رواية إبراهيم فرغلي الجزء الثاني الرسائل الرسالة الأولى حبيبتي أكتب إليكِ الآن، بعد فترة طويلة. وأكاد لا أُصدِّق أن ثلاث سنوات قد مرّتْ على غيابكِ. كنتُ أحتاج الوقت لاستيعاب الأحداث. لم أتوقّف عن التّحدّث إليكِ همسًا منذ اختفيتِ من حياتي بتلك الطريقة الغامضة. لا أحبّ أن أفكّر في أيّ سبب آخر لاختفائكِ. تفهمين ما أعني! أي أن الاحتمال الوحيد الممكن التفكير فيه بالنسبة لي هو وجودكِ في مكان ما. فهذا يقيني الذي لا يمكنني الشّكّ فيه للحظة واحدة. أعرف أنكِ موجودة في مكان ما في العالم. أشعر بذلك. ولهذا أكتب هذه الخطابات، لعلّها تصل إليكِ يومًا. أكتب إليكِ، يا كريستين، لأتجنّب السقوط في فخّ الجنون. ليس لأنني أخشى الجنون. فلعلّ الجنون هو الحالة المناسبة لي. أن أصبح ذاهلًا عن كلّ ما حولي، لكنْ، للأسف لا أملك مثل هذا الترف. من أجل حنين. التي اخترنا اسمها مثل كلّ ما فعلناه معًا. تعيش وحيدة بعيدًا عنّي وعنك. لم يكن لديّ خيار آخر. لن أكذب عليكِ، فأنا أعتقد أن فردًا من عائلتكِ هو السبب في تشتيتنا على هذا النحو. أنا أشعر بذلك، ولا يمكنني فَهْم الأمر إلا بِعَدِّه تمّ من دون إرادتكِ. ولهذا قرّرتُ حماية حنين بالذهاب بها إلى آخر العالم. تبدو لي كلمة "آخر العالم" مُضحِكَة، ونحن نتكلّم عن فرنسا التي لا يفصلنا عنها ربّما إلا البحر، لكن هذا بالضبط شعوري. أحيانًا أشعر بأنني رجلٌ أبله، يتصوّر أنه يحمي ابنته بأن يبني لها فخًّا في آخر العالم. وتطاردني الكوابيس التي أراها فيها، إمّا تعرّضت للخطف، أو للاعتداء من مجهولين أو…. آآآآخ. إنها كوابيس، ولن أزيد في ذلك. لكن أحبّ أن أطمئنكِ أنني لم أتركْها وحيدة لأكثر من ثلاثة شهور أبدًا. بل ربّما شهرَيْن. أزورها بانتظام، وأسمع منها، وأحكي لها عنكِ وعن المنصورة كثيرًا. طبعًا لا يمكنني أن أحكي لها أشياء كثيرة عن تفاصيل علاقتنا، وعن مشاعري تجاهكِ. يمكنكِ التخمين بالتأكيد، فلستُ الرجل الذي يُعبِّر عن مشاعره بسهولة. ثمّ إنني، يا حبيبتي، لا يمكنني الحديث عنكِ أمام أحد، حتّى لا أضعف. هذا آخر ما يمكنني تصوّره عن نفسي. أن أبكي أو حتّى يختلج صوتي مضطربًا أمام أيٍّ كان. أكاد لا أُصدِّق أن أحلامنا التي أسرفنا في تخيُّلها لم يُكتبْ لنا منها أكثر من خمس سنوات فقط. كنّا نشعر بالقوّة. خوفي يتبدّد من نظرة تشجيع في عينَيْكِ. وخوفكِ ينتهي بمُجرّد أن أضمُّكِ إلى صدري. الآن عليّ أن أقتل أيّ مشاعر خوف، قد تتبادر إلى ذهني. بعد انتقالنا للإسكندرية، كزوجَيْن، يبدآن حياة جديدة، قريبًا من شاطئ البحر الذي تقع عليه عينانا كلّ صباح، تمامًا كما نحلم. كنّا نبدأ عالمًا جديدًا، لن نعرف فيه شيئًا له علاقة بالتاريخ الذي فررْنا منه. لا وجود هنا لمظاهرات 1977، أو مظاهرات الجوع، لأننا نعرف، أو نتخيّل، أنها حَدَثَتْ في المنصورة فقط، وشهدْنا وقائعَهَا المروّعة هناك، رغم أننا كنّا صغارًا إلى حدّ ما، ورأينا سلب "بيت المحافظ" بكلّ ما فيه، ورأيْنا وسمعْنا الأساطير الخاصّة بحجم الأرانب التي كانت بين ممتلكات المحافظ، التي كنّا نتصوّر أنها خراف، بسبب كبر حجمها. حتّى الأحزان، وبينها أحزاننا المَشوبة بالفخر لصور شهداء حرب 1973 الموضوع عليها الشريط الأسود في أغلب بيوتنا وبيوت عائلاتنا، لن نجد مثلها هنا. نعم، في الإسكندرية لا وجود لتنظيمات الإخوان. ولا فتن طائفية، لأننا نعيش في مدينة العالم، الإسكندرية. ولن يوجد أيضًا خالُك موريس غريب الأطوار، الذي تحوّل إلى عدوٍّ لكِ ولي ولكلّ مَنْ بارك حبّنا وزواجنا. وللأسف أيضًا لن نرى هنا "عمّي جورج" ولا "طنط جورجيت"، لأنهما لم يتمكّنا من احتمال الأمر. ولم نملك نحن ما نفعله. كنّا نُنقذ حبّنا، ونُنقذ طفلة لا علاقة لها بهذه الصراعات المجنونة المُختَلَقة كلّها على أيدي الكَهَنَة والشيوخ والقدّيسين. نعم، كنّا نقلب صفحات ماض ولّى، لكي نبدأ كتابًا جديدًا نُسطّره بوقائع حياتنا معًا. ولكنْ، اتّضح لي أنني توهّمتُ أشياء كثيرة. كان البحر الجميل وهواؤه قد سَحَرَانا وجَعَلانا نتخيّل ما لا وجود له، بينما يبدو أن كلّ ما توهّمنا عدم وجوده بالإسكندرية كان موجودًا، كأشباح مختبئة في ظلام المدينة، وحين أُتيحت لها الفرصة سرعان ما قبضتْ علينا. لن أقول لكِ وداعًا، ولكنْ، إلى لقاء. والسلام لروحكِ أينما كنتِ. المخلص رامي. 8 مارس 1995 الرسالة 2 كريستين كم أفتقد مناداتكِ باسمكِ. أحلم بكِ كثيرًا ربّما لكي أردّد الاسم، أردّد اسمكِ، وأشعر أنكِ تسمعينني. مع ذلك فلا أذكر الآن بالضبط إذا ما كنتُ أناديكِ بصوتٍ مسموع، أم أنني أهمس بالاسم، لكن المؤكّد أنكِ تسمعينني في الحلم، وأرى ردّ فعلكِ بالابتسامة التي أذابتْ قلبي تجاهكِ منذ رأيتكِ لأوّل مرّة. تضحكين فتضحك الدنيا. تخيّلي أن الاسمَيْن الأحبّ إلى قلبي، وهما اسم حنين واسمكِ هما أقلّ الأسماء التي أردّدها في يومي. حلم سعادتنا الضاحك تحوّل إلى كابوس. توهّمنا أسوأ كوابيسنا بِعَدِّها الفترة التي قضيتها مع الجماعة. والتي قضيتِها أنت في الدَّيْر. سنوات "التجنيد المقدّس"، كما أسميناها، لكننا لم نكن نتخيّل أبدًا قدوم الأسوأ. في الفترة التي كنت لا تزالين مختفية فيها، كان أبويا دائمًا يردّد لي كلّما رآني مكتئبًا: "استمتعوا بالسّيّئ، فإن الأسوأ قادم". وكنتُ أبتسم له بفتور، ولم أعرف أنه كان يقول حقائق، وليستْ مُجرّد حكم. وحين ظهرتِ في حياتي مرّة أخرى بعد العودة من الدَّيْر، وقراركِ الصارم بعدم العودة مجدّدًا للحديث عن أيّ شيء يخصّ تلك الفترة، كنتُ أشعر أننا ودّعْنا التعاسة للأبد، وكنتُ أتمنّى أن أذهب وأغيظ بابا، عقب أيّ وقت ممّا كنّا نقضيه في شقّة صديقي مهنّد، وأخبره أنني عرفتُ معكِ السعادة. والقادم ليس سيّئًا كما قال! لكنْ، طبعًا تعرفين كيف تواطأ القَدَر مع نبوءة الوالد. (لا زلتُ أستخدم صيغة الوالد دائمًا في حالات العتاب، أو السّيّد الوالد في الحالات الشديدة)، وباختفائكِ من الشّقّة في ذلك اليوم اللغز، بدأ الأسوأ يتجسّد، كما لا يمكن لنا تخيّله. طبعًا أذكر الكوابيس التي كانت تُوقظكِ في بعض الأيّام، بعد الانتقال للإسكندرية. أذكر كلّ شيء. اليأس. الإحساس باليُتم بعد قرار عمّي جورج بالتّبرّؤ منكِ. وانصياع طنط جورجيت له، أكانت مضطّرة؟ أم عن اقتناع؟ أذكر تلك المشاعر، والمرارة، وبالشفقة على الذات، وبخيانة المجتمع لنا. مجتمع يكره الحبّ، ويحبّ النفاق، ويُكرِّس الدِّين من أجل الكراهية. لكنْ، دعينا على أيّ حال من ذلك كلّه. كُنّا نتجنّب الإحساس بالخوف؛ باستدعاء بعض ما كنّا نمارسه سرًّا قبل زواجنا. تلك الساعات المسروقة من العالم. الحياة التي كنّا نعيشها كقصيدة. شِعْر حياتنا الجميلة. كنتِ تُصرّين على النوم عارية في حضني. أن أقرأ لكِ شِعْر "أمل دنقل" حتّى تنامي. ولا تستغرقين في النوم إلا بعد أن تتأكّدي من التصاقي بكِ، وكنتِ تعرفين أنني سأظلّ محتضنًا إيّاكِ طَوَال الليل. كنتِ ترين في امتزاج قطرات العَرَق بين جسدَيْنا خلال النوم أكثر ألوان الدلالات الشاعرية. "لا يمكن أن يُميِّزه أحد، ولا حتّى أنا أو أنتِ. عَرَقي يجفّ على جسدكِ، وعَرَقكِ على جسدي". كنتِ تقولين بإخلاص راهبة: "حتّى الدم لا يمتزج بهذا الإتقان". مع ذلك، تخيّلي، كنّا نضحك من قلبَيْنا، ونشعر بأن وجودنا معًا أمرٌ لا يحقّق إلا السعادة، رغم ارتباكنا الشديد في الفترات الأولى لمولد حنين، ومخاوفنا، وتعامُلنا بعصبية حين تتعرّض للمرض، أو بسبب بكائها لأسباب غير معروفة، وبشكلٍ هيستيري ومتّصل. لكننا تجاوزْنا الخبرات الصعبة كلّها. وفّرتْ أمّي لنا النصائح، وساعدتْنا بخبراتها باستمرار، ونحن نراقب نُمُوّ حنين في سنواتها الأولى بسعادة وفرح. كنتِ تقولين إن المنصورة، بكلّ مَنْ فيها من بشر، ليستْ إلا مجموع قصص الحبّ التي عرفتْها المدينة، بتناقضاتها واختلافاتها واختلافات أطرافها كلّها، فكلّها انتهتْ بعائلات أنجبوا أهلنا الذين عاشوا قصصهم، ليُنجبونا، لا جديد تحت الشمس، نحن أيضًا سنكتب بعلاقتنا قصّة حبّ جديدة، وسنُنجب جيلًا جديدًا بقِيَم حبّ مختلفة قليلًا. صحيح أننا بدأنا طريق المسؤولية مبكّرًا جدًّا، وأكاد أشعر أننا كنّا أطفالًا في أوائل العشرينيات. ولكنْ، كانت الفرحة داخلنا تحترق، وتدغدغ مشاعرنا، وتبثّ فينا الإصرار والأمل. يا حياتي ووجعي الأبدي. في 18 مارس 1995 الرسالة 3 حبيبتي عدتُ مساء أمس من باريس. نقلتُ حنين أخيرًا من المدرسة الداخلية. أصرّ صديقنا أحمد حسين على انتقالها، لتعيش مع عائلته وابنته. أشعر أنها الآن أفضل بكثير. مرّت بفترة صعبة، لأن لسانها كان ثقيلًا جدًّا، وانتابتها حالات تشنّج عديدة في نوبات مختلفة. التجربة التي تمرّ بها صعبة جدًّا، والإحساس بعدم الأمان خلال الفترة الأولى لها في المدرسة الداخلية أكبر من قدراتها على الفَهْم أو الاحتمال في هذه السّنّ. لكنها تفعل ما يدهشني، بقدرتها على التّكيّف وبناء شخصيّتها، وتصفها المدرّسات بالعبقرية. أتقنتِ الفرنسية، واليوم تسألني أسئلة بالغة الذكاء. تسألني عنكِ. حتّى اليوم لا أزال متحيّرًا في الكيفية التي أجيب بها عن هذا السؤال. قلنا لها إنكِ مريضة، في غيبوبة طويلة، وإن الأطبّاء منعوا زيارتكِ. أحيانًا أفكّر أنني أجرمتُ بقرار سَفَرها إلى باريس. لكنْ، ضعي نفسكِ مكاني، يا كريستي. ما الذي يمكنني أن أفكّر فيه، وأنا أشعر أنكِ ربّما تعرّضتِ لخطر على حياتكِ؟ بالتالي قد تكون هي هدفًا تاليًا لمَنْ فعل ذلك أيًّا كان. دعوتُ أمّي فورًا، لكي تقضي معنا بعض الوقت حتّى أتمكن من التّصرّف مع الموضوع. لم تكن لديّ إجابات لسؤال حنين المتواصل: – فين ماما، يا بابا؟ قلبي يتمزّق حرفيًا كلّما سألتْني، وأحاول التماسك بصعوبة. ما الذي يمكن قوله لطفلة في الخامسة عن اختفاء أمّها فجأة بلا سبب واضح؟ كيف أُفسِّر لها جنون هذا العالم؟ بصراحة أفكّر كثيرًا أننا أجرمنا في حقّ أنفسنا وحقّها بالامتثال لمنطق أمّي في الاحتفاظ بالجنين. كيف لنا أن نأتي بطفلٍ لهذا العالم المسكين؟ أفكّر أننا بالفعل كنّا صغارًا مدفوعين بالحماس والخوف معًا. كان يكفينا أن نحافظ على علاقتنا، ونواجه ما نتوقّعه. لكنْ، ما ذنب طفلة صغيرة كهذه، لكي تواجه تبعات قرارنا أو تبعات ثقافة مجتمعنا المجنون بالكراهية؟ المذهل أن أحمد حسين يعيش مع سيسيليا، بلا وثيقة زواج، حتّى الآن. وأنجبا طفلتهما الرائعة ناتالي، ولا يثير الأمر اهتمام أحد. ألسنا نعيش في العصور الوسطى؟ نضع القوانين والمواثيق التي من شأنها فقط أن تُهلِكَنَا، وكلّها باسم إمّا الأخلاق أو الدِّين. أكتب لكِ الآن، وبالصدفة تصطكّ نوافذ الغرفة التي أجلس فيها بسبب الريح، وأسمع صوت الرعد بين آن وآخر، ولا أفهم هل هذه علامة؟ أم مُجرّد صدفة؟ الغريب أنني رغم البرد في الخارج لا أشعر كثيرًا بالبرد. أعاني من الحمّى تقريبًا. روحي تتألّم لما حلّ بحنين، وما مرّت به من خبراتٍ صحّيّة مؤلمة خلال الفترة الماضية. هل تذكرين كلامنا عن ألعاب الزمن والصدفة؟ كانت ألعابًا عجيبة، لعبتْ بنا، وخصوصًا بكِ وبي أنا الذي كنتُ أحاول دائمًا أن أبدو مسيطرًا على مصيري. وكان هذا الأمر تحديدًا أحد أكبر الأمور التي اختلفتُ حولها مع عماد. فرغم حبّي الشديد له، لكني لم أقبل أبدًا بمنطقه الاتّكالي. كنتُ أحترم إيمانه طبعًا، ولكني أشكّ دومًا في فكرة أن الإنسان مُسيَّر بهذا الشكل المهين الذي يتبنّاه الناس. عماد ظلّ بالنسبة لي هدفًا مستمرًّا لإثبات منطقي. هل تذكرين يوم أن ذهبتُ به إلى مزلقان القطار المواجه لمدرسة "الملك الكامل"؟ لم يتوقّع أن أُلقي به تحت القطار، وبيني وبينكِ كنتُ أشعر بالرعب من عدم دقّة حدسي بعُلُوّ المسافة السفلية للقطار، إذا ألقيْنا بأنفسنا تحته. ألقيتُ بنفسي فوق عماد حتّى أكون الضحية لو كنتُ أخطأت التقدير. ولكنْ، مرّ القطار بسلام. السّرّ الوحيد الذي يحتفظ به كلانا حتّى اليوم أنه فعلها. نعم، بلَّل نفسه من شدّة الخوف. ضحكتُ بجنون في ذلك اليوم، لكني أسرعتُ به إلى بيتنا، وأعطيتُهُ بنطلونًا من عندي، لنتجاوز الفضيحة. السّرّ الثاني أنه بمُجرّد الانتهاء من ارتداء البنطلون فعل أغبى حركة في التاريخ، كاد أن يخصيني بركلةِ قَدَمٍ غاضبة. لكن هذا كلّه كان مُجرّد سفاسف أمام احتمال موتنا تحت قطار. طبعًا هذه ستكون فضيحة؛ أن نموت تحت قطار يذكّرني شخصيًّا بكلب عجوز مريض وكسول. كنتُ أقسم لعماد أنني لو عاندتُ ووقفتُ أمام القطار، ودفعتُهُ، لتوقّف! بيننا مواقف كثيرة، كما تعرفين، لكني كنتُ أؤكّد لعماد أننا يمكن حتّى أن نتحدّى الموت. بصراحة، يا كريستي، لم أبكِ حتّى الآن حتّى على فقدانكِ، لأني أعرف أنكِ موجودة في مكان ما. لكني بكيتُ على عماد. ليس لأنني تماسكتُ خلال لحظات الدَّفْن عن النازع الداخلي الذي كان يهجس في رأسي، مثل الوسواس، ويقول لي أن أُوقِفَ الحفّارين، وأفتح الصندوق، لأجذب عماد من ذراعه، ليقف بيننا، وتنتهي هذه المهزلة، كأني لم أكن قادرًا على تصديق خبر موته. لم أبكِ عليه، ليس لأنني كنتُ أعدّه أخلصَ إنسان عرفتُهُ في حياتي فقط. بل لأنه كان مطيعًا جدًّا وممتثلًا حتّى للمرض، والموت. أعتقد أن شيئًا بداخله كان يجعل نوازعه الإيمانية تقتل كلّ عناد داخلي أو إرادة. أو شيئًا من هذا القبيل. ليس لديّ تفسير دقيق للمسألة. مع ذلك طبعًا لم أنجُ أنا نفسي، يا كريستي، من المواجهة المرعبة مع القَدَر. كأنه أراد الإثبات بالدليل القاطع أنه لا يمكن لأحد أن يتصوّر نفسه كبيرًا عليه، ومصيرنا كما ترين وابنتنا معنا خير مثال ودليل. المحبّ للأبد،، 17 يناير 1996 الرسالة 4 كريستين .. يا حبيبتي .. هل تُصدِّقين أني توقّفتُ عن قراءة القانون؟ قرأتُ ما يكفيني لمائة سنة بصراحة، في القوانين الجنائية والدولية والدستورية، وحفظتُ عشرات النصوص القانونية، وطبعًا قرأتُ عشرات القضايا والملفّات، والآن أشعر أنني أصبحتُ متمرّسًا بما يكفي، لكي أتفرّغ لقراءات أخرى. أقرأ الآن في الأدب والفكر والفلسفة. وأستدعي أيّامنا الجميلة، حين كنّا نتبادل القراءة. اكتشفتُ قصيدة لأمل دنقل، يقال إنه كَتَبَهَا لحبيبة طفولته، وهي من المنصورة، واسمعي ماذا يقول فيها: "في صمت "الكاتدرائيات" الوسنان صور «للعذراء» المسبّلة الأجفان يا مَنْ أرضعت الحبّ صلاة الغفران وتمطّى في عينَيْكِ المسبّلتَيْن شباب الحرمان ردّي جفنَيْكِ لأُبصر في عينَيْكِ الألوان أهما خضراوان كعيون حبيبي؟ كعيون يبحر فيها البحر بلا شطآن يسأل عن حبّ عن ذكرى عن نسيان! والعينان الخضراوان مروّحتان!". الآن أقرأ وحدي تمامًا. وإن كنتُ أرفع صوتي متخيِّلًا أنكِ تسمعيني، لكنْ، على أيّ حال، لا أظنّ أنه كان بإمكاني تجاوُز هذه المحنة من دون القراءة فعلًا. لم يعد يعنيني شيء في هذا العالم. ولولا محاولات نادية للضغط عليّ لزيارة بيت العائلة في المنصورة بين آن وآخر، وترتيبها لجلسات عائلية مع أمّي وأبي، لاعتزلتُ العالم تمامًا. مع ذلك، أظنّ القراءة سوف تُنقذني من هذه المحنة بشكل ما، ولا أعرف الآن الكيفية. سأُضطرّ أن أذكر لكِ ما رفضتِ أن تستمعي له طَوَال الفترة التي عشناها معًا منذ عودتنا أحياء من نضالنا المقدّس: سأذكر لكِ الآن أوّلًا أنني لولا تمسّكي بالقراءة حتّى في أعتى فترات اقتناعي بالخُرافات التي غسل بها عقولنا جماعة الإخوان، لرُبّما كان مصيري اليوم زنزانة مُعتمة، أرى فيها الثمن البخس الذي يمكن أن يبذله الإنسان راضيًا لوجه الله، كما يزعمون، أو مُجاهدًا بلحيةٍ في قندهار، أرتدي جلبابًا قصيرًا، وأضع على رأسي المُلتحي عمامة، وأُمسك ببندقية أو رشّاشًا آليًّا، ينتظر العدوّ المُختَلَق في البشر كلّهم؛ الكُفّار، لكي أقتلَهم، وأُخلّص البشرية منهم، ولكي أزيدَ من حسناتي التي سُتوفّر لي مكانًا في جنّة ممتلئة بالحور العين. أيّ بؤسٍ كان سيؤول إليه مصيري، يا كريستين، لولا القراءة؟ وبينما كان المفترض أن أقرأ "سيّد قُطب"، وكُتُب الغزالي وفقه السُّنّة للسّيّد سابق، والأوراد، وقد قرأتُها بالفعل بالمناسبة، لكني لم أكن لأتنازل عن قراءة رواية لنجيب محفوظ مثلًا، أو رواية من روايات العظيم دوستويفسكي. وليسا وحدهما طبعًا، كما تعرفين، فقد قرأتُ بالإضافة لهما "توفيق الحكيم" و"يوسف إدريس" و"إحسان عبد القدّوس" حبيبكِ! وبعض الروايات المترجمة الجميلة. كان التماهي مع "أوليفر تويست" جزءًا من تدريبي على حيوات أخرى، لم أعشها. بصراحة أنا لا أعرف ولا أتخيّل كيف تكون الحياة مقبولة لو لم يكن "دوستويفسكي" موجودًا؟ هذه القراءات، بلا شكّ، وقفتْ حائطًا منيعًا بيني وبين تحوُّلي لمُجرّد مُتلقّن ساذج لأفكارهم، هؤلاء البؤساء، ليُردّد ما يقولون مثل ببغاء أحمق. طبعًا آنذاك لم يكونوا بالنسبة لي بؤساء، بل كانوا رفاقًا وإخوة في الله، كما كنّا نتنادى. وكان للأمير مهابة خاصّة بيننا. وبشكل شخصيّ، لن أنكر أنني كنتُ أحبّه. كان أكثر تسامحًا وبشاشة من غيره من المتجهّمين، وأقلّ تكلّفًا وادّعاء. وأظنّه مُنح "إمارة الجماعة"، لأنه كان أكثر تفقّهًا من غيره. وبصراحة أكثر سأقول لكِ لأنه، وهذا كان مُجرّد إحساس لم أكن قد فكّرتُ في تفسيره في ذلك الوقت، كان من طبقة وسطى مُتيسّرة، وبالتالي كانت قناعاته في الأساس دينية، وليستْ طبقية أو وليدة عقد نَقْص، كما كنتُ ألاحظها عند غيره. ربّما كان يمتلك لونًا من الصدق، لم يتيسّر لغيره. كان أكثر مَنْ ينفّرني بينهم الريفيون الذين وصلوا لدراسة الهندسة أو الطّبّ، وكانوا يجدون في الانتماء للجماعة قوّة معنوية، ووجاهةً ما. كنتُ أشعر بذلك في نكاتهم الطبقية أو محاولة الاستخفاف بالطبقات البورجوازية. فكرة الانتماء للجماعة بمثابة الصفعة التي يُوجّهونها للطبقة التي لا ينتمون لها، من منظور متعالٍ، لأنهم يُمثّلون المرجعية الأعلى، وهي الدِّين. لعلّ هذه الأفكار هي ما جعلتْني لا شعوريًا أنفر منهم، وربُّما جعلتْني أكثر إصرارًا على القراءة في العوالم التي أعرف أنهم لن يقتربوا منها لا جهرًا ولا سرًّا. ومنها كنتُ أستمدّ شجاعة الرّدّ على ابتساماتهم المُستخِفّة أمام أسئلتي الفقهية التي كنتُ أحاول بها التّأكّد من مدى سماحتهم. في رمضان مثلًا، وبعد العصر، أقترب من المسؤول الأكبر عن مجموعتنا، كانت له ملامح آسيوية غريبة، ولعَرَقِهِ رائحة نفّاذة، وحتّى "السِّوَاك" الذي يستخدمه لم يكن قادرًا على إزالة صفار أسنانه العجيب. أقول له إني احتلمتُ خلال نومي، ولا أعرف هل سيُقبَل صيامي؟ أم لا؟ فينظر لي مُستفِزَّا، لكنه يحوِّل استفزازه إلى ابتسامة صفراء مذهلة، ويردّ بما يعني أن أستريح وأُكمل صيامي. أبتسم له ابتسامة ناعمة، وأهزّ له رأسي بجدّيّة دلالة على استفادتي من علمه الغزير. في الحقيقة كنتُ أقرأ "فقه السُّنَّة"، وأعرف أن إجابات الأسئلة كلّهم موجودة في الكُتُب، لكني انتبهتُ لفكرة أُبوّتهم لنا. شكَّلَ لي نوعًا من الاستفزاز، لأني أيضًا لي مشاكلي مع إحساسي بسلطة أبي. واكتشفتُ أنهم مبرمجون للتعامل مع شخصيات لا تقرأ، أو تقرأ القشور. لم أكن مستعدًا حتّى لمناقشتهم في أمور أكثر تعقيدًا، مثل "خَلْق القرآن" أو "العلاقة بالقَدَر" وهل الإنسان مُخيَّر أم مُسيَّر؟ السؤال الذي قادني للتفكير في هذه الأمور كلّها، وشغلني بعد موت عماد بالبحث عن إجابات دقيقة عنها. كانوا أصحاب ثقافة شفاهية، تناسب بسطاء الناس: الخطبة هي موضع التأثير الرئيس، هكذا انتشرتْ أفكار "الشيخ كشك"، الذي كفّر المجتمع، وكل ما له علاقة بالفنّ أو الحياة المَدَنية، وهكذا انتشرت فكرة الاعتماد دائمًا على مُفتٍ، يُفتي للجميع بما يحلّ، ويحرّم ما يراه حرامًا. ولا أزعم أنني امتلكتُ مثل ذلك الوعي الطبقي آنذاك، لكن شعورًا باطنيًا ما، في أعماق قلبي، انتبه لتفاصيل صغيرة كهذه، لم تجد جاذبية كبيرة في نفسي. ومن المؤكّد أن أمرًا مرّ عليه اليوم أكثر من 15 عامًا لا بدّ أن يراه الفرد بشكل مختلف. بيني وبينكِ، اكتشفتُ الآن أن وعينا الطبقي لم يكن مُستفَزًّا. أقصد، لم نكن مهتمّين بوعينا بالطبقة. ربّما هذه حال الطبقة الوسطى عمومًا، أكثر تصالحًا مع ذاتها. لكنني أستعيد تلك الأيّام، فأسترجع ما أعدّه خُبثًا في هذا الشخص. الطريقة التي كان يتعمّد بها إيغال صدر صديق ممّنْ انضمّ إلينا آنذاك ضدّ عائلته، وكان أهله من عائلة إقطاعية شديدة الثراء. كان يتعمّد أن يتحدّث بابتسامته السخيفة الصفراء اللاإنسانية، التي يخفي بها ارتعاشة صوته من فرط الحقد والغلّ، عن مطامع الإقطاعيّيْن، وظُلمهم، وعرفتُ من ذلك الصديق أنه دخل في نقاش حادّ مع جدتّه، لأنه أخذ يسبّ جدّه الميت أمامها، ويصفه باللصوصية وامتصاص دم الفقراء. كان الفتى آسيوي الملامح، يُخلّص حسابه الشخصي مع تاريخه، سواء بوعي أو من دون وعي. أظنّه وأمثاله كانوا يجدون في تنظيم مثل الإخوان ما يجعلهم يحاولون تعويض الكثير من النقص بسلطة النفوذ الدِّيني التي تمنحهم إيّاه الجماعة. مع ذلك، لم ننتبه أبدًا لموقعنا الطبقي، وشخصيًّا كنتُ أميل للبساطة، وأؤمن أنني في وسط الوسط. أصادق البسطاء أو أبناء الطبقة العليا بالحماس نفسه. طبعًا وأنا معك، وأحيانًا أنا وأنت وعماد، كُنّا نقارن بين عائلاتنا التي تتماثل في كونها طبقة أبناء الموظّفين وبين شخص من أصدقائنا ممّنْ يملك أبوه بُرجًا من تلك الأبراج الجديدة التي عرفت طريقها للمنصورة منذ نهاية السبعينيات، أو أراض زراعية وسيّارات، وأشياء من هذا القبيل. ولكنها لم تمثِّل لنا حُلمًا حقيقيًّا. لم نكن مادّيّيْن بشكل ما. لكن هذه التفاصيل كلّها كوم، وما سمعتُهُ من الأصدقاء الأكبر عُمرًا الذين انخرطوا في جماعة أخرى منظّمة أكبر عمرًا منّا، كانوا قد تجاوزوا المراحل اللّيّنة التي كنّا نمرّ بها، وبدؤوا في اختبارات في تقديري ليستْ إلا عسكرية، خطط لأعمال عنف ضدّ الحكومة، وتدريب على الرماية، ومسائل حين استمعتُ لها أصابني الفزع، كانت كومًا ثانيًا. بعد يومَيْن فقط شاهدتُ كما شاهد العالم حادث المنصّة واغتيال السادات. ربّما راودني إحساس بالارتياح للحَدَث الضخم، أو ربّما مثل كثيرين أصابتْني الدهشة التي جعلتْ عقلي يسعد بأن حاكمًا بأمر الغطرسة قد قُتل في يوم، لا يمكن للمرء أن يتصوّر فيه ما حدث، أو الإحساس بأن ثقلًا هائلًا أطبق على قلب البلد، وأخيرًا أُزيح بغير رجعة. هل غذّى تلك المشاعر ما غسل به هؤلاء البشر عقلي حتّى أصبحتُ أجد فيه الأمل مثلهم؟ خلال يومَيْن من التفكير، اكتشفتُ أن الأمر لم يعد مُجرّد تقرّب من الله وعبادة، بل خطّة كبيرة، ربّما أكبر من خيالي بكثير. هل كانوا يرغبون أو يطمعون حقًّا في السيطرة على الحكم؟ لم يدرْ ببالي هذا الخاطر من قبلها. كان عليّ إعادة تأمّل كلّ شيء، فقرّرتُ التّوقّف عن الذهاب إلى المسجد، وكثّفتُ من قراءاتي العلمانية. وبالتدريج، كنتُ أرى زيف تلك التجربة بكلّ ما فيها. والأهمّ الكذب الصارخ فيها للتّعلّق بالدِّين من أجل أسبابٍ دنيوية محضة هي السلطة. أتساءل خلال الفراغ الكبير الذي أعيشه بعد غيابكِ عن أشياء كثيرة، أسأل نفسي بينما أسأل عمّا جذبني إليكِ، غير جمالكِ، وضحكة عينَيْكِ الخضراوَيْن رغم إصرار الجميع على أنهما زرقاوان اللَّتَيْن يمكن لهما أن تُضحِكَا العالم كلّه. الإجابة تمثّلتْ في هذا الإحساس الغامض بأن مصيرنا واحد، وباشتراكنا في البساطة. لم تكوني بالغة التّأنّق مثل جاكلين مثلًا. ولا أُقيّم هذا الآن. فقط أصفه وأراه كان مثاليًا بالنسبة لي. أعتقد أن قراركِ بالرهبنة له علاقة بتكوينتكِ المستغنية أيضًا. ولهذا أعتقد أننا أحببْنا بعضنا البعض. كنّا نبحث عن أشياء أخرى مختلفة عمّا يمتلكه الآخرون. في هذا الفراغ، وفي مواجهة الزمن، هنا في غرفة المعيشة الصغيرة التي تعرفين. أجلس لأكتب هذه السطور، بينما ينازعني الأمل أن أسمع طَرَقات الباب، وأفتح لأراكِ، فنجلس لنستكملَ هذا الحوار، وكأن شيئًا لم يكن. ولكنْ، حتّى الآن، لا طَرقات. كالأحلام كلّها التي أحلمها ولا تتحقّق. لا أسمع إلا صوت نبضات قلبي المتوتّرة. سوف أُنصت الآن لأُغنيّة من أُغنيّات ماجدة الرومي التي كنّا نسمعها في الوكر معًا، "خِدْني حَبيبي" أظنّها كانت المُفضّلة بالنسبة لكِ. "تصبحين على خير أينما كنتِ، يا عمري الضائع". الجمعة 2 فبراير 1996 الرسالة 5 حبيبتي تذكّرتُ شيئًا نسيتُ أن أذكره لكِ في الرسالة السابقة حول موضوع إنقاذي من "الجَمَاعة" التي كان مقتل السادات المبرّر الرئيس للانسحاب التدريجي من صحبتهم وللأبد. بالإضافة للقراءة، كما ذكرتُ لكِ، تذكّرتُ شخصية، أدين لها أيضًا بالكثير. كان ذلك الشخص شابًا أزهريًا، يدرس في المعهد الأزهري، وأكبر منّا قليلًا في العمر، لأنه في العام اللاحق أنهى السنة الثانوية النهائية، وانتقل لدراسة الطّبّ في جامعة الأزهر. "كان شابًا نحيفًا قصيرًا، ظهره منحنٍ قليلًا، ويرتدي زيًّا مَدَنيًا عاديًا، وغالبًا بنطلونًا رماديًا، يستبدل عليه قمصانًا وبلوفرات ضيّقة. كنّا نتبادل الحديث كثيرًا بعد انتهاء الصلاة في المسجد، لكنه لم يكن يترك فرصة لكي يحذّرني من "الجماعة" وخطورة الأفكار التي يتبنّونها. قدّم لي وجهًا مختلفًا للدِّين، أقلّ تشدّدًا، وأكثر انفتاحًا على الحياة. ولهذا كنتُ أبتهج بصحبته بالفعل، وأظنّه أتاح لي وضع حاجز نفسي بينهم، وأعتقد أيضًا أنّهم شعروا بذلك. كانت هناك نظرات ريبة مستمرّة منهم تجاهي، كأنهم يتشكّكون في ثقتي فيهم وانتمائي لهم. طبعًا الإحساس الذي حاولوا أن يُوصِلُوه لي هو قلّة ثقتهم في تديّني والتزامي. لكني لم أكن أبالي كثيرًا، لأنني أيضًا كنتُ أشعر بشيء مُزيّف جدًّا وطبقي، كما أخبرتُكِ من قبل في تصرّفات العديد منهم. مع إصرارهم على ارتداء الجلابيب القصيرة وإطالة اللحى، والتّعطّر برائحة المِسك الخانق، ووضع السواك في جيوب جلابيبهم. وطبعا يهتمّون بإبراز تلك "الزبيبة" التي تظهر كبقعة داكنة في أعلى رؤوسهم، ليؤكّدوا للعالم على صلاتهم. كان يسخر من هيئاتهم وتفسيرهم للدِّين، من دون اعتبار للتاريخ الذي مرّ، وكان يرى أنهم شكلانيون، ولا يعيرون اهتمامًا حقيقيًا لجوهر الرسالة الإسلامية، بقدر ما يعتمدون على مرجعيات متشدّدة منتقاة من التراث الدِّيني، وبطريقة مُوجَّهة جدًّا. كان يرى أنهم يريدون فقط أن يقولوا للعالم إنهم مؤمنون. لا ينشغل أيّ منهم بذاته المؤمنة، بقدر ما ينشغل بشكله "المؤمن" أمام الناس. كان أيضًا لطيفًا وخفيف الظّلّ، وليس مثل قياداتهم الذين لا ترين على وجوههم إلا تلك الابتسامات المتذاكية الصفراء، أو خشوعًا مُرائيًا، أو تجهّمًا غامض الأسباب. أقصد أنه لم يكن مفتعلًا مثلهم، بل طبيعيًّا، وعلى سجيّته. المدهش أنه لم يختلط بهم إطلاقًا، أو يقف معهم أو يتودّد إليهم. أظنّه كان يعرفهم جيّدًا، ويدرك أيضًا أنّهم على علمٍ تامّ بالطريقة التي يراهم بها. وتذكّرتُ الآن أيضًا أن بين مَنْ كانوا يراقبوننا، ويحاولون حراستنا منهم، أقصد طبعًا حراستنا من سطوة أفكارهم علينا، أحد شباب الحيّ الأكبر عمرًا. كان متديّنًا معتدلًا، ومَدَنيًا، ويعمل مُعلّمًا للتاريخ. بالمناسبة كان يسكن قريبًا جدًّا منكم، وكنّا نتحدّث كثيرًا عن شقيقه، محترف لعب "الكرة الشراب" في الميدان، لو تذكرين؟ المهمّ، أنه كان حريصًا على إظهار فكرة العقلانية في موضوع التّديّن، خلال الفترات التي كان يجلس معنا فيها أمام المسجد بعد انتهاء الصلاة، أو حتّى في داخل مسجد فريد المصري، قبل إقامة الصلاة أو بعدها، وفي فرصٍ أخرى عديدة. كانت له شخصية المُدّرس القيادي المسيطر على نحوٍ ما، ربّما ليؤكّد بها نفوذه أمام محاولتهم استلاب عقولنا. في اليوم الذي قُتل فيه السادات على أيدي قيادات الجماعة، تذكّرتُ مقولاتهم عن ضرورة موت الطاغوت، وتساءلتُ هل كانوا بالفعل على اتّصالٍ مع تلك القيادات التي نفّذَت عملية المنصّة؟ هل التقوا أو عرفوا الإسلامبولي؟ أو طارق وعبود الزمر؟ وكافّة الذين تورّطوا في حادث المنصّة؟ بعد الصلاة، لم يكن أحد منهم موجودًا، لم يتواجد سوى بعض الأصدقاء الشباب من عمري ممّن كانوا قد التفّوا حولهم من أجل العبادة والصلاة، أمّا المجموعة الأكبر عُمرًا منّا، فلم نرَ منهم أحدًا. استدعيتُ كلمات صديقي الأزهري عنهم، وتبيّنتُ أنه على حقّ، فالأمر بالنسبة لهم ليس مُجرّد مسألة دينية وعبادة، بل هناك ما هو أخطر وأبعد تمامًا من ذلك. وصحيح أن كلامًا مثل "الحاكمية لله" وعن "ضرورة قتل الطاغوت" كان يتردّد كثيرًا. ولكنْ، لم أتصوّر أبدًا أن يُصبح هذا الأمر واقعًا. في الشهور والسنوات اللاحقة كنتُ أتابع أخبارهم، وأعرف أن بعضهم تمّ اعتقاله، والبعض ابتعد عن التنظيم، وإن لم يتخلّ عن ارتباطه بهم. والبعض انتمى لجماعات أكثر تشدّدًا. كانت كلّها قضايا سياسية، وليستْ دينية، وتعميمًا لفكرة "الجهاد" التي تمّ بها تحويل الفكرة أيضًا تدريجيًا من قضية دعوية إلى فصائل مسلّحة، تنتهج العنف ضدّ الدولة وضدّ المجتمع الذي تمّ تكفيره على أيدي قيادات الجماعات. من بين هؤلاء جميعًا، ارتبطتُ بشخص واحد، كان مُخلصًا للانتماء للجماعة من منطلق التّديّن والتّعبّد. وكان من بين مَنْ يحرصون على الاعتكاف في المسجد في العشرة أيّام الأخيرة في شهر رمضان. كان شابًا أشقر وسيمًا، أخضر العينَيْن، يبدو أصغر من عمره، وذكيًّا. وكنّا نتنافس في تلاوة القرآن في المسجد، بقراءَتَيْن متباينَتَيْن، إذ كانت تروق لي قراءات الشيوخ المصريّيْن الكبار مثل عبد الباسط عبد الصمد، بينما كان ميّالًا للتلاوة على طريقة المدرسة الوهابية. وصُعقتُ حين عرفتُ لاحقًا أنه تعرّض للاعتقال، وكان بين مجموعة مسلّحة تبادلت إطلاق النار مع الأمن في تلك الليلة الدموية الرهيبة التي سمع فيها أهل توريل إطلاق النار فجرًا. كنتُ أحاول تخيّل شكله وهو يحمل سلاحًا آليًّا، ويختبئ أعلى سطوح بناية من البنايات التي سمعنا إطلاق النيران من جهتها في تلك الليلة المروّعة، ولم أتمكّن من تخيّلها .. لا يمكن. أسفتُ على مصيره، وعلى هشاشة تكوينه الثقافي الذي جعل منه لقمة سائغة في أيدي تلك الجماعات الدموية. ومع ذلك، فلكِ أن تتخيّلي، كان ذلك الشّابّ الأزهري للأسف سببًا في أن أقطع علاقتي بشخصٍ، كنتُ أحبّه جدًّا، ولكنّي لم أخبركِ بالأمر من قبل، لأنني كنتُ أخجل من هذا الأمر. هل تذكرين "باسم"؛ ابن طنط كارمن؟ تصادقْنا في المدرسة خلال فترة اختفائكِ، وبدأتْ علاقتي به قبل التحاقي بالجماعة، واستمرّتْ حتّى بعد أن بدأتْ رحلتي معهم بعد موت عماد بستّة أشهر تقريبًا. كان "باسم" قارئًا ممتازًا، وكنّا نتبادل الكُتُب، وجَمْع طوابع البريد، وصحيح أنه خجول، لكنه بعد أن توثّقتْ علاقتنا بدا لطيفًا جدًّا، وذهبتُ معه أكثر من مرّة إلى "استاد المنصورة"، فبين الأنشطة العديدة المُلحَقَة بإدارة "الاستاد الرياضي"، كان هناك نشاط موسيقي، عرفتُ أنه التحق به، ليتعلّم العزف على "الكمان"، وبدأتُ أتدرّب على الإيقاع، وخصوصًا "الدرامز" الذي كنتُ مبهورًا به، لكن الصديق الأزهريّ بدأ يقول لي إن العلاقة مع المسيحيّيْن مكروهة، وإن الأفضل أن أقطع علاقتي به. ظلّ في داخلي صراع طويل، لكني حسمتُهُ في النهاية لصالح نداء الدِّين كما صوّروه لي، وقطعتُ علاقتي بباسم. واختفى من حياتي للأبد، وللأسف الشديد. لكن هذا ما حدث، وخجلتُ أن أحكيه لكِ، ولكنْ، لا بدّ أن أعترف لكِ بهذه الغلطة الرهيبة، والعجيبة. أنا أقطع علاقتي بمسيحي؟ وأنا أصلًا ذهبتُ للمسجد للتّقرّب إلى الله حزنًا على موت عماد أقرب الأصدقاء لقلبي. حين أتذكّر الأمر أقول لنفسي فعلًا هؤلاء الناس تسبّبوا في إصابتي بلوثة عقلية. أتمنّى حين تعرفين بهذا الأمر ألا تفكّري أنتِ في أن تقطعي علاقتكِ بي! المحبّ للأبد،،،، الجمعة 8 فبراير 1996 الرسالة 6 حبيبتي .. عدتُ قبل دقائق من محطّة مصر. ودَّعتُ نادية التي جاءتْ إلى الإسكندرية وحدها، وأصرّتْ على العودة في الليلة نفسها. تركتْ نسرين ابنتها في بيت العائلة. العائلة التي تعاني من الفراغ، على ما يبدو! فالوالد والوالدة يعيشان أزمة. والوضع مشتعل بينهما. يرى السّيّد الوالد المبجّل أنها السبب في إقناعه بالموافقة على زواجنا، أنا وأنتِ! وأنه بسبب ما يصفه ب"قلّة العقل" هذه، تسبّب في كارثة كبيرة. وأمّي تبكي بلا انقطاع حُزنًا، وغضبًا من أبي. فما الذي يمكنني فعله لهما؟ أيّ زواج هذا الذي يتحدّثان عنه الآن؟ أنا هنا في الإسكندرية أُعاني من الوحدة والخوف. وأنتِ حيث تكونين. وحنين وحدها في آخر العالم، ويتحدّثان عن الزواج! يا أبي! حدِّثني عن الرحمة، أو عن الأمل، أو عن أيّ شيء آخر، أرجوكَ. سألتُ نادية عن تصوّراتها لحلول مناسبة لأزمة الوالد والوالدة، فاقترحتْ عليَّ أن أُحضر حنين من فرنسا، لكي تزور مصر، ولو حتّى في إجازة قصيرة. فربّما يساعدهما ذلك في تجاوز المحنة. نادية أيضًا تلومني قائلة إن حنين لن تعيش حياتها كلّها هكذا بعيدة تمامًا عن أهلها وعائلتها. وتقول لي إنه يكفي ما تمرّ به من ظروف. كأنني لا أعرف هذا كلّه، كأنني لا أعاني أكثر من الجميع. أنا بين نيران كثيرة. فكرة وجودها في مصر تُصيبني بالرعب. لكني أضحك من نفسي حين أتأمّل غيابها بعيدًا عنّي في باريس على بُعد مئات الكيلومترات، بينما أتصوّر في ابتعادها عن هذا الجحيم أمنًا وأمانًا! يجعلني أشعر بأنني مُجرّد شخص مختلّ عقليًّا. بصراحة لا أعرف كيف أفكّر في الأمر. وسوف أبوح لكِ بسرّ: فأنا الذي يدّعي أنه لا يعرف الخوف في حياته، أشعر بنوعٍ مجنون من الرُّهاب. حين أسافر للقاء حنين، تأتيني مشاعر عنيفة بأنني مُراقَب. لا تسأليني كيف؟ أشعر أن قاتلًا مُحترفًا يتتبّعني من مكانٍ خفي لكي يتعرّف على مكان حنين، ويتصيّدها، لتكون هدفًا تاليًا من بعدكِ. وربّما لكي أكون أنا الهدف. وأبذل جهدًا خرافيًّا، لكي أسيطر على هذه المخاوف وأنا معها. يبدأ الأمر من المطار. أرتاب فيمَنْ يجلس بجواري في الطائرة. أكان رجلًا أو امرأة. أفقد شهيّتي للأكل. وأتظاهر بالنوم للهروب من فكرة وجود مَنْ يترصّد ما أفعله. بعد وصول الطائرة، يصبح الشخص المجاور لي هدفًا لتلصّصي. أتوقّف عدّة مرّات حتّى يتجاوزَني، لأتأكّد أنه لا يتتبّعني. يُحاصرني الشّكّ في كلّ شخص يقترب منّي. هل تتصوّر نادية أنني سأذهب وأعود بحنين وأنا بهذه الحالة؟ أختي الطّيّبة. لا يمكنني ذلك. لا يمكن. هل تفهمينني، يا حبيبتي؟ أنا أموت بالخوف. ربّما سأحتاج لعلاج نفسي قريبًا، على الأقلّ، لكي أتمكّن من التماسك لأطول وقت ممكن حتّى أستطيع تدبُّر شؤون حنين. وجودها مع أحمد حسين وعائلته فعلًا يُسبّب لي الكثير من الاطمئنان، لكنْ، لا أحد في الكون يمكنه إيقاف كَمّ الهواجس التي تسيطر على عقلي يوميًّا. لذلك لا أرى حلًا للأزمة بين ماما وبابا. إن رغبا، فليسافرا لباريس، ليريا حفيدتهما. وسوف أرافقهما طبعًا، أمّا غير ذلك، فلا يمكنني أن أفعل شيئًا. الآن لا أملك إلا الانتظار، والكتابة إليكِ، كلّما تمكّنتُ من ذلك. الجمعة 3 مايو 1996 الرسالة 7 بدون أيّ مقدّمات أشتاقُ إليكِ. دخلتُ إلى حجرة "حنين" اليوم كأنني أراقب نومَها، وأُنصتُ لصوت تنفُّسها الهادئ، كما كنتُ أفعل في سنواتنا الأولى في الإسكندرية. لم أتمكّن من النوم. حضرتْ ليالينا لمخيّلتي. ظهرُكِ العاري. أبدأ طقوس تقبيله. من الرقبة إلى الكتفَيْن، إلى سِلسلة الظّهر وما حولهما. أتنشّق رائحة جسدكِ بينما أُقبِّل كلّ جزء منه تقريبًا. أنفي مزروعة في لحم ظهركِ، كأنها رقيب الشَّفَتَيْن، تتنشّق كلّ ما تلمسه الشَّفَتَان. تناثرتْ على فراشي ذكريات ليالينا، في المنصورة وهنا في الإسكندرية. وأقضّتْ مضجعي. "الناس نامت إلاك .. الناس نامت إلاي .. واقف لِك في الشّبّاك. باستنّى اليوم الجاي. يمكن يِسقينا الشاي. يمكن يعطينا الناي". يقول منير، وكنّا نغنّي أُغنيّاته معًا زمان. حين كنّا نتوهّم قدرتنا على قَهْر العالم ونحن نغنّي. "باصص على مين، يا صديق .. على طفل معاه مفتاح". أستدعي ليالينا التي كُنّا نقضيها ساهرَيْن في الشرفة نُغنّي، أو نُردّد الشِّعْر، أو نضحك كلّما استدعينا مغامرات المنصورة أو بعض شخصياتها الطريفة والغريبة. تحضر الذكرى، فلا أعرف أأفرح بها وأتمادى في استدعائها؟ أم أكتفي بطيف أشباحها البعيدة؟ أغنّي مع منير؟ أم أُنصتُ لمَنْ تحبّين: عبد الحليم، وماجدة الرومي؟ وبينما أستدعي تلك الليالي وجسدكِ الجميل، سمعتُ صوتًا غريبًا. لم أدرك طبيعة الصوت. تهيّأ لي أنه مواء قطّة خارج الشّقّة. وبالتدقيق، سمعتُ صوت حنين من غرفتها يناديني. قمتُ مفزوعًا، ودخلتُ الغرفة. لا شيء! لم أسمع صوت الكروان منذ افترقْنا. أعتقد أن الكروان مقيم في المنصورة فقط. لم أسمعه هنا في الإسكندرية. هل تذكرين غرامكِ بصوته؟ وإحساسكِ أنني الذي أرسله إليكِ؟ تذكّرتُ ذلك فجأة وأنا أبحث عن مصدر الصوت الذي تهيّأ لي أنني سمعتُهُ قبل قليل. لم يكنْ هناك أحدٌ. ولم يتكرّر الصوت. وفي كلّ حادثٍ غريبٍ كهذا يسيطر على خيالي وجه حنين الذي لا يفارقني. أسأل نفسي هل هذه علامة؟ هل تواجه خطرًا ما؟ أو ربّما مريضة؟ هواجس العالم كلّه تبدأ في الهجوم على عقلي. لو، لا قدّر الله، أصابها شيء، فسوف يتّصل بي أحمد بالتأكيد. فكّرتُ في الكتابة لكِ لتخفيف حدّة التّوتّر الذي أشعر به. كأنما آنس بكِ. يفترض أن أسافر إليها قريبًا، فقد بدأتْ إجازتها منذ أسابيع. وأنا أضرب أخماسًا في أسداس لبحث الطريقة التي يمكن أن أسافرَ بها. اليوم كان إجازة، ولم أفكّر في السفر للمنصورة، من شدّة التّوتّر والقلق، ولا أحتاج إلى المزيد منه. لولا تأخّر الوقت، لاتّصلتُ بها، لأطمئنّ عليها. لكني مضطرّ للانتظار حتّى الصباح. المحبّ العاشق،، 23 يوليو 1996 الرسالة 8 حبيبتي وأنا أفكّر كيف أبدأ لكِ هذه الرسالة، اكتشفتُ أنني لم أكتبْ إليكِ منذ فترة طويلة. ولا أعرف لماذا يتداعى لذهني مجموعات من غريبي الأطوار من أهل المنصورة. تذكّرتُ "عمّ نبيل" البقّال، ولا أعرف لماذا؟ هل تذكرينه؟ ربّما تذكّرتُهُ وأنا أستدعي نماذج غريبي الأطوار في مدينتنا. كان شخصية لغزًا. لا نراه إلا مُمسكًا بكتاب. ولو فتحْنا معه موضوعًا، أفاض علينا شرحًا فيه كأنه خبير، وباستخدام لغة عربية فصيحة وفخمة. قيل إنه قضى فترة في المعتقل، ولكننا لم نجرؤ على سؤاله أبدًا. كنتُ متيّمًا بردّه على تحيّتي له: – عمتَ صباحًا، يا ابني. ولو حيّيتُهُ مساء، لقال: – عمتَ مساءً، يا ابني. عمتِ مساءً، إذنْ، يا حبيبتي. وقد جلستُ لأكتبَ لكِ اليوم بعد ليلةٍ مريرة قضيتُها أمس. وبمُجرّد ما أشرقت الشمس، اتّصلتُ بحنين طبعًا. والحمد لله الأمور كلّها بخير. تحدّثتُ معها بعد عودتِها من المدرسة، وأخبرَتْني أنها تشعر بتحسّنٍ في الكلام. وأنها الآن أقلّ تلعثمًا، والحروف لا تتعثّر في لسانها، كما كان الأمر في المدرسة الداخلية. أشعر براحة نفسية كبيرة الآن. فقد اضطرّ أبي لبيع شقّة الإسكندرية التي اشتراها لنا هنا، والتي لم تسمح ظروفنا للانتقال إليها. وأنا أيضًا لم أرغبْ في الانتقال لها. ولولاها ربّما ما عرفنا كيف نُسدّد نفقات علاج حنين في فرنسا. أخبرتْني أنها سعيدة جدًّا مع سيسيليا، زوجة أحمد، ومع ابنتهما ناتالي. من غرائب الصدف أن حنين أكبر من ناتالي بعامَيْن اثنَيْن، ولذلك، فعمرهما المتقارب أتاح تقاربهما مع بعضهما البعض بسرعة. والآن حنين بلغت العاشرة من عمرها. تصوّري؟ تقول إنها تشعر إنها فعلًا في بيتها. لن أنسى هذا الجميل لأحمد حسين، وزوجته ما حييتُ. فكّرتُ في موضوع السّيّد الوالد والسّيّدة أمّي، وقرّرتُ أن أخبرهما أنه لا مجال لإضاعة وقت حنين في السفر لمصر والعودة. وأنهما إذا رغبا، فسوف نسافر لها في إجازة الربيع، فلن يحتملا برد إجازة الكريسماس بالتأكيد. ما إن تأتي سيرة عمّ نبيل إلا وتعاودني رائحة المحلّ. كان مختلفًا. رائحة الصابون العتيق ربّما كانت تسيطر على محلّ عمّ نبيل المعتم نسبيًّا، مقارنة بالبقّالات الأخرى. والطريف أنني، ولا أعرف إذا كنتُ قلتُ ذلك لكِ من قبل أم لا. كنتُ أشتري منه السعوط، أو "النشوق" كما نقول عنه. ألهمَنا إيّاه "أمين الهنيدي" في مسرحية من مسرحياته، كان يعطس فيها بعد كلّ نشقة صارخًا: "الله يخرب بيتك، يا نشاشقي، يا بتاع النشوق". جربتُهُ على سبيل المرح والتقليد، لكنني أحببتُ الرائحة الغريبة للنشوق. كان يستدعي عندي مشاهد من رواية "الأرض الطّيّبة" ل "بيرل باك". كان الصينيون هناك يُدمنون الأفيون، ولكني وجدتُ في هذا الخليط البُنّيّ ذي الرائحة الغريبة، الذي يبدو مزيجًا من عبق البهارات والتبغ معًا، ما يذكّرني بالرواية، وكنتُ سعيدًا باقتنائي هذا "الحُقّ" المعدني الدائري الصغير في جيبي، لأُخرِجَ منه بين فينة وأخرى نَشْقَة، أضعها على مدخل أنفي، وأتنشّقها، ثمّ أعطس عطسة قوية دامع العينَيْن، ولم يشاركني هذا المزاج الغريب إلا صديقنا "عليّ"، وربّما جرّبها "جلال" مرّة، ثمّ أخذ يلعن معرفتنا وغرائب تصرّفاتنا. أمّا الآن في مثل حالتي هذه، لا أحتاج إلى نشوق أو سعوط، بل إلى جرعات من المورفين أو أيّ شيء يُوقِف عمل رأسي، ويُبقيني ذاهلًا. ربّما لم يحنْ أمر المهدّئات والمخدّرات بعد، يا كريستا. أحتاج إلى أن أكون متيقّظًا جدًّا، ومتأهّبًا، ومستعدًا لكي نمرّ أنا وحنين من أزمتنا هذه أوّلًا. أفكّر أيضًا في تدوين خواطري، ربّما لكي أشرح لحنين حقيقة كلّ شيء، وحين تكبر يمكنها أن تفهم طبيعة الوضع المعقّد الذي اضطُرّتْ لأن تعيشه. لا أعرف. أخشى إذا بدأت في كتابة هذه المذكّرات أن تُؤثّر في الكتابة لكِ. هذه الرسائل هي التي تمنحني الأمل بعودتكِ، لأني أكتبها بيقين أنكِ سوف تقرئينها يومًا ما. حبّي كلّه الجمعة 16 مايو 1996 الرسالة 9 بالرغم من أنني قضيتُ وقتًا طويلًا في الشركة، لأن لدينا قضايا عديدة الأسبوع المقبل، لكني لم أرغب في العودة للبيت مباشرة. في الأيّام التي أتعرّض فيها لأعباء أكبر في العمل عادة ما أرغب في إراحة ذهني قليلًا. لم أجد في نفسي أيّ رغبة في الالتقاء ببعض الأصدقاء الجدد الذين تعرّفتُ عليهم هنا. راودتْني الرغبة فقط في المشي على الكورنيش، والتّوقّف قليلًا عند بعض الأماكن التي قضينا فيها، أنت وأنا، أوقاتًا رومانسية. أتساءل أحيانًا ما الذي يُبقيني في الإسكندرية؟ إذا كنتُ خسرتُ فيها أهمّ إنسانة في حياتي، وإذا ما عادت إلا مكانًا مُوجِعًا ومَوضِعًا لاستعادة الذكريات؟ ليس لديّ إجابة محدّدة. كما أنني لستُ راغبًا في العودة لبيتنا في المنصورة، لأن نظرات الشفقة التي ستُسلّطها أمّي عليّ هي آخر ما قد أفكّر فيه الآن، كما أنني لن أتحمّل أيّ نقاشات عقيمة مع أبي حول المستقبل وعودة حنين لمصر. ساعات يتمحور تفكيري حول شخص واحد، وهو خالكِ موريس. لا أعرف لماذا أشعر أنه الوحيد الذي يقف خلف الأحداث؟ حدّثتِني كثيرًا عن انشغالاته بأشياء، لم تكن تخطر على بالنا عن المسيحيّيْن والمسلمين، لا نعرف من أين كان يجمعها. كان مُتَزمّتًا بشكلٍ يجعلني اليوم أشكّ فيه أكثر من غيره. ولكني لا أستطيع أبدًا التخمين في حقيقة ما فعله. هل أجّرَ أشخاصًا، ليخطفوكِ مثلًا؟ ولكنْ، حتّى لو حدث ذلك، فإلى أين؟ هل ذهبوا بكِ إلى دَيْر مثلًا؟ أم، لا قدَّرَ الله، فعل ما لا قدرة لي على تخيُّله. لا أظنّه يمكن أن يؤذيكِ، فهو، مهما كان الأمر، خالُكِ في النهاية. سيرة خالكِ موريس تُسبّب لي الغضب، وتثير في ذاكرتي ملامح كلّ مَنْ عرفتُ من متطرّفين ومتعصّبين. القَتَلَة والمجرمون كلّهم. كنتُ في الفترة التي أحاول فيها البحث عن أسئلة لإجاباتي عن معنى الحياة مشغولًا بسؤال باطني واحد. كيف يراني الله؟ كنتُ أحبّ السجود، لأنه من أكثر لحظات إحساسي بأنني أتوجّه إليه وحده. لا يراني أو يشعر بما يدور في خلدي إلاه. كنتُ آمل أن أفعل الصواب فقط، وما يُقرّبني إليه، ولا يؤذي أحدًا. أحبّ أن يقرأ الإمام من سورة، تكون فيها آية ممّا يستوجب إيقاف التلاوة، وأداء سجدة إضافية، وأيضًا كنتُ أحبّ أن أقرأ من المصحف، فتصادفني آية من آيات السجود، فأضع المصحف بجواري، لأؤدّي السجدة، وأعاود التلاوة. لكنْ، ما إن أرفع عينَيّ من السجود، وأرى أمامي واحدًا من المُرائين الذين يُظهِرون خشوعهم التمثيلي لنا نحن البشر حتّى تمتلئ روحي بالغضب. كانت الشكلانيات والمظهريات كلّها تُنفّرني، أكانت في الحياة العامّة أو في ادّعاء التّديّن، ولهذا بدأتُ تدريجيًا أبتعد عن المظاهر كلّها، بل وأصبحتُ أشعر باحتقار كلّ محتفٍ بالمظاهر الشكلانية، لكي يظهر للناس أنه مؤمن أو متديّن. وخالكِ واحد منهم بالمناسبة، وهو عندي مثله مثل أيّ من المتطرّفين الإسلاميّيْن، والمنافقين. في الوقت الذي تحلّ فيه هذه الهواجس على خيالي، أفكّر في الذهاب إليه مباشرة، لعلّني أُجبره على الاعتراف بكلّ ما أشكّ في أنه السبب الحقيقي وراءه. وربّما وجودي هنا بعيدًا عنه يحميني من مخاطر، لا حاجة لي بها الآن. وبالرغم من يقيني هذا، فأنا في النهاية لا أملك دليلًا على تورّط خالكِ في ذلك كلّه. لكن زيارته للوالد في البيت، كما عرفتُ، من نادية أمرًا لا يمكنني السكوت عليه. وأحيانًا أفكّر أنه إمّا يحاول أن يعرف عنّي أو عن حنين شيئًا، أو يُدبّر لي أمرًا. نادية تقول إن بابا صرفه بهدوء، وإن الأمر لا يستدعي الاهتمام. لكن الشيطان تملّك عليّ، وقرّرتُ الذهاب للمنصورة. ذهبتُ بالقطار، ونزلتُ من المحطّة مباشرة إلى بيت خالكِ. وكنتُ أغلي من شدّة الغضب. ولا أعرف كيف أسيطر على نفسي. وما إن ظهر حتّى لكمتُهُ بقوّتي كلّها. ولن أحكيَ لكِ بقية التفاصيل، لأنها مُخجِلَة، فقد انتهى الأمر بنا في قسم ميت حدر. وتعهّد كلّ منّا ألا يتعرّض للآخر. ربّما لا أستطيع أن أتّخذ قرارًا بالانتقال إلى القاهرة أو أيّ مدينة أخرى، لأنني لا أمتلك الهمّة لذلك بصراحة. أعتقد أنني مُنهَكٌ عصبيًا، لدرجة تمنعني من عمل أيّ شيء خارج نطاق الأمور الروتينية التي أعدّ نفسي مُجبَرًا عليها. عرفتُ أن أبي صفّى أعماله في الشركة، واشترى أرضًا زراعية قرب بدواي، ويذهب ليباشرَها أغلب الوقت الآن. أنا أعتمد عليه كثيرًا بصراحة في تدبير مصروفات حنين حتّى الآن. وهو لم يتأخّر، خصوصًا في فترة علاجها. لولاه لا أعرف ماذا كان يمكنني أن أفعل. الدخل الذي يتوافر لي من العمل بالكاد يكفي مصروفاتي وقَدرًا من مصروفات الإعاشة التي تحتاجها حنين أو بعض طلباتها. مؤخّرًا فقط، بدأتُ أفكّر في البحث عن عقد عمل في أيّ مكان خارج مصر، فلربّما سيكون هذا هو الحلّ المثالي، سأبتعد عن الذكريات والهواجس كلّها التي تُحاصرني هنا، ثمّ أستدعي حنين أيضًا، لتعيش معي. لكني لستُ مستعدًا لذلك بعد. أحتاج إلى الاطمئنان أوّلًا على شفاء حنين التّامّ، والتّأكّد من قدرتها على تجاوُز محنتها النَّفْسية بشكل كامل. لا أريد أن يكون انتقالها مرّة أخرى من غربة إلى غربة سببًا لتأخّر حالتها. أفكّر أحيانًا في تغيير المكان، وخصوصًا هذه الشّقّة التي تربطني بكما، فلربّما تحسّنتْ حالتي النفسية قليلًا. ولكنْ، مَنْ يملك أن يبثّ الحماس في روحي الخاملة، لكي أبحث عن شقّة، وأجد واحدة مناسبة، ثمّ أنتقل إليها وأنا في حالتي هذه؟ صعب جدًّا. كلّ ما أفعله هنا لا يُذكّرني إلا بكِ. المشي على الكورنيش. الجلوس في مقاهينا المفضّلة. الذهاب إلى السينما لمشاهدة فيلم. مطاعم السمك. المشي فجرًا تحت المطر. كلّ شيء. وحتّى حين ألجأ لأماكن جديدة، لم نذهبْ إليها معًا، فسرعان ما يحلّ طيفكِ وأراكِ جالسة بجواري، كأنكِ تصنعين معي الذكريات بروحكِ أيضًا. المنصورةوالإسكندرية بعد أن كانتا مدينتَي الحبّ بالنسبة لي، أصبحتا مدينتَي الألم، والذكريات، لشخصٍ يتمنّى أن يُصاب بفقدان الذاكرة.. فتخيّلي! أنام بالساعات هروبًا من الذكريات، فأحلم بكِ. لكن الحلم الذي تبدين لي فيه جميلة وهادئة ومحبّة بضحكتكِ التي يضحك لها العالم، يختلف عن الذكريات، لأنه يُسبّب لي سعادة حقيقية. المشكلة أني لا أستطيع أن أُوفّر وقتًا مناسبًا لإجازة طويلة، أقضيها معها في فرنسا، لأني أيضًا مضطرّ ألا أتأخّر على زيارتها طويلًا. أشعر بالتعب. أحيانًا أفكّر بالتّوقّف عن الكتابة إليكِ حتّى أتجاوز هذه المحنة. بدأتُ الاتّصال بعدد من الأصدقاء، وبينهم صديق قديم، اسمه مصطفى، يعيش في دبي، ويعمل في الشؤون القانونية بشركة هناك، وأبدى استعداده لبحث عن فرصة ما هناك. لو توفّق في ذلك، فلن أتردّد غالبًا. 14 مارس 1997 الرسالة 10 حبيبتي كَمَنْ يشعر أنه لن يرى المنصورة مرّة أخرى، قضيتُ ثلاثة أيّام، ولكني لأوّل مرّة لم أجد نفسي راغبًا في البقاء في البيت مع أمّي وأبي كما هي العادة. مررتُ على نادية في المختلط، وعندما نزلتُ من عندها، وجدتُ في نفسي رغبة في المشي. تركتُ السّيّارة في مكانها. ذهبتُ لزيارة خالتي دُرّيّة في بيتها في "السِّكَّة القديمة". طرقتُ الباب الخشبي الضخم في مدخل العمارة القديمة بالمقبض المعدني الضخم، فشدّت الحبل المربوط، بالقفل الداخلي ليُفتَح الباب من دون أن يُضطرّ أحد للنزول لفَتْح الباب. وصعدتُ درجات السّلّم الرخامي، التي تبيّن لي أنها تآكلت تمامًا. ووجدتُها تقف على باب الشّقّة في استقبالي. فرحتْ خالتي بالزيارة، فهي تعيش وحيدة بعد زواج وسفر أحمد وسعيد. وشربْنا الشاي على سيرة الذكريات. خرجتُ للشرفة التي كنتُ أطالع منها وأنا صغير، فناء كنيسة الروم، التي وقعتُ في غرام المسيحيّيْن بسببها. استعدتُ ما بقي من ذاكرتي. استعدتُ زمنًا كاملًا، وصخبًا وحيوية وهرجًا ومرجًا وألوانًا كانت تُميّز مشهد الفتيات والشباب في الكنيسة. ونادتْني خالتي محذّرة بأن الشُّرفة معرَّضة للسقوط في أيّ لحظة، والبناية كلّها قد تتعرّض في القريب العاجل بعد إحضار المالك، ما يُثبِت أنها آيلة للسقوط، لاستخراج قرار إزالة، لأنها يجب أن تُهدَم. وشعرتُ بحزن ثقيل جدًّا وأنا أجلس معها، أراقب السقف الخشبي الشاهق، وأنا لا أتخيّل أن هذا المبنى شبه الأثري يمكن أن يتعرّض للهَدْم. كلّ شيء يتهدّم الآن، يا كريستين. كلّ شيء آيل للسقوط. المهمّ أني بعد أن ودّعتُ خالتي، مشيتُ حتّى "ميدان المحطّة"، وتوقّفت قليلًا في الميدان، لأنني صادفتُ صديقًا قديمًا، استعدْنا معًا أيّام الزمن القديم، حين كنّا نسهر لنشرب البيرة في بار "أندريا" القديم المجاور للمقهى نفسه، الذي يقع في المساحة بين جدار المقهى الجانبي المُطلّ على الشارع الضّيّق الصغير، وجدار مطعم رمضان الكبابجي الواقع في شارع الصالح أيوب. ذكّرني بأضواء البار العتيق الحمراء، وبالكحول المحلّيّ الذي كان متاحًا لنا بقروشنا القليلة. وخلال وقوفي معه، تذكّرتُ صديقًا آخر من "الحوّار"، فكّرتُ أن أتّصل به. أخبرني محروس أنه في "نادي الشعب" في شارع بورسعيد. ذهبتُ إليه هناك، ثمّ انتقلْنا لنجلس في مقهى شعبي، اعتدْنا الجلوس إليه في حيّ "الثلاجة" بجوار سور القطار، وضحكْنا كثيرًا. كنّا نلعب كرة القَدَم معًا في الأيّام الخوالي، في "توريل الجديدة" حين كانت أغلبها منطقة ترابية خالية، ثمّ في "نادي الشعب"، وفي الساحة الشعبية القريبة من شارع العبّاسي أحيانًا. ثمّ في "تقسيم السمنودي" قرب شارع الجلاء، حين كان التقسيم لايزال أرضًا خالية. تذكّرنا أيّام الجامعة، وبعض جولاتنا ليلًا انطلاقًا من بيتهم القريب من "مسجد موافي" في "شارع بورسعيد"، قرب "دار ابن لقمان"، وحتّى نهاية الشارع للجلوس على مقهى شعبي لاستكمال أحاديثنا. أو لتناوُل البيرة في "أندريا" أو أحيانًا كنّا ننطلق من بيتهم باتّجاه مسجد الصالح أيّوب، لكي نصل للزقاق الذي يقع فيه "فندق القاهرة" القريب منه. واستدعيْنا جولاتنا في مدينة المحلّة حين كان المَلَل يستولي علينا، ولا نجد ما نفعله، فنسافر إلى المحلّة بسيّارة أيّ صديق، لنتعشّى هناك، ونعود. حين قلتُ له إن جوانب كبيرة من حياتنا كانت مُجرّد عَبَث، فضحك وذكّرني بالمقام الغريب الموجود في "شارع سيدي عبد القادر". كان بناءً صغيرًا غريبًا وغامضًا، كنتُ أتصوّر أنه يماثل "التكية"، التي ذكرها محفوظ كثيرًا في "الحرافيش"، كما قلتُ لكِ مرّة، ونحن نقرؤها معًا. كنّا في شبابنا نتوقّف، وننظر من قضبان النافذة على الضريح، من دون أن نفهم أبدًا سرّ وجود المقام أو كرامات "سيدي عبد القادر". وتذكّرتُ، في أثناء جلوسي مع محروس، واقعة غريبة جدًّا، لا أعرف إذا ما كنتُ أخبرتُكِ بها أم لا. كانت ليلة من تلك الليالي التي يجد المرء فيها نفسه محتارًا، ومُشوَّشًا عاطفيًا وذهنيًا. أظنني كنتُ سهرانًا لأجل المذاكرة، ولكني شعرتُ بالمَلَل، فقُدتُ سيّارة أبي حتّى الجامعة وأنا أُنصِتُ لخالد الشيخ. كانت ليلة اكتئاب، يليق بها أن يسمع المرء أُغنيّة مثل "عيناكِ". ربّما كان الأمر يتعلّق بكِ. لم أعد أذكر هل كانت بيننا مشكلة؟ أم أنني كنتُ أمرّ بالحالة الطبيعية آنذاك: مُجرّد عاشق يعاني من الأرق؟ تجوّلتُ بالسّيّارة الجولة التقليدية من توريل إلى الجامعة. وعند المَشّاية السّفلية، تقريبًا بعد "كوبري طلخا" مباشرة، فوجئتُ بشخصٍ، لم أتبيّن ملامحه جيّدًا، ينزل بسرعة من الدرج العُلوي القادم من الشارع العُلوي، ويمرّ أمامي راكضًا، خفّفتُ السرعة وأنا مندهش من شخص، يركض إلى الجهة الأخرى، حيث لا يوجد شيء غير مياه النهر بهذه السرعة، وفي هذا الوقت قريبًا من الفجر. بعد جولة قصيرة أخرى بالكاد، كنتُ عدتُ من الجامعة إلى أوّل شارع بورسعيد، تذكّرتُ المشهد، فقرّرتُ أن أعود للمكان نفسه، فوصلتُ حتّى إشارة "الهابي لاند"، ودرتُ عائدًا، وحين وصلتُ للمكان الذي مرّ أمامي الفتى فيه، وجدتُ جمهرة وزحامًا، وعددًا من السّيّارات التي رُكنتْ في صفٍّ طويل، فأوقفتُ السّيّارة. ونزلتُ لأرى ما يحدث. أخبرني الواقفون أن شابًا انتحر غرقًا قبل قليل في النيل، وأن قوّة من الضفادع البشرية نزلت النهر لإخراج الجثّة التي اكتشفها أحد المشاة بالصدفة. اقشعرّ بدني، وأنا أحاول استدعاء ملامح الفتى، وانتابني إحساس مرعب بتأنيب الضمير، لأنني لم أتوقّف في تلك اللحظة، لأفهم سرّ رَكْض الفتى الذي مرّ أمامي بهذه السرعة باتّجاه النهر. فكّرتُ في الأسباب التي تجعل شابًا يقرّر ويُنفّذ فكرة الانتحار بهذا الشكل. كنّا في فترة الاستعداد للامتحانات، فهل أدرك أنه ليس مستعدًا، أو تعرّض لضغوط نفسية، جعلتْه يتخلّص من حياته؟ هل هناك قصّة حبّ فاشلة وراء هذا القرار؟ هل أحبّ فتاة، وتزوّجت مؤخّرًا؟ لم أجد إجابة، ولكني أيضًا لم أتحمّل الانتظار، لكي أرى الجُثّة، خصوصًا وأن رجال الشرطة كانوا بدؤوا في التوافد وإبعاد الواقفين. لا أعرف لماذا تذكّرتُ الفتى بينما أجلس مع محروس، عندما تحدّثنا عن العَبَث؟ وفي اليوم التالي، اتّصل بي محروس، ليُبلغني بموت صديق عزيز علينا جدًّا، اسمه كارم الناصري، وهو واحد بين مَنْ كانوا يشاركوننا تلك الأيّام التي ذكرتُها لكِ. لم أُصدِّق الخبر، وفي السّرادق الذي أُقيم في "جامع النصر" مساء، استدعيتُ أيّامًا كانت قد غابتْ تمامًا عن بالي. كنّا نمرّ على "مطعم الدمياطي" الذي يقع على ناصية شارع، أظنّه كان يحمل اسمًا أجنبيًا غريبًا "شارع دليور" الذي يتعامد على شارع البحر. ويصل للسِّكَّة القديمة. وكنّا نتناول فيه ورقة اللحم في الفرن الشهيرة، بسبب رغبة محروس في تناوُلها، قبل أن نذهب للعب كرة الطاولة في النادي التجاري في العمارة المجاورة. و"قهوة رمسيس" التي كانت تحمل اسم "أوبرج رمسيس". يا الله، كانت أيّامًا. قضيتُ ثلاثة ليال أعادتْ لذهني ذكريات المنصورة كلّها، في عالمكِ، وفي عالمي الذي لم يكن متاحًا لكِ مشاركتي فيه. ولا أزال أشعر بأنني ربّما لن أرى المنصورة مرّة أخرى. هل لأن موعد سفري اقترب للإمارات؟ لا أعرف. سامحيني لو تأخّرتْ رسائلي إليكِ، وعزائي أنكِ بالتأكيد تعرفين أن حديثي إليكِ لا يتوقّف، صحوًا ومنامًا وربّما حيًّا وميتًا، يا حبيبتي. 18 سبتمبر 1998