطر ببالي، فتبتسم وتهزّ رأسها بتفهّم وهدوء كعادتها. بين أسباب ارتباطي الروحي بها؛ إحساسي بأنها أكبر من عمرها، فقد كانت أكثر نُضجًا منّي بكثير. عاقلة، وهادئة، قارئة نهمة، وتحلم بالحياة في أوربا أو أمريكا. لم تشاركْني تعلُّقي بالشارع، والخروج مع عماد ورامي وشلّة الجيران في توريل. لكنها، لا تخفي شَغَفَهَا بحكاياتي عنهم. ووصفتْني بأنني أصبحتُ أُشبِهُ الأولادَ، بسبب شدّة ارتباطي بهم! تاريخ مغادرتها للمنصورة أصبح تاريخًا مركزيًا، أُؤرّخ به الحكايات والأحداث. أحكي الحكاية، وأقول حَدَثَ ذلك بعد سَفَر جاكلين. وأحيانًا أبدأ قائلة: "لمّا جاكلين كانت هِنا، أو لمّا سافِرنا "رأس البرّ" مع جاكلين حصل كذا". "بقَدْر جمال المنصورة بقَدْر ما أضاعتْ شباب الكثير من أبنائها". هكذا قالتْ يومًا، ومعها الحقّطبعًا، فلا يمكن مقارنة المنصورة، بكلّ ما فيها، بليلة في الإسكندرية، أو القاهرة. اعتادتْ جاكي، كما نُدلّلها، في رحلاتها للقاهرة مع أمّها وأختها الأصغر، زيارة المسارح، والسينمات، والتّردّد على مطاعم أنيقة، ونوادٍ عديدة. أمّا هنا، فليس لدينا إلا ناديَيْن أو ثلاثة، وبعض المطاعم. السينما لا تليق بالعائلات. والحياة اليومية فيها مَبنية على الروابط الاجتماعية والزيارات العائلية في البيوت. لكننا، مع ذلك، مثل كائنات البحر؛ لا يمكن أن نبتعد عن المنصورة إلا ونشعر لها بالحنين الجارف. وهو مرضٌ شائعٌ عند أهلِها جميعًا تقريبًا. فمَن الذي لا يحبُّ المنصورة؟ ولعلّ تعلُّقنا بالمنصورة له علاقة بمعرفتنا بتاريخ المدينة الجميل. كان عمّي وديع، مثلًا، حين يأتي لزيارتنا قادمًا من بورسعيد، يحكي لنا عن منصورة ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، فتبدو لنا كأنّها بلدة أوربية بسبب الأبنية العتيقة، مخروطية الأسقف، التي تخصّ الرعايا الأجانب. يُخرِج لنا ألبوم الصور الجِلْدي العتيق، الذي يحتفظ به معه في حقيبة صغيرة، أينما ذهب. نتأمّل الصور التي تبدو لنا كأنها رحلة في زمنٍ آخر. صُورٌ بالأبيض والأسود، مصقولة، وفي حالة جيّدة كأنها كروت بوستال. صور من زمن آخر، لا علاقة له بزمن بالمدينة التي نعرفها. لم نكن نملّ من تكرار الفُرجة على الصور، وبينها صورته وهو يقف بجوار مبنى القنصلية الإسبانية بتصميمه الأوروبي الجميل، أو أمام مدرسة "الفورير" التي درس فيها في صغره، وصور أخرى لشارع السِّكَّة الجديدة في الأربعينيات، مع صور جدّي فلتس وجدّتي اليونانية "تيته فيودورا". أخبرنا مرّة عن "حارة الخواجات"، التي عاش بها الكثير من الإيطاليّيْن واليونانيّيْن. من بين الصور التي كنتُأتمنّى أن أحتفظ بها، صورة لعمّي وديع أمام المدرسة اليوناني، التي عملتْ فيها جدّتي "تيته فيودورا" أو "فوفا" كما يُدلّلها أفراد العائلة. وكنّا منبهرين من مساحة الحدائق والأشجار حول مبنى المدرسة الذي يُشبه قصرًا فخمًا بسلالم عديدة. وكان واضحًا عُلو أسقف القصر الذي تحوّل للمدرسة اليونانية. وكان جدّو فلتس يقول إن المنطقةكلّها كانت تابعة للجالية اليونانية، حتّى الخمسينيات. ولم نرَ صورًا لأبي في تلك المرحلة، إلا في صورة وحيدة، بدا فيها طفلًا، تحمله جدّتي بين يَدَيْها، وبجوارهما يقف عمّي وديع الذي كان يكبر بابا بأكثر من عشر سنوات. وحتّىأمّيحَكَتْ لي أنها وزميلاتها خلال فترة الدراسة، كنّ يذهبنَ إلى السينما في الحفلات الصباحية. وبضحكةٍ خجولة؛ تُلَمِّح لي أن تلك السينما ملتقى المواعيد الغرامية بين البنات والشباب، حتّى لو اقتصر الأمر على تبادُل الابتسامات من بعيد، والغزل العفيف. ولمّا سألتُها إذا ما حدث مرّة والتقتْ بابا في موعد غرامي في السينما، فابتسَمَتْ في خجل، وطلبتْ منّي السكوت. وفهمتُطبعًا أنها ربّما كانت تلتقي شخصا آخر قبل أن تتعرّف إلى أبي، الذي تزوّجتْه زواجًا تقليديًّا. حكى لي بابا أيضًا عن "مدرسة الليسيه"، التي تقع في أوّل شارع طلعت حرب في توريل، قبل أن تتحوّل لمدرسة حكومية. وعن جمال أيّام المنصورة زمان. وعن الطبقات الأرستقراطية التي وجدت متنزّهًا لها في "نادي التجديف" و"كازينو النيل"، بالإضافة للحفلات الموسيقية التي كانوا يُقيمونها لأمّكُلْثُوم وعبد الوهاب وكبار الفنّانين في قصورهم، خصوصًا قصور عائلة الشّنّاوي. وحين نسأله عن تفاصيل بعض ما أخبرنا به "عمّي وديع" يقول لنا مبتسمًا إن وديع لا يعرف شيئًا عن المنصورة منذ الخمسينيات، بسبب انتقاله إلى بورسعيد للعمل هناك، وبقي بها، وتزوّج، وصارت معرفته بها أكبر من المنصورة. كلّنا نعشق المنصورة بجنون، ولكننا أيضًا نعرف أنها أصغر من طموحاتنا، ولذلك كان من الطبيعي، بين آن وآخر، أن نسمع عن هجرة أو سَفَر أصدقاء لمَنْ هم أكبر منّا عُمرًا. ولكننا كنّا نستقبل الأمر بشكلٍ طبيعيّ، بسبب سُمعة المشاهير الذين انطلقوا من المنصورة، وأصبحوا نجومًا في المجالاتكافّة. وهو ما يجعلنا نشعر بالزهو، ولا نبالي بسخافات الذين يسخرون من انتشار زُرقة عيون الفتيات، بالإشارة السخيفة إلى تزاوُج الفرنسيّيْن بأهل المدينة إبّان حملة لويس التاسع وهزيمته وأَسْره في المدينة. في النهاية، ارتبط قَدَرُ المنصورة بطريقة بنائها كمدينة عسكرية محدودة المساحة، ولم تكن له أيّ حلول. وأسهم الريف والقرى القريبة منها في تضييق الخناق حولها بما لا يتيح أيّ مجال لتوسّعها. مع ذلك، كانت المنصورة، وستظلّ، بالنسبة لنا، العالمكلّه. عندما حلمتُ ببيت الرّبّ لم أفهمْ إصرار رامي على انتقاد جاكلين بمناسبة وبلا مناسبة، رغم أنّها موضع إعجاب الجميع. جميلة، مهذّبة، عصرية، رشيقة. لا يمكن لأيّ شخص أن يراها بغير عين المحبّة. السبب الأكثر منطقية بالنسبة لي أنه مُعجبٌ بها، وليس انتقاده المستمرّ لها إلا وسيلة للتعبير عن اهتمامه. وبصراحة مَنْ الذي لا يمكنه أن يُعجَب بجاكلين؟ جمالها لافت بشَعْرها الأسود الطويل الناعم، ووجهها ذي القسمات الرقيقة، ورشاقتها التي تجعلهاتبدو كالأجنبيات. حتّى أختها؛ "ريموندا"، أو "ريمو" كما نُسمّيها، كان جسدها بضًّا، متثنّيًا، تحرص على إبراز مفاتنه بارتداء فساتين ضيّقة. بينما جاكلين لا ترتدي إلا أزياء بسيطة جدًّا، بنطلون جينز و"تي شيرت"، كأنهما لا ينتميان لبيت واحد. وحتّى أنا رغم تناسق جسدي أعدّ نفسي بضّة، وقابلة للامتلاء، إذا أُتيحت لي الفرصة. جمالنا أنا وجاكلين جعل شارع بيتنا "مرتعًا" لسيّارات شباب "توريل"، ولجولات المتخايلين بأنفسهم، ولاستعراضات العُشّاق الغادين والرائحين كلّها، ليلًا ونهارًا. في "نادي الشُّرطة"، في توريل، كنّا نختلس الفرص للقاء أصدقائنا الشباب أنا وبعض زميلات المدرسة بعد الدروس، قبل أن يتحوّل النادي لمستعمرة ذُكُورية غير مقبول وجود الفتيات فيها! رامي يقول لي دائمًا إنه وَقَعَ في غرام أجمل بنات المنصورة، يقصدني طبعًا، ولكن موضوع محاولته إظهار سخريّته غير المبرّرة من جاكلين، لم يكن مريحًا، كأنه يقاوم إعجابه المستتر بها. بعد فترة بدأتُ أشعر بالانزعاج. أوّلًا لأنني أحبّ جاكلين مثل توأم. ولا أطيق انتقادها من أيِّ كان. وثانيًا لأن مبالغة رامي في انتقادها لم تعد فقط مستفزّة، بل ومريبة. أَخرجَني عن شعوري أكثر من مرّة حتّى قلتُ له مرّة وبحدّة شديدة: لا تتحدّث عنها أمامي بكلمة. بُهِتَ رامي، ولم يردّ لوهلة، وقبل أن يستعيد تماسُكه ويردّ، تركتُهُ ومشيتُ، لكي لا أمنحه فرصة للدفاع عن نفسه. حين هاجرتْ مع زوجها لأمريكا، لم تكن قد انتهتْ من الثانوية العامّة، بينما كنتُ لا أزال في الصّفّالأوّل. فرضتْ ظروف زوجها الزواج في هذا الوقت، لأنه لن يكون قادرًا على العودة إلى مصر قبل عدّة سنوات كما أخبرهم. وتمكّن من إقناع أهلها باستكمالدراستها في أمريكا. شعرتُ أن جزءًا من روحي سُرِق منّي للأبد. ولم تُعوِّضني الرسائل التي تبادلناها خلال العام الأوّل عن إحساس الضياع بدونها. ثمّ سَرَقَتْها المشاغل والدراسة والإنجاب لاحقًامنّي، ومن ماضيهاكلّها مع المنصورة تقريبًا. واليوم لا أعرف عنها إلا ما تنقلُه لي ريموندا. حافظتُ على علاقتي بشقيقتها وب "طنط إيزيس"، وكانت كلّ زيارة لهما كأنها محاولة لاستعادة طيف الروح المفقودة لجاكلين. حتّى في زياراتي للكنيسة بعد سفرها، كنتُ كاليتيمة. لم أعتد الذهاب بدونها، تقريبًا ولا مرّة. أمّا مشوار المدرسة اليومي من توريل إلى المختلط، فكان اختبارًا حقيقيًا لمعنى الوحدة. رغم أن "جولي" بدأتْ ترافقني بعد عدّةأيّام، عندما عرفتْ أنني أذهب إلى المدرسة وحدي. هل مهَّدَ ذلك لقبولي فكرة الرهبنة، قبل أن يأتي موت عماد، ليجعل الأمرَ قابلًا للاختبار على الأقلّ؟ أحيانًا يساورني خاطرٌ غريبٌ. أن اختفاءها من حياتي عقابٌ ربّانيّ على خطيئة ما. خفتُ أن تكون مشاعري تجاه رامي سببًا في هذا الهاجس. ارتبكتْ حياتي، وقرّرتُ زيارة أبونا، كاهن الاعتراف، لكي أرجو قبولي كراهبة لخدمة الرّبّ. لكنه لم يُبدِ الحماس لرغبتي في الرهبنة. قال إنني لازلتُ صغيرة ولا أفهم معنى الحياة داخل دَيْر للأبد. تأمّلني في شفقةٍ، وأوضح لي أنني يجب أن أعيش حياة طبيعية، وأستكمل تعليمي، وأخوض خبرات كثيرة في الحياة، حتّى لا أعود لاشتهائها بعد الرهبنة. قال إن الرهبنة في سنٍّ مبكّرة كهذه، ليس أمرًا سهلًا، ولا يقبله الكَهَنَة بسهولة. الرهبنة ليستْ سجنًا، قال، ولا ينبغي اتّخاذ قرار الرهبنة حين نشعر بالتعاسة في حياتنا. وهززتُ له رأسي باكية، ومتفهّمة، لكن روحي بلغتْ أوج عنادها. سأفعل أيّ شيء لأُكرِّس حياتي في خدمة الرّبّ. لكنْ، لا الراهبات اقتنعنَ بوجودي بينهنّ، ولا القساوسة. واتّفقوا بالإجماع على صغر سنّي، وعلى أنني لم أختبر الحياة بعد، وقالوا لي إنني إذا لم أكن قد عرفتُ الحياة قبل قرار الرهبنة، فمن الممكن جدًّا أن أشتاق للحياة العلمانية في الدَّيْر حين يكون الرجوع عن الرهبنة صعبًا. قلتُ لهم إنني أصوم باستمرار، وأقرأ في الكتاب المقدّس، وأحفظ عظات "البابا شنودة" عن ظهر قلب. لم يصغوا أو يهتّموا بكلّ ما قلتُ عن رغبتي المخلصة لخدمة الرّبّ، واستعدادي التّامّ لقضاء حياتي في الدَّيْر. وكشفتْ لي كبيرة الراهبات الرفاهية التي أعيشها مقارنة بالحياة في الدَّيْر، التي تحتاج إلى التّدرّب على التّقشّف. قالتْ: الراهبات يأخذنَ أنفسهنّ بصرامة، وحتّى صيامهنّ يكون شاقًا يمتنعنَ فيه عن الطعام يوميًا لما يقترب من يوم كامل، وليس كصيام العلمانيّيْن. عدتُ للبيت حزينة، وفي الليل، أخذتُ أدعو الرّبّ أن يحنّن قلوبهم، ليوافقوا على رغبتي الصادقة في تكريس حياتي لخدمة الرّبّ. قرّرتُ زيارة "القدّيسة دميانة". لم يكن إقناع أمّي بالسفر إلى بلدة "بِلْقَاس" القريبة من المنصورة، صعبًا، فهي لا تبعد عنّا أكثر من عدّة كيلومترات. لم أُخبر أمّي شيئًا عن رغبتي في زيارة الدَّيْر، وبيت الخلوة، والحديث مع راهبات الدَّيْر، فربّما أجد مَنْ يمنحني الأمل في قبولي كراهبة. توريل القديمة يقولون إن حيّ توريل من أكثر أحياء المنصورة هدوءًا، ولم أشعرْ بذلك في أغلب الوقت. في الطابق الأوّل، يمكن لنا سماع همسات المارّة في الشارع، فما بالكَ بمناداة الباعة، الذين يتوالون على الحيّ من الصباح المبكّر وحتّى العصر. وضجيج شباب الحيّ وهم يلعبون الكرة في "ميدان فريد المصري"، كلّ يوم تقريبًا؟! لازلتُ أذكر حتّى تلك الأيّام، حين كانوا يلعبون الكُرة الشراب، قبل أن تنتشر الكرة الجِلْدية الحديثة. ونداءات الشباب على بعضهم البعض من أسفل النوافذ. وإزعاج نفير سيّاراتهم الصاخبة. ففي توريل لا أحد يصعد ليدقّ جرس الباب، بل يتنادون من أسفل المنازل، أو يقرعون نفير السّيّارات. ربّما ورثْنا فكرة هدوء "توريل" من الأجيال السابقة، لكني لم أعرف هذا الهدوء. فكلّ صوت يصل إلينا في البيت، من طَرقات أقدام الخيل ورنّات أجراس الحناطير، قبل اختفاء "الحناطير" مثل أشياء أخرى كثيرة، أو مرور بائع العرقسوس وهو يُصلصل بطبقَي النحاس، مُعلنًا عن مشروب العرق السوس. ونداء الباعة المختلفة، من الخضراوات للفواكه إلى البقول، ومن بائع اللبن إلى الروبابيكيا، وغيرهم. فابتداء من وقت العصرية يأتي "عم عَنْتر" بعربة الذّرَة المَشوي، وإن كان من أكثر الباعة هدوءًا، لكن زبائنه ليسوا كذلك. ومن بعده، يتوافد باعة التين الشوكي، وغيرهم، وغيرهم. أحيانًا أستيقظ في الفجر، لأستمتع بتوريل الهادئة. أُمتِّع بصري بالشارع الهادئ وهو مُغبّش بشبح النهار الذي لم يأتِ بعد، من النافذة، ولا أسمع إلا وشيشًا بعيدًا لموقد مطعم الفول والطّعْميّة، القريب، الذي يبدأ استعداداته مبكّرًا. في الصيف أيضًا، وقت الظهيرة والعصر، يُصبح الحيّ صامتًا أغلب الأحيان. وكثيرًا ما طاب لأمّي في تلك الأيّام الهادئة أن تجمع "لبّ البطّيخ والشمّام"، لعدّة أيّام، ثمّ تغسله جيّدًا، ثمّ تفصل لبّ البطّيخ الأسود عن لبّ الشمّام الأبيض، وتتركه ليجفّ، ثمّ تُحمِّصه في الصينية مع الملح. وبهذا يكتمل بالنسبة لها طقس العصاري في الصيف. حين تبدأ الدكاكين والمحلاتكافّة في رَشّ المنطقة المواجهة لها من الشارع بالمياه لترطيب المكان. وتجلس ل "تقزقز اللّبّ" مع الشاي والبطّيخ، في البلكون، وتطلب منّي أن أجلس معها لنتسامر، إذا لم تأتِجدّتي، أو إحدى خالاتي أو صديقات أمّي لزيارتنا. في مثل هذه الأوقات، ومع الهدوء الذي لا تقطعه إلا أصوات بعض السّيّارات العابرة بين آنٍ وآخر، اعتدتُ إقناع نفسي أن الحياة في توريل مثالية وجميلة. لكن جاكلين التي تعبد الهدوء والتّأمّل، رأتْ في الحيّ الهادئ موضعًامُستمرًّا للإزعاج؛ خصوصًا لسكّان الطوابق المنخفضة، بل إن الإزعاج كثيرًا ما تحوّل إلى جحيم عندما تنشب المُشادّات المروِّعة بين شباب الحيّ في "توريل" ومجموعات الشباب من الضواحي الأخرى القريبة، خصوصًا أبناء حيّ "كفر البدماص"، حيث يتحوّل "ميدان فريد المصري" لساحة معركة. أحيانًا أتصوّر أن جاكلين خطّطتْ للهجرة مبكّرًا، هروبًا من الضوضاء. لكني أعود وأسخر من سذاجة هذه الفكرة؛ لأن "جاكي" قد تكون الوحيدة التي فعلت الأمر الصحيح،وقرّرت الهجرة من بلدٍ، تحمل هويّته، ولا يعاملها إلا كمواطنة درجة ثانية، لتذهبَ إلى بلدٍ، لا تحمل هوّيته، لكنه يعاملها كمواطنة، تتساوى حقوقها مع أيّ شخص آخر يعيش في المكان. لم أمتلكْ هذا الحسّ بالمغامرة، خصوصًا أن تذهب واحدة مثلي لآخر العالم بحثًا عن المساواة، كما أرادتْ وفعلتْ جاكي. أمّا "ريمو"، شقيقتها، فتُشبهني في طبيعة علاقتها وإحساسها بالمنصورة. تحبّ المدينة رغم كلّ شيء. تشعر أنها مثل سمكة خرجتْ من المياه، إذا سافرتْ مع والدتها للقاهرة، ولو حتّى ليومٍ واحد. لا تستعيد قدرتها على التّنفّس بشكل طبيعي إلا حين تعبر كوبري المنصورة من جهة سندوب، الذي تبدأ بعده مباشرة أولى ملامح المدينة، بالطريق الطويل الذي تصطفّ على جانبَيْه الشجيرات الكثيفة التي جسّدتْ طابعًا مميّزًا لمدخل المنصورة. لا شكّ في وجود ندّاهة جميلة، يؤويها النهر، تُنادي علينا إذا ما ابتعدْنا عنها. تذكّرتُ "الندّاهة"، التي اعتادتْأمّي إرهابَنا بها أنا وبنات خالاتي، في الطفولة، حتّى لا نبتعد عن البيت. عماد قال لي إنه سمع صوتها بالفعل مرّة، ولكن رامي سبح في النيل، لكي يؤكّد لهم أنهم واهمون! لكن، لكلّ أمّ من الأمّهات، أبناء يحملون جينات العقوق والعصيان، ككلّ الذين هربوا منها، وهجروها مع أوّل فرصة، مثل جاكلين، التي عرفنا أمثالها كثيرين باستمرار. عشرات من أصحاب الطموحات، بينهم أولئك الذين أحبّوا أن يكونوا نجوم غناء، ووقفتْ حدود المنصورة الخانقة عائقًا لطموحهم. الفِرَق الموسيقيةكلّها التي أحببْنا أُغنيّاتها، أو بالأصحّ؛ الأُغنيّات الغربية الشهيرة التي كانوا يُقلِّدونها بإتقان، والذين كنّا نستمع لأُغنيّاتها في حفلات راقصة في رأس البرّ، فريق ال"إيجلز" Eagles، أواخر السبعينيات، سنوات المراهقة، وفريق ال"ديفلز" Devils. كان كلّ من الفريقَيْن يضمّان شبابًا، نرى في كلّ شخص منهم نموذجًا من نماذج فرسان خيالنا. نتابع عروضهم الموسيقية والغنائية في الحفلات الجامعية، وفي بعض حفلات الزفاف، أو في إجازات الصيف في "رأس البرّ". بعد سنوات، عرفنا أن أغلبهم هاجروا خارج مصر. قائمة المهاجرين من المنصورة ضمّت الكثير من الفئات الأخرى، بينهم بعض الطامحين في الزواج من أجنبيات، بلا مبرّر ربّما غير عُقد النقص. أو لأسباب وجدت في الزواج منهنّ فرصة للهجرة. طبعًا هناك عائلات مسيحية كثيرة فكّرتْ في الهجرة بعد خروج الإخوان المسلمين من السجون في عصر السادات، وكذلك بعد اغتياله. بالنسبة لي الأمر مختلف تمامًا. أنا أعشق المنصورة حرفيًا. وأعشق فيها أشياء بسيطة. مثلًا حين كنتُ أزور "منال"، صديقة طفولتي أيضًا، بعد أن ترقّى والدها، ليصبح مديرًا لتفتيش الرّيّ، انتقلتْ عائلتها للفيلا الجميلة الموجودة في نهاية الشارع الرئيس في حيّ المختلط، قبل مزلقان القطار مباشرة. والتي لا يظهر شيء منها في الغالب، بسبب عُلو سورها وصِغَر بابها الخشبي. أذهب لزيارتها سعيدة جدًّا. أمشي الطريق من توريل للمختلط، إذا لم يُوصِلْني بابا، ووجهي في الأرض، لا ألتفتُ يمينًا أو يسارًا حتّى أصل لباب الفيلا. ورغم أننا نسكن بجوار فيلا، عُلّقتْ على بابها الرئيس لافتة مكتوب عليها "فيلا حسن الإمام"، لكنها ظلّت خاوية باستمرار. "فيلّا" بلا سُكّان، لكن الأشجار التي تظهر من خلف السور تبدو خضراء ونضرة. وما يدور داخلها يظلّ سرًّا، لا يعرفه أحد، أو يبقى مخترعًا في تهيّؤات أصحاب الخيال الواسع عن حياة أسرة المخرج الشهير في الداخل، رغم أنني لم أصادف رؤية أيّ منهم أبدًا. تمنّيتُ ظهور أيّ من أفراد عائلة المُخرج السينمائي الشهير يومًا، لكنْ، لم يحدث ذلك أبدًا. أمّا الفيلا الثانية، فهي تخصّ سكرتير عامّ محافظة الدقهلية، على بُعْد خطوات من ميدان فريد المصري، في الشارع الذي تقع فيه بقّالة "دعدور"، ولا نرى من سورها الأبيض العالي سوى الأشجار، وأحيانًا نرى سيّارة سكرتير المحافظ السوداء تقف أمام الباب. في الفيلا التي سكنتْ بها منال، في حيّ "المختلط" القريب من توريل، كنتُ أشعر أنني أنتقل إلى فيلم بالأبيض والأسود. الممرّ الطويل الذي يأخذ شكل حرف L، تحيط به حديقة تمتلئ بأشجار المانجو التي كنّا نُوقِع ثمارها، لأننا نحبّها خضراء ولاذعة، والجوافة، والكثير من أنواع الورد المختلفة، وخصوصًا الورد البلدي، وشجيرات الياسمين الكثيفة التي تتبرقش فروعها الخضراء بزهور الياسمين البيضاء، والتي تمنح للحديقة عبقًا جميلًا. بينما يُظلّل جانبًا من الممشى المؤدّي للفيلا "تكعيبة" عنب خشبية، تتدلّى منها القطوف الخضراء. أمّا البيت السَّكَني، فنصعد له بدرجات عديدة. وعندما أتأمّل جمال الشجر والورد أقول لنفسي إن هذه الحديقة هي ما تصفه الكُتُب ب"البستان". بيتنا لم يكن صغيرًا، مثل أغلب البيوت القديمة التي بُنيت في الخمسينيات والسّتّينيّات، لكنْ، لا يمكن مقارنته ببيت منال أبدًا. كان السقف عاليًا بشكلٍ مدهش. والممرّات بين الغرف طويلة. أمّا غرفة منال، فواسعة وأنيقة بالنسبة لغرف نومنا العادية الصغيرة. ربّما لم يكن البيت من الداخل حديثًا مقارنةً حتّى ببيتنا، لكنه كان عتيقًا وأنيقًا. كنتُ أشمّ فيه رائحة الخشب العتيق الداكن الذي يتمثّل في أرضية البيت المغطّاة بالسجاجيد. أحببْنا اللعب في الحديقة، والثرثرة وتبادل النمائم ونحن نتمشّى بين الأشجار والورود. وحين يصادفنا سامح؛ شقيق منال، وأُوجِّه له أيّ كلمة، يحمرّ وجهه حتّى يُصبح مثل التّفّاحة، رغم سُمرة وجهه الممتلئ. يُذكِّرُني بشكل "تَخْتَخْ" بطل مغامرات "المغامرون الخمسة" الشهيرة. أقول ذلك لمنال، فتضحك، فأضيف: – وأنتِ تُذكّريني ب "نوسة" أخت "محبّ" في المغامرات. فتنهرني، وتقول إنها أحلى كثيرًا من "نوسة"،فأوافقها بسرعة، مؤكّدة أنني أمزح معها. مرّة قابلتُ نادية؛ توأم رامي، عند منال. تعاملتْ معي بتحفّظ، ولم أفهم لماذا. هل لأنها تعدّني بنت شوارع، تلعب مع أولاد الجيران؟ أم لأنني مسيحية؟ هل تختلف عن شقيقها رامي لهذه الدرجة؟ لم تكن عدائية، ولم تتجاهلْني أبدًا عندما أُوجّه لها أيّ سؤال. بالعكس، كانت دمثة جدًّا ولطيفة، لكنْ، لا أعرف لماذا تعطيني الإحساس بالتّحفّظ. وبالفعل بعد فترة بسيطة من وجودي، استأذنتْ، وانصرفتْ. منال ووالدتها طنط ليلى، لم تكن لديهما حساسية بتاتًا في التعامل معي. طنط ليلى خرّيجة مدرسة "سانت فامي" هي، أيضًا، وكثيرًا ما تحكي لي ذكرياتها في المدرسة. كنتُ سعيدة أنني درستُ في مدرسة عريقة، خرّجتْ أجيالًا مثل جيل طنط ليلى. في إحدى زياراتي لهم، طلبتْ منّا طنط ليلى أن نخرج معها إلى حيّ "ميت حَدَر" الشعبي، الذي يضمّ سوقًا شعبية. قالتْ لنا إنها تريد أن تشتري "حلوى المولد"، من أحد مصانع الحلوى، الواقع في حارة متفرّعة من "شارع بنك مصر". ولأوّل مرّة، أدخل مصنعًا للحلوى الشعبية. شاهدنا أنا ومنال، بانبهار، كيف تُصَبُّ الحلوى البيضاء المصهورة في براميل خشبية ضخمة، ومنها إلى قوالب خشبية صغيرة، تأخذ شكل عروس المولد أو الحصان، ثمّ كيف يقوم العُمّال، بعد أن تبرد الحلوى وتتجمّد، بفَصْل القالب الخشبي إلى نصفَيْن؛ فنرى قوالب الحلوى التي تتّخذ إمّا شكل الحصان الشهير وعليه الفارس، وإمّا "عروس المولد" باللون الأبيض، قبل أن يُضاف إليها اللون الوردي الشهير. لازلتُ أذكر رائحة المكان الحارّ، بسبب الأفران، هذا العبق المزيج من روائح العسل الساخن والسُّكَّر وماء الورد. ولم يكن ممكنًا أن أعود للبيت في يوم كهذا بدون علبة "حلاوة المولد"، المُهداة لي من طنط ليلى، والممتلئة بالحُمّصيّة والسِّمْسِميّة والفُولِيّة والمَلْبَن. وكانت أمّي تسعد كثيرًا بهذه اللفتة، وتنتظر أيّ عيد من أعيادنا، لكي تُرسل إليهم معي علبة كحك من صُنع يَدَيْها. طنط ليلى مختلفة في الطريقة التي تتعامل بها مع منال، وتعدّها كصديقة، وليس ابنة فقط. منال أيضًا ناضجة، وغالبًا لا تسلك سلوكًا يسيء لأمّها. أجلس لمدّة ساعة، لأحكي لها حكاية تضايقني عن ماما أو عن معلّمة من المعلّمات، وتُنصِتُ لي، ولا تُظهِر ضيقها أو استخفافها بما أقول. أتمنّى أن تصبح أمّي صديقة لطنط ليلى يومًا. حديث الذكريات زارتْنا "طنط نِسْمة" وابنتها علياء، فانشرح قلبي بمُجرّد رؤيتهما على الباب. فهذه الزيارة من أَحَبِّ الزيارات إلى قلبي. أوّلًا لأنّني أحبّ "طنط نسمة" مثل أمّي. أُحبّ الحكايات التي تتبادلها مع ماما، وهما تستدعيان أيّام طفولتهما ودراستهما في المدرسة. انتقلتْ طنط نسمة بعد زواجها مباشرة للقاهرة، لكن علاقتها بأمّي استمرّت حتّى اليوم. كانتا تحرصان على التّحدّث في الهاتف مرّة كلّ أسبوع على الأقلّ، وحينما تأتي "طنط نسمة" إلى المنصورة، لكي تزور أمّها المريضة وأخواتها في المنصورة كلّعدّة شهور، فلا بدّ أن تمرّ علينا لزيارتنا. هناك علاقة ودّ حميمية جدًّا تجمعني بعلياء، لكننا مختلفَتَاْن. فهي شخصية هادئة ورزينة. لكنّي دائمًا أرى في ملامحها شيئًا فاتنًا. هدوؤها الواضح يخفي غموضًا لفتاة، لديها تجارب في الحياة. بعد وفاة والدتها، لم تعد "طنط نسمة" تشعر بالراحة في بيت العائلة القديم في "سوق الخواجات" المتفرّع من أحد شوارع "السِّكَّة الجديدة"، ولذلك أصبحت تُفضِّل الحضور إلينا للبيات عندنا. كنّا ننام أنا وعلياء على الأرض، ونترك لها سريري خاليًا، بعد انتهاء سهرتها مع أمّي. وحين يدخل بابا، الخجول جدًّا، للبيت بعد انتهاء موعد الصيدلية، التي عمل بها بعد سنوات من الوظيفة الحكومية في التأمين الصّحّيّ. يُحيّيها بمودّة، ويسلّم عليها بأدب، ويجلس معهما لعدّة دقائق، يتحدّث خلالها مع طنط نسمة بتكلُّف عجيب، ثمّ يدخل لغرفة النوم فورًا. وحضرتْ طنط كارمن، التي تسكن قريبًا منّا في توريل، بمُجرّد معرفتها بوجود طنط نسمة عندنا، ثالثتهما في صداقة الطفولة والدراسة. كلّما رأيتُ "طنط كارمن" أتذكّر ابنها "باسم" فورًا. كنتُ أراه وسيمًا؛ بشَعْره الأسود الناعم الكثيف. أعجبتُ به من أوّل نظرة، لكنه كان خجولًاجدًّا، ولم يُبدِ اهتمامه بي، لا في الكنيسة، أو في أيّ مناسبة اجتماعية، جمعتْ بيننا، أرى في عينَي "باسم"، ببراءتهما، وملامحه المتناسقة، صورة الفتى الذي يعزل نفسه عن البشر، ليعيشَ في عالم، يخصّه وحده. يشبه شخصيات الكارتون الذكية، الذي يعيش طفولته وحيدًا، ويتفوّق في دراسته. واحد من أولئك الشباب الذين يمكن الرهان بسهولة أن الأمر سينتهي به طبيبًا مرموقًا في أمريكا أو أوروبا. اصطحبت طنط كارمن، بالإضافة إلى ابنتها كاترين، نادين؛ ابنة أخيها الذي أسلم، لكي يتزوّج من زوجته المسلمة. مثلّت العلاقة المختلطة في عائلة طنط كارمن، سببًامستمرًّا لدهشتي وفضولي. فنادين مسلمة، وكاترين ابنة عمّتها مسيحية. أمرٌ مدهش ولافت. وكان الفضول سيقتلني لأعرف كيف تتعامل العائلة مع الاختلافات التي تفرضها زوجة عمّهم أو خالهم المسلمة؟ وأحيانًا كنتُأفكّر هل يمكن أن تتزوّج نادية من ابن عمتّها "باسم" لو وقعتْ في غرامه؟ كنتُ ألتقي بكاترين في الكنيسة أيّام الأحد، ولأنها أكبر منّي عمرًا، عادة ما نكتفي بالتحية العابرة. جلسنا مع ماما وطنط كارمن وطنط نسمة، نحن الفتيات الأربع، وضحكنا على قفشاتهنّ؛ التي كان بعضها فاحشًا، وبينما نحاول كَتْم ضحكاتنا التي تنفلت منّا، تفضح حُمرة وجوهنا إثارتنا. صديقات ماما ينطقنَ اسمها بشكل سليم، "جورجيت"؛ بالجيم المعطّشة، بعكس الكثير من أهلنا حين ينادونها "مدام جورجيت" بالجيم المصرية الخفيفة، أمّا السّيّدات البسيطات اللاتي يأتينَ لمساعدتها في تنظيف البيت أو تسييح السمنة، فينادينَها ب"السّتّ أمّ كريسيتن"، ويبدو أننا اعتدْنا ذلك؛ لأني فُوجئتُ واندهشتُ عندما لاحظتُ أن طنط نسمة تنطق اسمها، كما ينبغي أن يُنطَق، بالجيم المعطّشة. انسحبْنا إلى غرفتي، لنتبادل الحكايات عن المنصورةوالقاهرة، وعن صديقاتنا ومعلّماتنا في المدارس، مع موضوعنا المفضَّل طبعًا: قصص الغرام والحبّ. وكانت علياء، رغم تحفُّظها، وصمتها أغلب الوقت المصحوب بابتسامة جميلة، تتدخّل في الحديث تعقيبًا على حكايات كاترين بنكتة، فأضحك، ليس لأن النكتة مُضحِكَة، بقَدر ما يعود للطريقة التي تُلقيها بها علياء، وبالمفاجأة التي يُحدِثها تحوُّلها من الصمت إلى المرح الساخر فجأة. اقترحَتْ "كاترين" أو "كاتي" كما نُدلّلها، أن نذهب إلى النادي الاجتماعي الموجود داخل أسوار المجمع المعروف باسم "استاد المنصورة"، الذي كان يمثّل مقرّ "نادي المنصورة"، علمًا بأن رامي أخبرني أن نادي المنصورة الأساسي الذي يتدرّب فيه الفريق هو "نادي الشعب" في شارع بورسعيد. بصراحة لم أحبّ أجواء النادي الاجتماعي أبدًا، فالفتيات اللائي أصادفهنّ هناك متأنقّات أكثر ممّا ينبغي، وأغلبهنّ يرتدينَ أزياء تُناسب سهرات "سواريه"، وليس مُجرّد خروجة عائلية في نادٍ، يتجمع فيه الأصدقاء أو الصديقات أو حتّى العائلات. ولم أفهم هل يقمنَ بالتّأنق المبالغ فيه لِلَفْتْ انتباه شباب العائلات الثرية في المنصورة ممّنْ كانوا يتردّدون على المكان للسبب نفسه؟ أم أنهنّ يتبارينَ في الاستعراض على بعضهنّالبعض. وفي الأحوالكلّها، لم تكن هذه الأجواء المُفتَعَلَة تناسبني. ابتسمتْ نادين، وقالتْ، بسخرية، إن النادي الاجتماعي في المنصورة فعلًا يثير غثيانها، لأنه مكان مُتكلّف. قالتْ إنها من روّاد "نادي الجزيرة" في القاهرة، حيث تسكن في حيّ الزمالك، منذ عودتها من الكويت مع أهلها وهي في العاشرة من عمرها. أمّا كاترين، فعلّقت ضاحكة: -"يا ستّي، انتوا بلدكم كبيرة، إحنا حتّى النادي بتاعنا مالقوش مكان يحطّوا فيه السجن إلا قُدّامه تمامًا"! وأبدتْ نادين دهشتها ونحن نضحك، فأخبرتْها كاترين بأن "سجن المنصورة" بالفعل موجود مباشرة أمام الاستاد. أستدعي ضحكات أمّي مع طنط كاترين وطنط نسمة، وأتخيّل كيف كانت مصر زمان مجتمعًا متسامحًا حقيقيًا، لم يكن فيه أحد مشغولًا بدِين الآخرين، ولا مشغولًا بالسخافات التي يتبادلها الطرفان الآن، وكأننا أصبحنا شعبَيْن، نعيش في بلدٍ واحد، ولسنا جميعًا مصريّيْن. ما يُبهرني في فكرة الرهبنة ما استمعتُ له من كلام بعض الراهبات، اللائي تعرّفتُإليهنّ، عن التسامح مع الأديانكلّها. المتديّن فعلًا يكون محبًّا للناس كلّها. أيضًا كنتُ سمعتُ أن كثيرًا من الأديرة تضمّ راهبات، أتينَ من بلاد أخرى في أوروبا وإفريقيا، وبدت بالنسبة لي معلومة مدهشة وغريبة، تُزيد من رغبتي في تحقيق حلمي المقموع بالرهبنة. مملكة التناقضات لم أكتبْ شيئًا هنا منذ فترة طويلة. لم يعد لديّ وقت. وأحيانًا لا أجد معنى لكتابة شيء هنا. كنتُ خطّطتُ لكتابة يومياتي وخواطري، لأفهم نفسي، لكنّي كلّ يوم أشعر بأنني أبعد ما أكون عن ذلك. كريستين جورج فَلْتَس، من تكون؟ وماذا تريد؟ بصراحة لم أعد أعرف. مرّ وقتٌ طويل كما تبيّنتُ الآن منذ كتبتُ آخر مرّة. "زهقانة" من كلّ شيء. تسيطر عليَّ حالة مَلَل رهيبة. أذهب كلّ يوم أحد إلى "كنيسة السّيّدة العذراء" في توريل، من أجل "دروس الأحد" و"صلاة القُدّاس"، وبعد انتهاء هذا كلّه، أصبح هدفًا مكشوفًا للشباب الذين يتردّد الكثير منهم على الكنيسة للبحث عن عروس. وبعد القُدّاس، حيث نخرج لفناء الكنيسة، أجدهم يقتربون، ويتسلّلون إلى مجموعتنا، كأنهم توقّفوا بجوارنا بالصدفة، وسرعان ما أجد من بينهم شبابًا، يقفزون أمامي بلا سابق إنذار، بسؤالٍ ساذج أو سخيف، حسب الشخص. وبصراحة كنتُ ألاحظ تفاهة الكثير منهم، باستثناء "باسم" طبعًا، الذي، وعلى عكس الآخرين، لم يقترب منّي أبدًا، مع الأسف الشديد. ولذلك لم أتحمّس للرحلات التي تُوفّرها الكنيسة، لكنّي فقط كنتُ أتطوّع للأعمال الخيرية. لم أفكّر في الزواج بهذه الطريقة، رغم كلّ ما يُقال عن الفرص المتاحة والأكثر أمنًا للتّعرّف على شباب في لقاءات الكنيسة. هناك فترة فكرّتُ فيها أن أُحرّر نفسي من قوانيني الشخصية، وأمنح الفرصة لأيّ شخص يتودّد لي، خصوصًا بعد معرفتي ب "سالي"، حين اشتركْنا معًا في أحد الأعمال الخيرية التابعة للكنيسة. أخبرتْني في رغبتها بالرهبنة. لكن الكاهن أكّد عليها ألا تفكّر في الأمر قبل أن يتقدّم لها عريس على الأقلّ، لأن الرهبنة ليستْ هروبًا من الحياة، ولكي يتأكّدوا من أنها مرّت بتجارب الحياة الطبيعيةكلّها، واختبرتْها، لكي تتأكّد من رغبتها في زهد ذلككلّه. وكلّما فكّرتُ في الأمر بهذا الشكل، أقول لنفسي: – "طيّب"، لنرى. أتأمّل الشباب، لعلّني أجد من بينهم مَنْ يصلح حتّى لمشروع نصف إكليل فاشل. ثمّ بمُجرّد إحساسي بجدّيّتي في تنفيذ الفكرة، أنفر منها بسرعة. فكرة "الجيتو" الدِّيني، مهما كنتُ متديّنة، مزعجة جدًّا بالنسبة لي. والكارثة إني لاحظتُ قبول الجيل الجديد الأصغر عمرًا، لفكرة "الجيتو" ربّما أكثر بكثير من جيلنا نحن. غالبيّتهم اليوم لا يصادقون إلا مسيحيّيْن. وخصوصًا مَنْ كانوا في مدارس الرهبان والراهبات. في مدرستي "العائلة المقدّسة" لم نكن نشعر بالفرق أو الاختلاف بيننا وبين المسلمات أبدًا. حتّى الراهبات لم يكن يُفرّقنَ بيننا. واليوم حتّى الجيل الجديد من المسلمين أصبحوا، هم كذلك، لا يقبلون بوجود مسيحيّيْن بينهم، كما يقول لي رامي. أخبرني عماد أنه كان يشعر بعكس ذلك في "مدرسة العناية الإلهية"؛ المدرسة الابتدائية التي التحق بها في "حيّ المختلط"، فقد كان يشعر بالتمييز بين الأطفال المسلمين القليلين الذين كانوا يدرسون في المدرسة، بالمقارنة مع أقرانهم المسيحيّيْن. سألتُهُ عن الوقائع، فأوضح لي نقله المقولة عن زميله "أحمد"؛ لأنه كان يضطرّ للنداء على الكاهن باسم "أبونا" كما نفعل. ولكني قلتُ له إنني لستُ مقتنعة بما يقول. قلتُ له: "أحمد صاحبك ده شكله بيبالغ". فهزّ رأسه بلا اكتراث. كان عماد مثاليًا، لدرجة لا يمكنه معها التّورّط في الكلام عن أيّ شخص في غير حضوره بالخير أو الشّرّ. وربّما بسبب نفوري من ال "جيتوهات"، أشعر بالارتياح الشديد مع "جولي". فبرغم كونها مسلمة وفق ديانة والدها، لكنها شخصية غريبة، لا تهتمّ بفكرة الدِّين نهائيًا. وتستبدل بهفكرة الضمير. رُبّما بسبب نشأتها بين أبٍ مُسلم وأم مسيحية. تعرف عن الديانَتَيْن قَدْرًا لا بأس به، وتقول إنها أخذت منهما المشتركات: احترام الآخر، والالتزام بقِيَم الخير والحقّ. أوضحتْ لي أنها ترتاح لي أيضًا، وراحتْ تحكي لي قصصها العاطفية بلا تحفُّظ. حَكَتْ لي قليلًا عن جلال، جارهم الأسمر اللطيف، وعن إعجابها بشخصيّته، لكنها استدركتْ موضّحة أنّها لا تأخذ هذه الأمور بجدّيّة. فهي تعرف أنّها عاجلًا أو آجلًا ستسافر لألمانيا، وتعيش بها. وعندما أبتسم لها بخبث، تقول: – لن أنتظرَحتّى أذهب لألمانيا، لأعرف ما هو الحبّ، يا كريستين. – عمومًا هذا أفضل ل "بَسَنْت". ضحكتْ جولي، لأنها كانت تعرف بغرام "بسنت" الفاضح بجلال، وأنها لا تطيق جولي لهذا السبب. جولي أيضًا من القليلات اللائي امتلكنَ درّاجة "سبورت" حديثة الطراز، وكانت تنزل إلى الشارع، لتقودها، بين راكبي الدرّاجات الشباب. كانت تلك الفترة تبدو لنا الآن بعيدة، حين كنّا شلّة جيران، أعمارنا بين العاشرة وحتّى الثالثة عشر تقريبًا. رامي وجلال وجولي وعماد وعلي وبَسَنْت، وأنا معهم، وآخرون. حين كنّا نلعب ألعاب الشارع: "المنديل"، و"الأفلام"، و"صيّاد الحمام"، وأحيانًا نلعب في "حوش" البناية ألعابًا بالكرة. ولم يكن خافيًا علينا نحن الفتيات لعب بعض الفتيان أو الشباب معنا فقط لمحاولة التّحرّش بالبنات. لكن البعض منهم كانوا محترمين، مثل رامي وعماد. وكنّا نتجمّع في حوش عمارتنا، لنثرثر ونضحك، أو لنلعب الورق أو "بنك الحظّ". انتهى هذا كلّه الآن.. وكبرنا. هل نطقتُ بكلمة "كبرنا" بطريقة تمثيلية؟ جولي انفرطتْ في الضحك وهي تقول لي: نعم، وصلنا الخمسين! ضحكتُ بإحراج أوّلًا، ثمّ صعقتْني حالة ضحك هيستيري عندما بدأتْ جولي في تقليد الطريقة التي أتحدّث بها. تعجبني شخصية جولي القوية، فعندما أحسّتْ أن علاقتها بجلال مُجرّد عَبَث طفولي، أنهت العلاقة فورًا وبحسمٍ شديد. أوضحتْ له أنهما في مرحلة جديدة من حياتهما، ولا بدّ لما بدأ في الطفولة أن ينتهي في الوقت المناسب. لكنّي، على العكس، لم أتمكّن أبدًا من تحديد ما أريده بدقّة. حين صرّح لي رامي بمشاعره، رفضتُ في البداية. قلتُ له ما معنى علاقة لن يُكتَب لها الاستمرار، وسوف تكون مثار غضب أهالينا. لكنه قال لي كلامًا عجيبًا عن الحبّ الذي لا دِين له، والمشاعر التي لا تعترف بالاختلافات. وفي عروقنا يجري دم بلا دِين. – طيّب، طيّب. قلتُ له. وأضفتُ: – وأنا شخصيًّا أعرف هذاكلّه، لكنْ، هل يعرفه أبي وخالي موريس الذي لا حديث له إلا عن خطف البنات المسيحيات في القرى، والكلام عن المشاكل التي يُسبّبها المسلمون لجيرانهم المسيحيّيْن؟ طيّب. حتّى لو افترضنا أن خالي موريس متطرّف، فهل تعرف هذا الكلام العظيم عن التسامح نصف عائلتكَ، يا رامي؟ أخبرني فقط عن ردود فعل خالتكَ "طنط دُرّيّة" مثلًا، أو خالكَ "عمّو محسن"؟ لكنه لم ييأسْ. قال إنه يُحبّني، ولا يتصوّر الحياة من دوني. ولا يُصدِّق في الاختلافات بين البشر، بسبب الدِّين أو العقائد. قال إنه ليس مستعدًّا لخسارة حبّ حياته، بسبب أوهام المتخلّفين، وصدّقتُهُ. فقد رأيتُ ما يقوله في بريق عينَيْه، وسمعتُ صوته متحمّسًا وصادقًا. رامي أيضًا صاحب شخصية قوية جدًّا، ومغامر، وصارم، ويبدو قاسيًا، لا يجيد التعبير عن مشاعره، ولكن طريقته العاطفية في الكلام معي جعلتْ شيئًا في قلبي يرقص لكلماته. وحين يرقص قلبي من شدّة الغرام، أفكّر في صديقاتي. في قصص حبّهنّ التي أعرف جيّدًا. ولم تُحيّرني إلا جاكلين في مشاعرها العاطفية. فهي تعرف جيّدًا ما تريد، رغم رقّتها الشديدة وطريقتها الناعمة، مثلها في ذلك مثل جولي. لا تسمح لسيطرة مشاعرها على أفكارها. تقول: قلوبنا خُلقتْ، لكي تلعب بنا. لكنْ، لو استخدمنا عقولنا، فسوف نلعب نحن في النهاية اللعبة الحلوة. بصراحة، هناك عشرات من الشباب الذين عرفتُهُم في الكنيسة، لم أشعر تجاههم بأيّ مشاعر، بعضهم مثل إخوتي. وكانوا يعرضون مساعداتهم لنا أنا وأمّي، بإيعاز من أمّهاتهم اللائي كنّ يطلبنَ منهم المرور علينا، لسؤال أمّي إذا كانت تحتاج إلى شيء من البقالة؟ أو خبز من الفرن؟ وبعضهم يصحبونني للدروس. لكنهم جميعًا لم يصلوا لقلبي، بعكس رامي، الذي حرَّكَ مشاعري، بشكل غريب. أسمع قلبي في الليل، لأني أُصدِّقه وهو يقول لي إن الحبّ لا يعرفه الإنسان في حياته إلا بالصدفة، وبالحظّ، وقد يمرّ عليه، ولا يعرف بوجوده، فيفقده للأبد. كلّما جاءت سيرة الحبّأتذكّر جاكلين. هل ستكون سعيدة حقًا، لأنها تزوّجت مبكّرًا، قبل الانتهاء من دراستها الجامعية، لكي تعيش في أمريكا؟ ربّما ستُعوِّضها أمريكا عن الحبّ، وعن تعب الأمومة وتضحياتها، وسوف يحصل أولادها على الجنسية الأمريكية بالتأكيد، كما ستصبح هي أيضًا أمريكية بالضرورة، وبكلّ ما يعنيه ذلك من ضمانات لها ومستقبل أولادها. لكنْ، هل ستُعوِّضني المنصورة شيئًا؟ دائمًا أتمزّق بين أشياء بعيدة عن بعضها البعض. أتوق للرهبنة، والآن أترك نفسي لأقع في غرام مسلم. أحبّ جاكلين جدًّا، وأعدّها صديقة عمري، بينما أنتقد سلوكها العملي المبالغ فيه. أحبّ أبي جدًّا، وأشعر به كصديق. يحاول دائمًا تعويضي عن الإحساس بالوحدة، من دون إخوة أو أخوات. لم أشعر أنه متسلّط، كما أعرف عن الكثير من صديقاتي اللائي يعانينَ في علاقاتهنّ بآبائهنّ. كان دمثًا ولطيفًا جدًّا، على عكس أمّي التي تبدو أكثر صرامة، ومع ذلك أُناكفُها وأُناوشُها باستمرار. وبالرغم من ذلك، أشعر أنه بعيد جدًّاعنّي، ولا يمكنه أن يفهمني. أحيانًا أرى نفسي كنصف شيطانة ونصف ملاك. لا أعرف مَنْ أنا، وماذا أريد. أقول إنني أبحث عن الحقيقة، فأقرأ "الكتاب المقدّس"، وسيرة الرُّسُل والقدّيسين، وأحصل على العِبَر. لكن شيئًا في قلبي يُحدِّثني بأن الحقيقة ليستْكلّها هنا. ولا في مكان آخر. رامي يقول لي إني يجب أن أقرأ كُتُبًا علمانية: روايات، وكُتُبًا علمية وفكرية. يقول: قراءة الأديان وحدها لا تجعلنا نفكّر بشكل منطقي وعقلاني. وأنا أُصدِّقه. أحتاج فقط إلى وضع خطط للقراءة. ليالي رأس البرّ لن أبالغ إذا قلتُ إن رامي أخبرني أكثر من ألف مرّة إني أعيش في صوبة مَحميّة آمنة، ولا أعرف شيئًا عن العالم الحقيقي، ولا أعرف عن المنصورة نفسها، التي عشتُ بها حياتيكلّها حتّى الآن، شيئًا. ربّما معه حقّ. ولم يكن الأمر بيدي. فتيات الطبقة الوسطى في المنصورة كلهنّ تقريبًا يعشنَ المأساةنفسها. فالمجتمع الذُّكُوري من حولنا يمنعنا من الذهاب إلى السينما مثلًا، كما لم يكن ممكنًا أن نتمشّى وحدنا في أماكن كثيرة. يُعدّد رامي ساخرًا حدود حركتي في المنصورة، التي لا تزيد عن دائرة توريل، حيث نسكن، أو عبورًا للجهة الأخرى من "مبنى المحافظة"، إلى حيّ "المُختَلَط"، حيث تقع مدرستي، أو بيوت بعض العائلات من أصدقاء ماما الذين نزورهم. وحتّىحيّ "الحسينية"، على جانبَي "شارع حسين بك"، الذي تنتشر ورش الحِرَفِيّيْن على جانبَيْه، حيث يسكن خالي موريس، لم نكن نذهب إليه إلا نادرًا، وأقصى ما يمكن أن نذهب إليه لا يتجاوز زيارة الدَّيْر وكنيسة "مار جرجس" في شارع بورسعيد، أو شارع "السِّكَّة الجديدة" لشراء حذاء جديد أو فستان لي أو لماما. وكنتُ أقول له إنني لا أهتمّ بالمناطق الشعبية التي يتردّد عليها. أقول له: وماذا سأستفيد إذا عرفتُ "عزبة الشال"، أو "شارع السلخانة" أو "سوق الجُملة" و"المَجزَر الآلي"، حتّى "شارع محمّد فتحي"؟ أو "شارع المديرية"؟ ماذا سيتغيّر في حياتي إذا تعرّفتُ على خرابة من الخرابات التي تتعاطون فيها الحشيش، يا رامي؟ ما هو الشيء العظيم الذي سيفوتني رؤيته في "قولونجيل" مثلًا؟ ماذا سيفوتني إذا ما عشتُ حياتي كلّها من دون أن أرى "شارع صيام"؟ يعني في النهاية ليس شارع "الشانزليزيه". ويأخذ في الضحك، ويقول: – لا،طبعًا، فاتِكْ كتير، يا بنتي ده أجمل عوالم وراقصات المنصورة كانوا عايشين في الشارع ده. أُكوِّر قبضة يدي كأنني سألكمه، فيبتعد ضاحكًا. وأُذكّره بأن المقاهيكلّها التي يتردّد عليها لا تجلس إليها البنات. المقاهيكلّها لا تضمّ إلا الشباب، والكهول، عالم الرجال. فأين نذهب نحن؟ مع ذلك، كنّا نتردّد على المَشّاية العُلوية ل"هابي لاند" الذي كان منتزهًا عائليًا، نذهب إليه أحيانًا مع ماما وصديقاتها. ومن "المَشّاية" العُلوية نهبط، لنصل إلى كوبري القطار إلى حيّ "طلخا"، في الجهة الأخرى من النهر، الأكثر هدوءًا، خصوصًا منطقة الحيّ السَّكَني الذي يضمّ بيوت الموظّفين والعاملين في "مصنع السماد"، الذي يمتلئ بالعمارات الأنيقة والأشجار. وأحيانًا، واغتنامًا لفرصة وجود "عماد" معنا، نتمشّى بمحاذاة النيل من مبنى المحافظة وحتّى "كازينو النيل"، الذي يبعد عن كوبري طلخا المخصّص للسّيّارات عدّة خطوات، ونعود مشيًا. بل إننا ذهبنا في شلّة كبيرة ومعنا نادية مرّة إلى مطعم "وِمْبي" حين افتُتح لأوّلمرّة أمام الجامعة. حياتنا في المنصورة، أغلبها تقوم على الزيارات المنزلية. فقُرب البيوت من بعضها يجعل الزيارات العائلية اليومية أمرًا طبيعيًا. وكذلك زيارات البنات لبعضهنّ البعض. أغلب أفراد عائلة ماما يعشنَ في توريل والمختلط، أو السِّكَّة الجديدة. وأحيانًا تقرّر الأمّهات الذهاب ل "نادي التجديف" المُطلّ على النيل مباشرة، في طلخا، وعادة ما كنّا نكتشف أن تلك اللقاءات غالبًا ما تكون خطّة من الأمّهات ل"لقاء صدفة" بين واحدة من البنات مع شابّ، يعرف الجميع أنه مشروع عريس، بحيث يتعرّف الفتى والفتاة على بعضهما بشكل ما. أمّا الحُرّيّة الحقيقية بالنسبة لي، فتتمثّل في "رأس البرّ"، المَصيف المعتمد لأغلب أهل المنصورة، رغم قُربها من دمياط، وبالذات لمَنْ كانوا لا يحبّون أو يُفضِّلون مصيف "جمصة" مثل عائلة بابا وماما. لم يكن مسموحًا لنا السباحة في البحر إلا في الصباح الباكر، تقريبًا منذ وصلنا مرحلة البلوغ، بالأحرى منذ تشكّلتْ أجسادنا، وأصبحت في نظر أهالينا والمجتمع "مثيرة". في المقابل، هناك خروجات يومية للشاطئ، حيث نقضي طول النهار في مرح وتمشية ورياضة، واستمتاع بالهواء، والآيس كريم، وحتّى مغازلة الشباب لنا من بعيد لبعيد. ومساء بإمكاننا الذهاب إلى "شارع النيل" لنتمشّى أو للجلوس على أحد الكازينوهات، وتناول الكُشَري في المطعم المزدحم باستمرار، أو الوصول حتّى إلى "منطقة اللسان" في نهاية شارع النيل، والاقتراب من الأمواج التي تضرب الصخر بقوّة، ومراقبة النقطة المائية العجيبة التي يلتقي فيها نهاية مصبّ نهر النيل مع البحر المتوسّط. وأحيانًا نذهب إلى "السوق الكبير" لتناول الفطائر الدمياطية الشهيرة، ثمّ نتجمّع في مقهى من المقاهي، حيث يلعب الشباب النرد، ونحن نتابعهم، بينما نتناول الشاي بالحليب الشهير في مقاهي رأس البرّ، أو أيّ مشروبات أخرى، أو نستغرق أنا وكاترين ابنة خالتي في حكايات النميمة التي تشغلنا. كان مسموحًا لنا في "رأس البرّ" الخروج، كبنات، بمفردنا، فأبناء وبنات خالاتي غالبًا ما يشاركوننا فترة المصيف كلّها تقريبًا، فنخرج معًا، ونتمشّى، ونمزح ونضحك، ونلعب، وأحيانًا لنسهر على شاطئ البحر حتّى الفجر. كانت مدينة آمنة، وخفيفة، والجميع فيها غير متكلّفين. وهذه البساطة مثلّتْ لنا سرّ جاذبية رأس البرّ باستمرار، وغوايتها. وعندما كبرنا وتجاوزنا مرحلة المراهقة، كنّا نذهب إلى "كازينو الدولفين"، الذي اعتدْنا الذهاب فيه لمشاهدة والاستماع إلى فرقة غنائية من المنصورة، يغنّون فقط أُغنيّات أجنبية راقصة ورومانسية. وكنّا نرقص على أُغنيّات ال"روك آندرول" وال"ديسكو"، حيث يحاول الشباب تقليد رقصات "جون ترافولتا"، ونحاول نحن تقليد "أوليفيا نيوتن جون"، بينما أعيننا لا تنزل من على مطرب الفرقة الوسيم، أو الجيتاريست، صاحب الشَّعْر الأشقر، الشارد باستمرار، والذي لا يغنّي إلا أُغنيّة واحدة هي "I'm Leaving on a Jet plane"لجون دينيفر. وكنتُ أبكي كلّما سمعتُها! رامي كان يحكي لي أنه حضر أيّامًا، مع خاله محسن قبل أن يتديّن، كان يتردّد فيها على ملهى، يقع على البحر مباشرة في "شارع 51″، اسمه "الفواييه". كانت ليالي رأس البرّ تعني لنا الحُرّيّة، وصوت الموج، ونسيم البحر البارد ليلًا في عزّ يوليو وأغسطس، وأكل الفطاير الدمياطية و"المحلب"، والآيس كريم، والبساطة والضحك من القلب، وراحة البال، وتجمّع العائلة من الأجيالكلّهم، وموسم انتظار شباك صيّادي طيور "السّمّان" في سبتمبر التي تُوضَع قريبًا من الشواطئ لاصطياد الطيور الهالكة من إرهاق رحلة هجرتها الطويلة، وحكايات الغرام الصيفية، ولذلك كنّا نتذكّرها طول السنة، وننتظرها أيضًا بترقّب بمُجرّد انتهاء فترة الامتحانات. في رأس البرّ، لم تكن هناك محظورات. ملاكي الحارس! مرّ أكثر من شهرَيْن وأنا أحاول استيعاب موت عماد. حتّىطَوَال فترة مرضه، كنتُ أُردّد أنها محنة، وسوف تمرّ، واثقة من يقيني في حنان الرّبّ."حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ هُوَ الرَّبُّ".(سِفْر المزامير 111: 4). يقيني في رحمة الرّبّ كان يجعلني على ثقة بابتعاد روح عماد عن ملاك الموت. لكني عدتُ أقول، باليقين نفسه، ربّما يكون في موته رحمة له. عماد الذي كلّما رأيتُهُ يراودني الشعور بنسمة هواء خفيفة تمرّ على المكان. لم أعرف شخصًا في أخلاقه الرفيعة، وطيبة قلبه وتواضعه. قلتُلعلّه من الأبرار الذين سينعمون بالحياة الأبدية، فبعد عودة جسده للتراب، ستذهب روحه إلى السماء. لكنْ، عندما سمعتُ خبر موته، أخذتُ أصرخ كالمجنونة من شدّة المفاجأة، ناسية الأفكاركلّها التي أُعزّي بها نفسي. مات، وتركنا جميعًا في هذه الحيرة والألم. ألم فقدانه، وألم التفكير في الحياة وما بعد الحياة. تركنا لمشاعر غريبة. مزيج من الخوف، والدهشة والألم والرعب. نظنّ الموت بعيدًا عنّا. ونعدّ أنفسنا شبابًا، لم نعش الحياة، ولم نعرفها بعد، ونَعِد أنفسنا بحياة ممتلئة بالأمل والأحلام. لكننا رأينا الموت قريبًا جدًّا، أقرب ممّا نتخيّل، وشبحه مختبئ حولنا، حيث لا نتوقّع، يمكنه اختطاف مَنْ لا نتخيّل في لحظة. استعدتُ أوقاتنا الجميلةكلّها معًا، وبالذات، الشهور الأخيرة، التي سبقتْ مرضه الغامض، الذي التهمه ونحن لا نملك شيئًا لنفعله. آه، يا قلبي. يا حبيبي، يا عماد، لا أستطيع محو لحظات غياب جسده في التابوت ودفنه من خيالي. هذا المشهد يحطّم قلبي. ظلّت الأسئلة عن مآل روحه، وإذا ما كان يشعر بنا أو يرانا تجعلني أجنّ، خصوصًاكلّما تذكّرتُ محاولات طنط رجاء، أمّ عماد، السيطرة على بكائها، ومنظر عمّي رؤوف، وهو يبدو كأنما كبر في العمر عشرين عامًا في تلك اللحظات. وكنّا جميعًا، شبابًا وبنات "شلّة توريل" نقف أمام المقبرة والحزن الذي لم أعرف ملامحه على هذه الوجوه ينحفر عليها جميعًا بقوّة. جولي وضعتْ نظّارة سوداء، ووقفتْ تنشج في صمت، لكنها، بعد لحظات، خلعت النظّارة، ورأيتُ عينَيْها الحمراوَيْن، ثمّ بدأتْ تقول بصوت مرتجف "مش قادرة أصدِّق.. مش قادرة.. يا حبيبي، يا عماد"، ثمّ أجهشتْ، وأخذتُها في حضني، وكأنني وجدتُ فرصتي لكي أبكي البكاء المُرّ الذي لم أبكِ أحدًا به من قبل. كان عماد هو الذي يعرف تفاصيل علاقتنا أنا ورامي. ولهذا كنّا نفضِّل أن نتمشّى ونخرج معًا في الفترة الأخيرة. خصوصًا بعد الدروس الخصوصية، فقد كان عماد وجولي لهما تأثير السِّحْر على بابا وماما، بالإضافة إلى أن عمّي رؤوف وطنط رجاء كانا يعرفان ماما وبابا من الكنيسة. فإذا مرّ أيّ منهما عليّ لاصطحابي للدروس لا يمانعان. كانا يثقان فيهما ثقة عمياء، خصوصًا وأن أبي مشغول في الصيدلية باستمرار، وأمّي لا تريد إحراجي بأن توصلني بنفسها للدرس. اعترف عماد لي مرّة بحبّه لنادية؛ توأم رامي. ولم أعرف ماذا أقول له. كانت نادية بعيدة عنّا بشكل ما. ومشغولة بدراستها بشكل يقترب من المرض. وطبعًا حتّى الفكرة لا يمكن أن تخطر على بالها. فمن معرفتي بها من خلال ما يحكيه رامي، إنها حتّى لو أُعجبتْ به، فلن يمكنها التساهل مع مشاعرها. فكرة الدِّين بالنسبة لها، كانت خطًّا أحمر، لا يمكن تجاوزه حتّى لو بمغامرة عاطفية. لم أشعر أنها مثل رامي الذي كان منخرطًا في حياتنا، والذي كثيرًا ما حدّثني برغبته في زيارة القُدّاس معنا، حريصًا على مشاركتنا ليالي الأعياد، خصوصًا في "أحد السعف"، بعد الخروج من الكنيسة. ولا يتردّد في الذهاب معي للكنيسة، لنُشعل شموعًا من أجل عماد، كما فعل عندما رافقني مرّة بعدما انتشر خبر تجلّي ستّنا "العدرا" في إحدى الكنائس. تذكّرتُ هذه اللحظات التي كان عماد يتحدّث فيها إليَّ كاشفًا السّرّ الذي يدفنه في صدره؛ عن حبّه لنادية أكثر من مرّة. وشعرتُ بالألم يكاد يمزّق قلبي، وتَتَرَقْرَق الدموع في عينَي. تذكّرتُ صورة بكاء خالته "طنط تيريزا" على شبابه الضائع. كانت تبكي بحرقة، جعلت الكثيرين يظنّون أنها هي أمّه. لم أقعْ في غرام عماد لإحساسي به كأخ منذ صغرنا. لم يمرّ علينا عيد إلا وهو معي. الذهاب للدروس، والعودة منها. كان ملاكي الحارس الحقيقي. حتّى المرّة التي تَشجّع فيها، وباح لي، ونحن أصغر عمرًا، بحبّه، واقترب منّي في بيت الطيور في "حديقة الحيوان"، تردّدتُ أوّلًا، ثمّ اقتربتُ منه، وقبّلتُهُ في شَفَتَيْه، لكني لم أشعر بالحرارة التي كنتُ أسمع عنها. ربّما تأثّرتُ بشَفَتَيْه الرطبَتَيْن ومَلمَسهما على شَفَتَيّ، وبحُمرة وجهه في تلك اللحظة، وفي إحساسي بأننا نفعل شيئًا سرِّيًّا. لكنْ، بعد أيّام قليلة أخبرتُهُ أنني أحبّه فعلًا، ولكنْ، كأخ وكصديق مقرّب جدًّا، إن لم يكن الأقرب على الإطلاق. أمّا الآن، فماذا سأفعل؟ ما معنى أن أعيش علاقة حبّ أساسًا؛ مع رامي أو أيّ شخص آخر، وعماد في عالم آخر؟ هل هناك جدوى من الإحساس بالسعادة وشخص مثل الملاك مثله قد اختفى من حياتي للأبد؟ ما معنى الحياة كلّها؟ سأذهب إلى الدَّيْر هذه المرّة، ولن تمنعني أيّقوّة عن ذلك. سأكون متدرّبة لأربع سنوات، ألا تكفيهم أربع سنوات حتّى يُصدِّقوا أنني مُؤهّلة لحياة الرهبنة؟ لا بدّ من التّسلّح بالعناد اللازم للأمر هذه المرّة، فربّما وجدتُ في الدَّيْر الإجابات عن أسئلتي التي لا إجابة لها. زمنُ الحبّ هل هذا هو الحبّأخيرًا؟ زرتُ رامي اليوم في بيتهم. رأيتُهُ، فخفق قلبي. سنتان تقريبًا، لم أره خلالهما. بدأتْ تلك الحقبة الدرامية بالاكتئاب الشديد المستمرّ لأكثر من ستّة شهور بعد موت عماد، ثمّ في فترة التفكير الجدّيّ في الرهبنة، قبل ذهابي إلى الدَّيْر بالفعل، والذي خرجتُ منه، للأسف، بعد تجربةٍ مؤلمة، لا يمكن أن أُصدِّق حدوثها لي أو لغيري.
أمّي وأبي استقبلا الخبر بمرارةٍ، ولكنْ، بفرحٍ مكتوم أيضًا. لم تكن لأمّي القدرة على تخيُّل حياتها وحيدة للأبد من دوني، وحين تركتُ البيت للذهاب إلى الدَّيْر، بعد اتّخاذ القرار، لم أخبرهما كما هو مُتّبع، اعتمادًا على سبق معرفتهم برغبتي هذه. لم يكن لديّ شكّ في أنها ستنهار حين تعرف بالأمر، ولكني كنتُ أدعو البتول أن تعينها على افتقادي. أخبروني أنني لا يمكن دخولي للدير حتّى كمتدرّبة، وأخبرتْني كبيرة الراهبات أنها تحدَّثتْ مع الكاهن ليقبلوني في خلوة، لا تزيد مدّتها عن شهر. قالت لي أن تلك الفترة رغم قصرها قد لا تكون نفس الدير الذي تقدمت بالطلب للرهبنة فيه، قالت:قد يختار لك دير بعيد تماما، في صحراء الإسكندرية أو حتى في سانت كاترين، ثمّ ابتسمتْ قائلة: – "استحملي انتي بَسْ الشهر ده، يا بنتي". نعم، حدست الراهبة ما سيكون عليه مستقبلي في الدَّيْر الذي اختير لي. ولم أتحمّل بالفعل كما تكهّنتْ هي، لكن السبب كان مختلفًا تمامًاعمّا قدّرتْهُ هي. حين رأتْني أمّي أمامها في البيت، أخيرًا، كاد أن يُغشَى عليها. رأيتُ على ملامح وجهها تعبيرًا غريبًا. كَمَنْ يرى ابنه بعد غياب الموت! لكنْ، في الوقت نفسه، حاولتْ التماسك، كي لا تكشف عن سعادتها بتخلّي ابنتها عن الرهبنة. فراحتْ تبكي مثل طفلة تتألّم. لم أُخبرها بأيّ تفاصيل، وقلتُ لها باقتضاب: "لم أتحمّل التجربة، اكتشفتُ ضعف قدراتي الروحية، لكي أستكمل حياتي كراهبة". نادتْ على أبي بهلع وهي تقول له: بنتك رجعت، يا جورج. بنتك رجعتْ لنا. خالي موريس طبعًا كان سيُصاب بالجنون، وحاول إقناعي بالعودة للدَّيْر بأيّ شكل. لم أردّ عليه، وتجنّبتُ الكلام معه في الموضوع بشكل حادّ وحاسم. لكن أمّي التي ما صدّقتْ أنني عدتُ إليها أخيرًا، حسمتِ الموقف، وطالبتْهُ بعدم التّدخّل في شؤون حياتنا، فخرج من البيت غاضبًا. وصرختْأمّي بسخرية وغضب: – مساكين بناتك وأولادك، يا موريس، هَتْجَنّنهُم بالشياطين اللي ما حَدِّش شايفهُم غيرك! أمّا أبي، فراح يُربّت على كتفي، ويمسح شَعْري بكفّه، كَمَنْ لا يُصدِّق أنه يراني أمامه أخيرًا. كعادته لم يُعبِّر عن مشاعره إلا بطريقته الهادئة، ووصلَني إحساسه بالسعادة بعودتي للحياة مرّة أخرى. كان عليّ العودة للتركيز في دراستي فقط، وليس في أيّ شيء آخر. راجعتُ مسيرة حياتي وأفكاري خلال السّتّ شهور الماضية، وبعدها وجدتُ صورة رامي تُلحّ على ذهني بشكل مستمرّ. أحسستُ بافتقاده، وانتابني شعور قويّ بأن علاقتي به تمثّل الشيء الحقيقي الوحيد الباقي في حياتي. اكتشفتُ أن انفصالنا عن بعضنا قد مرّ عليه الآن أكثر من عام ونصف تقريبًا. وربّما عامَيْن. لم أعد أذكر بالضبط. ابتعدْنا عن بعضنا البعض بسبب الاكتئاب الذي سيطر على حياتنا، والإحساس بالعَبَث واللاجدوى. تجنّب كلٌّمنّا الآخر لفترة حتّى لا نعاني من تذكُّر عماد. لكن الأيّام أخذتْنا، كان موت عماد قاسيًا، لدرجة أنه،تقريبًا، فَصَلَنَا عن أشياء كثيرة في الحياة. مرّتْ أربعة شهور بعد وفاة عماد حتّى تمكّنتُ من دخول الدَّيْر، ثمّ توالت الأحداث.ولكني لم أشعر أنني مستعدّة لرؤيته بعد. كنتُ أشتاق إليه بشكل رهيب، لكني كنتُ أحتاج للمزيد من التّأنّي. عامان يمكن أن يمرّ فيهما الإنسان بخبرات، قد تغيِّر حياته كلّها، ولا شكّ في أنه ليس الشخصنفسه. أنا أيضًا أشعر بأنني لستُ الإنسانةنفسها التي كنتُ عليها قبل الذهاب إلى الدَّيْر. احتجتُ إلى شهرَيْن آخرَيْن حتّى استطعتُ استعادة إيقاع الحياة بعيدًا عن الدَّيْر. وظلّ إحساسي بالاشتياق لرامي كبيرًا. من خلال بعض الصديقات القدامى عرفتُ أنه تديّن، وأطلق لحيته لفترة. وأكّدتْ لي صديقة أنه كان قريبًا جدًّا من جماعة الإخوان المسلمين. وأنه اختفى عقب اغتيال الرئيس السادات. ثمّ بدأ يظهر تدريجيًا. ويبدو أنه ابتعد بعدها عن الجماعات. رأيتُ جولي، فقالتْ لي إنها لم تعد ترى أحدًا من الشّلّة منذ فترة، لكنها تتابع الأخبار من بعيد. وقالتْ لي إنها سمعتْ أن رامي وقع في غرام فتاة يونانية، ولكنها ليستْ متأكّدة من الأخبار. قالتْ لي إنها تستعدّ للسفر لألمانيا قريبًا. اندهشتُجدًّا عندما سمعتُ الأخبار. لم أُصدِّق أن رامي يمكن أن ينضمّ لجماعة متشدّدة يومًا. دعتْني تلك الأخبار للتّريّث. لا أريد أن أبدو مندفعة، وأخشى أن تكون مثل تلك الظروف دافعًا له، لكي يتجنّبني حتّى في المستقبل. عندما أحسستُ بأنني مستعدّة لرؤيته أخيرًا، لم أفكّر في الاتّصال به، بل ذهبتُ لزيارتهم في البيت. وضعتُ يدي على جرس الباب الذي أخذ يُطلق رنينًا متواليًا، يشبه صوت الكروان، وبعد قليل، فُتح الباب، وأطلّ وجه نادية. اقتربتْ منّي بلهفة، واحتضنتْني بشوقٍ ومحبّة. دعتْني للصالون المواجه لباب شقّتهم، ومررتُ بارتباك في ممرّ صغير مفصول عن الشّقّة ب"بارافان" خشبيّ فارسيّ النقوش والرسوم. انتظرتُ قليلًا وأنا أشعر بارتباكٍ شديد، حتّى سمعتُ صوت رامي يرحّب بي، فالتفتُّ إلى باب الصالون، ورأيتُهُ، بمظهره الرجولي الذي أحبّ، ووسامته التي زادتْها في نظري لحية خفيفة، أطلقها بلا مبالغة، وشذّبها جيّدًا. نهضتُ أُسلّم عليه بابتسامة خافتة، وخامرني شعور بسعادة غامرة لرؤيته، وددتُ الارتماء في حضنه. لكني تماسكتُ، بسبب وجود نادية. أمسك يدي، واقترب منّي، وقبّلني. تركتُ له خدّي، بفتور وتحفُّظ، بسبب نادية طبعًا. أحسستُ بكفّه تمسك يدي بقوّة. أحضرَتْ نادية عصيرًا وفاكهة وشايًا، ثمّ تركتْنا بعدها، وهي تقول بارتباك إنها ستنتهي من بعض المهامّ الخاصّة بدراستها، وتعود لنا. كان ينظر لي بابتسامة جميلة، ولاحظتُ شَعْره الطويل الذي انسدل على رقبته، وصفّف مقدّمته في شوشة كبيرة غريبة. لم أرغبْ في الإجابة عن أسئلته عن موضوع الرهبنة والحياة في الدَّيْر وأسباب خروجي منه. رفضتُ التعليق، وأكّدتُ عدم رغبتي في الحديث في الموضوع. سألني إذا كانت لديّ رغبة أن أعرف شيئًا عن تجربته التي مرّ بها حين تديّن وانضمّ للجماعة الإسلامية. لكني أيضًا رفضتُ. قلتُ له إنني لا أريد سماع أيّ شيء عن الأديان. وبُهِتَ وهو يتأمّلني بقلق، وكأنه يحاول تخيُّل ما حدث لي، وجعلني أصل إلى هذه الفكرة، وبهذا العناد. لكني هربتُ بعينَيّ إلى الأرض. بمرور الوقت، ومع إصراره على الحكي عن أحوال بعض أصدقائنا المشتركين، كان هناك إحساس جميل يتسلّل لروحي. نوع من الدفء والاطمئنان، وابتسمتُ لبعض قفشاته. عندما استعدْنا سيرة عماد، انخلع قلبي حين سألني إذا ما كان ذلك يسري أيضًا على زياراتنا المشتركة للدَّيْر لإشعال الشموع لعماد؟ ونزلتْ دموعي وأنا أهزّ رأسي بتصميم وأسى وعناد وقهر. وانهرتُ في البكاء، فأخذني في حضنه، ووجدتُ نفسي أهمس في قلبي. "أنا أحبّ هذا الفتى الطّيّب الحنون". ويبدو أن بكائي لَفَتَ انتباه "عمّي حسين" و"طنط سلوى" أمّ رامي، فجاءا ليُسلّما عليّ بعد تأكّدهما من وجود نادية معنا أنا ورامي. بكيتُ على عماد، لكني أيضًا استدعيتُ تجربتي المؤلمة. فما مررتُ به ليس إلا تجربة ممّا ندعو الرّبّدائمًا أن يجنّبنا، في الصلواتكلّها. لكنها كانت قاسية، ولا يمكن أن تُصدَّق. أفكاري الرومانسيةكلّها تخذلني يومًا بعد آخر، وحتّى الآن وبعد تجربتي الدرامية في الدَّيْر، أصبح بإمكاني القول: ما كان من الممكن التّحمّس له بجنون دفاعًا عن عكسه في الماضي. نعم، ومع الأسف، فحتّى بعض الكَهَنَة قد يصيبهم الضعف، حتّى في داخل الدَّيْر. لكنْ، حين يضع المرء حياته كلّها من أجل فكرة، وسرعان ما تتزعزع بسبب قليلي الإيمان، أو ضعاف النفوس، فيمكن أن تهتزّ ثقة الإنسان، ليس فقط في هذا الشخص أو ذاك، بل فيما هو أبعد من هذا كلّه، وصولًا للعقيدة. أنا الآن ناضجة، وأفهم أن فكرة الضعف الإنساني مقبولة، لكن اختبار تجربة في المكان الذي يثق فيه المرء أنه لا محلّ فيه للضعف البشري، يجعلها فعلًا لا تُصدَّق. كنتُ صغيرة على مثل هذه التجربة. أخبروني أوّلًا باستحالة قبولي كراهبة قبل انتهائي من دراستي، بل وحتّى قبل ممارسة عمل، يُحقّق لي دخلًا. قلتُ لهم سأفعل المستحيل. أخيرًا جاءت الراهبات لإقناعي. قلتُ لها جدي لي حلًا، يا أمّي المباركة، أيّ حلّ. وبعد تفكير عميق،قالتْ لي: – الطريقة الوحيدة التي يمكننا بها قبول دخولكِالدَّيْر هي الخلوة. سنمنحكِ فرصة للخلوة في الدَّيْرلمدّة شهر. ولم أكن أحتاج لأكثر من هذا. وقلتُ لنفسي إنها ستكون كلّها صلاة من أجل عماد. طبعًا كانت التجربة أقسى بكثير ممّا توقّعتُ. ليس فقط بسبب الأعمال التي تبدأ من الصباح الباكر،وحتّى وقت الصمت في المساء. ولا للمساعدة في أعمال الطهي، بعد حضور القُدّاس الصباحي والصلوات، ولا لأن الطعام أغلبه عدس وبعض البقول. لكنْ، لأسباب أخرى، لم يكن ممكنًا أن تدور في خلدي، ولا في أسوأ الكوابيس. كيف يمكنني الدعاء للرّبّ أن يُنجّيني من الشّرّير، إذا كان شرّيرٌ منهم قد تمكّن من الدخول إلى بيته! كانت لديّ حساسية كبيرة من التفكير في جسدي وفي الجنس، منذ عمر المراهقة. فإذا بي أجد نفسي مشتهاة في المكان الذي لا يمكن تخيُّل شيء كهذا فيه. وفي أحوال كهذه، تنتهي الأزمة بمُجرّد تقديم شكوى للرهبان الكبار، ويتمّ إبعاد الكاهن المخطئ. ولكني كنتُ مُتطرّفة المشاعر. لا أقبل بالحلول الوسط. لم يكن أمامي إلا قرار الخروج من الدَّيْر. لكن الخطأ الذي ارتكبتُهُ هو الكلمات، مُجرّد إعلاني أنني سأترك الدَّيْرحتّى لو اضطُررتُ لتغيير دِيني. لم أقصد الكلام حرفيًا بالطبع، لكني قلتُهُ من شدّة الغضب، فقامت القيامة، وانقلب الجميع ضدّي في لحظة، الكَهَنَة والراهبات. وإزاء هذا التّعسّف الذي وُوجِهتُ به، لبسني العناد أنا أيضًا. وكان عليهم نقلي لدَيْر العقاب. وقصّ شَعْر رأسي، هذه المرّة كعقاب، و.. و.. آآآخ. كأن أمنيّتي بالبقاء في الدَّيْر لم تتحقّق إلا بعد زهدي في التجربة! وأصبح وجودي في دَيْر العقاب هو الوسيلة التي لم أتمنّها طبعًا، لكي أصبح راهبة. إذا كان الشيطان يمكن أن يتواجد في أيّ مكان، فلا داعي، إذنْ، لكي ألوذ بأماكن، أتصوّر غياب الشيطان عنها. والأهمّ أنني لا بدّ أن أتوقّف عن استدعاء هذه التجربة للأبد. سأناجي "مريم البتول"، و"يسوع"، والملائكة، ولكني سأكتفي بعلاقتي المباشرة بهؤلاء جميعًا. أنا الآن علمانية، وللأبد. ما حَدَا بِيْعَبِّي مَطْرَحَكْ في قَلْبِي! انتظرنا هذه الرحلة طويلًا. كنتُ أحتاج لتغيير الأماكن. أحببتُ أن أمشي معه في الشوارع، بلا خوف، وفي العلانية، بدلًا من حالة الإحساس بأن حياتنا كلّها في المنصورة مسروقة ومُختَلَسَة. حلمتُ بالسير بجواره على شاطئ الإسكندرية. وأخيرًا تحقّق الحُلم. كان قلبي من شدّة الوجل كأنه قلب مريض. أُحسُّ بخفقانه المستمرّ، أهو الحبّ؟ أم الخوف؟ أم الخوف من الحبّ؟ وبِغَضِّ النظر، فكلّ لحظة مرّتْ عليّ في هذه الرحلة كانت استثنائية جدًّا، وعاطفية جدًّا، ورومانسية. "ما حَدَا بِيْعَبِّي مَطْرَحَكْ في قَلْبِي.. كيفْ لكْ قلبي تْجَافِي اللّي حَبّكْ هالمحَبّة؟!".. أغنّي مع ماجدة الرومي، وأستعيد الأُغنيّة، فترتعش النقطة البيضاء في عمق روحي. حكى لي رامي عن قصّةحبّ عاشها في غيابي مع شابّة يونانية، وأنه زارها في الإسكندرية. تجاهلتُ القصّة، ولم أُخبرْه بمعرفتي عن الأمر من قبل. وكنتُ وأنا أحتضنُهُ ليلة أمس،أتمنّى أن أزيح مشاعره تجاه تلك الفتاة، وأن أرسّخ صورتي في خياله بدلًا منها. على الرغم من أنه أكّد لي أكثر من مرّة أنها لم تعد تعني له شيئًا. قبَّلتُهُ قبلَتَيْن سريعَتَيْن على خَدّه،ربّماللسبب نفسه. أتمنّى أن يستعيد الإحساس بهاتَيْن القبلَتَيْن كلّما شمّ هواء الإسكندرية معي أو وحده. "خِدْني حَبيبي عَ الهَنَا .. انْسَى اللّي كانْ وابْتِدِي خَلِّينِي إِخْلَق، يا أنا.. مِنَّكْ وليّ إهْتِدِي". الآن لم يعد لي يقين في شيء إلا الحبّ، وأتمنّى ألا يخذلني، وإلا فستكون النهاية بالتأكيد، سأكفر بكلّ شيء، يا رامي. أرجوكَ، أَنقِذْني من الكفر، يا حبيبي. لا أعرف ماذا يحدث لي، ولماذا يتغلغل موضوع الغرام في كياني بهذا الشكل؟ أجمل ما في موضوع الرحلات هو ذلك الإحساس بتواطؤ المجموع مع أيّ اثنَيْن يُظهِران مشاعرهما أمام الجميع. حين يتّخذان كرسيَّيْن متجاورَيْن في الحافلة، تجد الآخرين يبتعدون عنهما بشكل غير مباشر. وفي أثناء الرحلة، حين يشعر البعض بأيّ ثنائي يريد الابتعاد عن المجموعة من دون الالتزام بخطّ سير الرحلة، يتواطؤون معهما، في صمت. المهمّ عودة الجميع للحافلة وفق المواعيد المتّفق عليها. غادرْنا الحافلة، وقرَّرْنا الانسحاب والتّسلّلبعيدًا، لنتجوّل بمفردنا، لنقومَ نحن برحلتنا في الإسكندرية بعيدًا عن الجميع. ذهبْنا إلى "قلعة قايتباي"، وجلسْنا على الصخر، يلفح الهواء البارد جسدَيْنا، ويمسك كلّ منّا بيد الآخر. نتأمّل المدينة الجميلة التي يختلط بها لون البحر. ومن هناك، انتقلنا إلى "محطّة الرمل"، لنشرب كابتشينو في "البُنّ البرازيلي"، تمشّينا قليلًا على الشاطئ حتّى منطقة "ستانلي". وقرّرْنا إنهاء جولتنا في "حديقة المُنْتَزَه"، حتّى نلتقي بقية المجموعة هناك في المحطّة قبل الأخيرة للرحلة. تمشّيْنا بين الأشجار البعيدة، والمسالك التي يقلّ فيها ظهور الناس. وكنتُ أستعيد أُغنيّة "فيروز" وأنا أردّد همسًا لنفسي "ما حَدَا عارف بمطرحنا.. غير السما وورق تشرين". ألقيْنا بنفسَيْنا على العشب، وتخيّلْنا أحلام يقظة كثيرة، ستجمع بيننا في الإسكندرية وحدنا تمامًا في المستقبل. "ويقل لي بحبّك آنا بحبّك.. ويهرب فينا الغيم الحزين". وجدنا فيها فرصة للتحايل على المساحات المخنوقة والمحدودة جدًّا التي نسير فيها في المنصورة. لم أكن أحبّتردّد رامي عليّ في مبنى "كُلّيّة الآداب"، في "شارع الثانوية".فالمبنى المنفصل تمامًا عن حَرَم جامعة المنصورة، كان صغيرا جدًّا، وأشعر فيه أننا في مدرسة. كنتُ أفضّل الذهاب إلى حَرَم الجامعة الرئيس، لأقابله هناك؛ حيث يمكننا السير في ممرّات كثيرة بعيدة عن العيون، خلف كُلّيّة الزراعة أو كُلّيّة العلوم. وأحيانًا، وعلى سبيل الرومانسية، نمرّ في "شارع الحبّ" الذي لا يزيد عن كونه ممرًّا محاطًا بالأشجار، ويقع في المسافة الواسعة التي تقع بين كُلّيّتَي التجارة والهندسة. كانت رحلة الإسكندرية بمثابة انفتاح على أُفق آخر، والإطلالة على شاطئ بعيد، لم نكن نُميّز تفاصيله، لكنه كان أمامنا على البُعْد. بدأتْ رحلة الحبّ. كروان المنصورة الحزين هل ننضج في الحبّ؟ لماذا يجعلنا الحبّ شاردين وجادين أكثر من اللازم؟ لماذا يبدو لي موضوع علاقتي برامي جدّيًّا كأنه قضية تُشبه قضية فلسطين؟ لأنه مسلم وأنا مسيحية؟ ولإصرارنا على تحدّي المجتمع؟ أم لخوفي الباطني من كونه فقط يستمرّ في هذه العلاقة، لأنه سيفرّمنّي في اللحظة المناسبة حين يجد نفسه مضطرًّا لمواجهة مجتمع قاس كمجتمعنا؟ القصصكلّها التي أعرفها انتهتْ بهذه النهاية البائسة تقريبًا. هل يمكننا مواجهة هذا المجتمع السادّيّفعلًا؟ أم أنهم سيُمزِّقوننا ويُحطِّمون أحلامنا للأبد؟ استعدتُ الحكايات التي سمعتُها من صديقاتي وزميلات المدرسة والكنيسة أحيانًا عن مسلمات وقعنَ في غرام شباب مسيحيّيْن، وباءت أحلامهنّ بالفشل، رغم معرفتي بصديقة مسلمة نجحت في الزواج من حبيبها بعد أن غيَّر ديانته، لكي يتزوّجها. حتّى أخو طنط كارمن نفسه أسلم، لكي يتزوّج من أمّ نادين. وتذكّرتُ قصصًا أخرى سمعتُها من جولي، أو من ريمو وجاكلين عن قصص حبّ رومانسية، فشلت كلّها، وماتت على مذبح اختلاف الدِّين. في عقلي، رأيتُ أبطال الحكايات التي كنّا نسمعها من الكبار الذين عاصروا مجتمعًا مختلفًا، كان اليهود والمسلمون والمسيحيون معًا باستمرار. والمؤكّد أن قصص الحبّ جمعت بينهم جميعًا، بل لعلّ عشرات منهم عاشوا مع بعضهم البعض، واستكملوا حُلمهم في الحياة المشتركة. قرأنا كثيرًا أنا ورامي في الشّقّة التي يسمّيها "الوَكْر"، وغالبًا ما كنّا نعود للقراءة منفردين. وأحيانًا أعود لقراءة "قصّة حبّ" لإيريك سيغال، التي يراها رامي مفرطة الرومانسية، ولكني أعشقها. ثمّ مالها الرومانسية، يا أخي؟ هل يمكن أن نتجاوز اختلافنا، كما يراه المجتمع بدون هذه الرومانسية؟ "أصدقائي، نحن هنا لنكون شهودًا على اتّحاد حياتَيْن بالزواج، فلنستمع إلى الكلمات التي أختار قراءتها في هذه المناسبة المقدّسة. ابتدأتْ زوجة المستقبل "باريت" أوّلًا، فقالتْ: حين تنتصب روحانا، مستقيمَتَيْن وقويَّتَيْن وجهًا لوجه، صامتَتَيْن، مفتوحَتَيْن، إحداهما للأخرى، وحين تلتهب أخيرًا تلك الأجنحة المبسوطة. مكانٌ نعيشُ فيه ونحبّطَوَال نهار، محاطًا بالظلمة وساعة الموت. أمّا "إريك"، فقال: إنني أمنحكِ يدي! أمنحكِ حبّي الذي هو أثمن من المال، أمنحكِ نفسي قبل كلّ إيمان أو قانون، فهل تمنحيني نفسكِ؟ هل تمشين الدرب معي؟ أترانا سنبقى معًا ما حيينا؟ وحين صمتّ، كان يسود القاعة صمت عجيب". "فالحبّ هو ألا يكون لنا أن نقول أبدًا إننا آسفون". سيُحبّ رامي أُغنيّات "محمّد منير"كلّها، لأن أغانيه فلسفية كما يقول، أمّا أنا، فأحبّ "ماجدة الرومي" لرومانسيّتها، وطبعًا "عبد الحليم" حبيب قلبي، ونجاة الصغيرة أحيانًا. ومع ذلك، فهذا لا يمنعني أن أغنّي معه: "سرقتْ عُمري من أحزاني.. سرقتُهُ، لكنْ، ما جاني، ولا حَدْ شافْ فين مكاني وَرَا الشبابيك". ووحدي سأستمع لأُغنيّات "كيني روجرز" الرومانسية، التي أتخيّل أن رامي هو الذي يغنّيها لي. ولأُغنيّات فرنسية كثيرة ل"خوليو إجلاسياس"، بينما روحي ترتجف من فرط الإحساس بالحبّ. هل يأخذ الحبّ هذا الشكل الجَدِّي ربّما لأنه بات مرتبطًا بالليل؟ نلتقي في شقّة مُهنّد بين المساء وأوّل الليل. نتحدّث في الهاتف بعد التّأكّد من نوم ماما وبابا في الليل؟ وفي الليل فقط: نُنصتُ لأغاني الحبّ والسهاد. وأغنّي له أُغنيّات "ماجدة الرومي" همسًا. وأنتظر مروره تحت البيت، وهو يعرف أني أنظر إليه من شيش الشّبّاك، وأبتسم. في الليل أيضًا نُنصتُ لصوت الكروان التائه الغريب. هذا الصوت المتقطّع الذي يبدو كنداء غامض. صوت شجيّ، لطائر لا يراه أحد، لأنه لا ينادي أو يشدو إلا ليلًا. من أيّ عشّ يأتي؟ وإلى أين يذهب؟ ولماذا يُصرّ أن يظهر بصوته فقط؟ لا أعرف لماذا لا يشدو الكروان في المنصورة إلا ليلًا؟ يقول البعض إنه يدعو الرّبّ، والبعض يقول إنه يوّحد الله كما أخبرني رامي عن التراث الشعبي الذي يقول إن صوت الكروان ليس إلا ترديدًا لكلمة توحيد يقول فيها: المُلك لكْ لكْ لكْ. أمّا أنا، ففي كلّمرّة أسمع صوته لا أفكّر إلا أنه مُحمَّل لي بالسلام من رامي. صوت حزين وشجيّ، لكنه جميل ورومانسي. لو أن الرسائل الروحية قد نُقلت إلينا فقط على لسان الطير، لربّما كان حظّنا جميعًا أفضل، ولكان الجميع أكثر إيمانًا. ربّما سأعدّ الكروان، طائر الليل الحزين، الكائن الوحيد الذي أتمنّى الاعتراف له وحده بما لا يمكنني قوله لأحد. توقّفتُ عن الذهاب إلى كاهن الاعتراف. تكفيني معرفتي بالشّرّ والخير. كاهن الاعتراف لن يقبل اعترافي بقصّة حبّي مع حبيبي المسلم. وهذه الخطيئة لن يمكنني التوبة عنها. في الليل، نُنصت لصفير القطار، ونخاف. لا أعرف لماذا يرهبني هذا الصوت الذي كان يصلنا في توريل، رغم أن مزلقان القطار في نهاية حيّ المختلط؟ وفي الليل، يُتاح لنا الإنصات لموسيقى أُغنيّةLove Story، أدعو رامي لرقصة رومانسية، يستجيب لها فورًا بابتسامته العذبة، وأقف حافية على قَدَمَيْه، فيتحرّك بنا معًا كأننا جسدٌ واحد، يرقص على لحن الحبّ. في الليل، أمنحكَ نفسي. "إنني أمنحكَ يدي! أمنحكَ حبّي الذي هو أثمن من المال، أمنحكَ نفسي قبل كلّ إيمان أو قانون، فهل تمنحيني نفسكِ؟ هل تمشين الدربَ معي؟ أترانا سنبقى معًا ما حيينا؟". القدّيسة بنت الوالي ذهبْنا لكي نحضر الليلة الكبيرة لمولد "الشيخ حسنين". استجبتُ لرامي، لأثبت قدرتي على الاختلاط بالبشر وبالعوامّ كما يقول لي ساخرًا. وإنني لستُ مُجرّد فتاة منعّمة، تعيش في توريل. وأيضًا لرغبتي في تجربة ومعرفة الأشياء. وَعَدْتُ رامي، في المقابل، أن نذهب معًا إلى "مولد القدّيسة الشهيدة دميانة" في البراري قريبًا من "بِلْقَاس". ولكنْ، للأسف. ذهبتُ للقدّيسة وحدي. أصابه الجنون من الغَيْرة حين عرف بزيارتي للقاهرة وخروجي مع شابّ، جاء مع صديق كاترين بنت خالتي في مصر، والتي استعانتْ بي لهذا الغرض. وتوقّفتِ الاتّصالات بيننا. حاولتُ التماسك، رغم إنني كنتُ سأُجنّ. لم أُصدِّق هذا الجنونكلّه غير المُبرر. أكان يريد أن ينام معي، وبعدها يلعب بي؟ جنَّني هذا الخاطر حرفيًا، لكنّي حاولتُ التماسك. أسأل نفسي بجنون: مَنْ أنتَ؟ هل هذا هو الشخصنفسه الذي أحببتُ؟ قبل يومَيْن من "مولد القدّيسة" جاءتْ خالتي لزيارتنا، وأخبرتْني كاترين أنها ترغب في زيارة المولد، وحين أخبرتُأمّي، اقترحتْ اصطحاب أمير؛ ابن خالي موريس وأخته ماريان. ذهبْنا مُبكّرًا، لنلحقَ بالقُدّاس، لأن الصلوات تبدأ في الثامنة صباحًا، وتستمرّ فقط حتّى الثانية ظهرًا. ومنذ وصلْنا إلى "منطقة البراري" التي يقع فيها ضريح الشهيدة، لاحظتُ أن أغلب المظاهر في المكان تشبه موالد المسلمين. كان الزحام شديدًا، وخيام زوّار المولد القادمين من القرى القريبة والبعيدة متناثرة في كلّ مكان. ولاحظتُ الكثير من الأجانب الذين كانوا يتأمّلون المشهد بدهشة مُلوّنة بنوع من الإعجاب. كلّما اقتربْنا من الكنيسة القديمة تعالتْ أصوات الترانيم والأجراس والنواقيس، ولمّا اقتربْنا أكثر، كان بالإمكان تمييز آيات من الكتاب المقدّس، وزغاريد بعض السّيّدات، بينما ملأ دخان البخور الأرجاء، وانتشر عبقه. كانت الساحة في الخارج لا تختلف في شيء عن الأسواق التي توجد بالموالد الإسلامية، الحلوى التي تشبه حلوى المولد، والحلوى الدمياطية الشهيرة مثل "المِشَبِّك"، بالإضافة إلى فرشات بيع الملابس وال "تي شيرتات" المطبوع عليها صور الأيقونات والقدّيسين.بالإضافة لبائعي المأكولات والأطعمة الريفية؛ كالجُبن القديم والزبدة والسمن البلدي. في سيّارة الأجرة ال "بيجو" التي نقلتْنا من المنصورة، راح أمير يحكي لنا عن معجزات الشهيدة المقدّسة؛ مؤكّدًا انتظار الناس لظهور طيفها خلال عيدها، وظهور خيالات وأضواء على القباب التي تعلو مبنى الكنيسة. نظرتُ للسائق في مرآه السّيّارة وأنا أخشى أن يكون مُتزمّتًا، لكنه فاجأني بالقول: – مظبوط الكلام اللي بيقوله الباشا، يا ستّالكلّ. أنا مُسلم صحيح، بس إحنا كلّنا في "بِلْقَاس" عارفين إن السِتّ المقدّسة ليها كرامات، وأمّي بتقول لي إن فيه ناس أجانب جُم زمان زاروا الضريح في العيد، وظهرتْ لهم السّتّ دميانة على شكل طير ليه أجنحة كبيرة، قعد يلفّ حوالين أرض المولد طول اليوم. و أردف قائلًا: – أنا لي ستّات قرايبي كانوا – بعيد عنّكْ وعن السامعين- تعبانين جدًّا، بأمراض والعياذ بالله، مالهاش علاج، وجُمْ للسّتّ بنت الوالي، وانكتب لهم الشفا بأمر ربّنا طبعًا، وبركة السّتّ دميانة. ورمقَني أمير كأنه يقول لي: شُفتي؟ والتفتُّ لكاترين، فوجدتُها تبتسم في سعادة. وكذلك بنت خالي ماريان، وإن ظلّتْ صامتة لصغر عمرها وخجلها الشديد. في فناء الكنيسة، انتظرْنا مرور مواكب شباب الكنيسة الذين يرتدون الأبيض، ويمسكون بالرايات البيضاء التي تحمل صورة السّيّد المسيح. كان جسدي يقشعرّ وأنا أتأمّل الضريح الكبير المُحاط بالخشب المعشّق، من بين الأشخاص الذين يقفون أمامي وحولي، وبعد محاولاتٍ مضنية للوصول إلى الفاصل الخشبي اقتربْنا حتّى أصبحْنا في مواجهة الضريح الذي كان البشر من كلّ لون يلتفّون حوله وهم صامتون، وعلى وجوههم سَمْتُ الخشوع أو الرجاء. وضعتُ يدي على الخشب، وصلَّيتُ. طلبتُ من روح القدّيسة الطاهرة حلًا لمشكلتي مع رامي، إن كان لي فيها الخير. أمّا كاترين، فوجدتُها تُخرِجُ ورقةً مَطويّة من حقيبة يدها، وذهبتْ بها إلى موضعٍ ملاصق للضريح، يمكن لها منه وضع الورقة، ويبدو أنها كَتَبَتْ طَلَبَهَا للشهيدة، وهو ما رأيتُ العشرات حولنا يفعلونه، وبينهم مسلمون ومسلمات، رأيتُهم يرتجون روح القدّيسة لما يرغبون فيه. طاردني خيال رامي طول الرحلة، كأنه كان معي بروحه. وتذكّرتُ اليوم الذي ذهبْنا فيه إلى "مار جرجس" في شارع بورسعيد. طلبتْ ماريان أن تشعل هي أيضًا شمعة، فأشعلْنا الشموع جميعًا، وكلّمنّا في قلبه ما يتمنّى، وغادرنا إلى المنصورة، وفي قلب كلّمنّا رجاء، أودعَهُ أمانة عند روح القدّيسة بنت الوالي.