في الوقت الذي يروج فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لخطته الرامية إلى توسيع إنتاج النفط عالميًا، تتصاعد التحذيرات الدولية من أن هذه السياسة قد تتحول من حلم اقتصادي إلى كابوس بيئي واسع النطاق، خصوصًا في فنزويلا، الدولة التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم. وحذر خبراء المناخ والطاقة من أن أي اندفاع غير محسوب لزيادة الإنتاج هناك لن يفاقم فقط أزمة التغير المناخي، بل سيُدخل الاقتصاد العالمي، وفنزويلا نفسها، في معادلة خاسرة بيئيًا واقتصاديًا. شعار ينتقل من واشنطن إلى كاراكاس بحسب صحيفة «الجارديان» البريطانية، نجح دونالد ترامب، عقب الهجوم المفاجئ على فنزويلا وقبضه على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في تصدير شعاره النفطي الشهير إلى خارج الولاياتالمتحدة، واضعًا يده على احتياطيات نفطية هائلة تُقدر بنحو 300 مليار برميل، وفق بيانات «معهد الطاقة». ويرى خبراء أن ترجمة هذا الشعار إلى واقع عملي في فنزويلا تمثل تحديًا ماليًا وتقنيًا ضخمًا، فضلًا عن كونها خطوة محفوفة بعواقب مناخية وبيئية بالغة الخطورة. تصريحات ترامب حول استعادة النفط وتعويض التكاليف عقب إخراج مادورو من كاراكاس، أعلن ترامب صراحة أن شركات النفط الأمريكية ستدخل فنزويلا، وتستثمر مليارات الدولارات لإعادة تشغيل البنية التحتية النفطية، قائلًا: «ستدخل شركات النفط، وستنفق الأموال، وسنستعيد النفط.. كان يجب أن نفعل ذلك منذ زمن طويل». وأضاف أن عوائد النفط ستُستخدم لتعويض كل ما أنفقته الولاياتالمتحدة، مؤكدًا أن «ثروة هائلة ستُستخرج من باطن الأرض». وفي هذا السياق، تضغط الإدارة الأمريكية على الحكومة الفنزويلية المؤقتة لإلغاء القوانين التي تشترط شراكة الدولة في مشروعات النفط، تمهيدًا لفتح المجال بالكامل أمام الشركات الأجنبية. صمت الشركات الكبرى.. وتردد استثماري حتى الآن، لم تُعلن شركات النفط الأمريكية الكبرى موقفًا واضحًا بشأن ضخ استثمارات ضخمة في فنزويلا، ويشير مراقبون إلى أن ضخامة التكاليف، وعدم الاستقرار السياسي، والمخاطر الأمنية، تجعل هذه الشركات مترددة في الالتزام برؤية ترامب. لكن في حال نجحت واشنطن في رفع إنتاج فنزويلا إلى مستويات قريبة من ذروة السبعينيات، التي بلغت 3.7 مليون برميل يوميًا، فإن ذلك يعني أكثر من ثلاثة أضعاف الإنتاج الحالي، وهو ما سيشكل ضربة قوية للجهود العالمية الرامية إلى خفض الانبعاثات الكربونية. أرقام صادمة لانبعاثات الكربون بحسب باشا مهدوي، الأستاذ المشارك بجامعة كاليفورنيا، فإن رفع الإنتاج إلى 1.5 مليون برميل يوميًا فقط سيؤدي إلى إطلاق نحو 550 مليون طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا عند احتراق هذا الوقود، وهو مستوى انبعاثات يفوق ما تنتجه دول صناعية كبرى مثل المملكة المتحدة أو البرازيل. وقال جون ستيرمان، الخبير في المناخ والاقتصاد بمعهد MIT: «إذا أُنتجت ملايين البراميل الجديدة يوميًا، فستُضاف كميات هائلة من ثاني أكسيد الكربون إلى الغلاف الجوي.. وهذا عبء لا يستطيع كوكب الأرض تحمله». نفط فنزويلا.. الأكثر تلويثًا تتفاقم المخاوف البيئية بسبب طبيعة النفط الفنزويلي نفسه، إذ يُعد من أكثر أنواع النفط كثافة في الانبعاثات عالميًا. ويوضح مهدوي، أن النفط الخام الثقيل في حزام أورينوكو «ملوّث بشكل استثنائي»، كما أن احتياطيات أخرى في البلاد غنية بالكربون والميثان، ما يجعل استخراجها وتكريرها أكثر تدميرًا للبيئة. «الجميع خاسر».. تحذيرات من تباطؤ التحول الأخضر يحذر الخبراء من أن زيادة إنتاج النفط في فنزويلا لن تؤدي فقط إلى تفاقم التغير المناخي، وإنما ستؤدي أيضًا إلى انخفاض أسعار النفط عالميًا، ما قد يُبطئ الاستثمار في الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية. وقال ستيرمان: «إذا زاد الإنتاج، سيتسارع تغير المناخ، وسيخسر الجميع، بما في ذلك الشعب الفنزويلي نفسه». اتهامات ب«إمبريالية الوقود الأحفوري» خلال عامه الأول في البيت الأبيض، هاجم ترامب الطاقة المتجددة ووصفها ب«الوهمية»، وهدد بضم مناطق غنية بالموارد مثل كندا وجزيرة جرينلاند، ويرى منتقدوه أن سياساته تمثل «إمبريالية قائمة على الوقود الأحفوري». وقالت إليزابيث باست، المديرة التنفيذية لمنظمة «أويل تشينج إنترناشونال»: «على الولاياتالمتحدة أن تتوقف عن معاملة أمريكا اللاتينية كمستعمرة موارد.. الشعب الفنزويلي هو من يجب أن يحدد مستقبل بلاده». صورة اقتصادية معقدة ومليئة بالمخاطر رغم خطاب ترامب المتفائل، يرى الخبراء أن تنفيذ هذه الرؤية يصطدم بعقبات اقتصادية وجيولوجية كبيرة. فبحسب ستيرمان، قد لا تكون شركات النفط مستعدة لاستثمارات تمتد آثارها لما بعد ولاية ترامب. وقال باتريك جالي من منظمة «جلوبال ويتنس»، إن أي زيادة حقيقية في الإنتاج ستتطلب عشرات المليارات من الدولارات لإصلاح البنية التحتية المتهالكة، فضلًا عن المخاطر الأمنية والسياسية. تاريخ الانهيار النفطي الفنزويلي شهد إنتاج فنزويلا النفطي تراجعًا حادًا بسبب سوء الإدارة والعقوبات الأمريكية. فبحلول عام 2018، انخفض الإنتاج إلى 1.3 مليون برميل يوميًا، مقارنة بذروة تاريخية تجاوزت 3.7 مليون برميل يوميًا في السبعينيات. وتقدّر شركة «إنرجي أسبيكتس» أن زيادة الإنتاج بنحو 500 ألف برميل يوميًا ستكلف حوالي 10 مليارات دولار وتستغرق عامين، بينما تشير «ريستاد إنرجي» إلى أن العودة إلى مليوني برميل يوميًا ستتطلب استثمارات تقارب 110 مليارات دولار. رهان محفوف بالمخاطر يرى الخبراء أن النفط الفنزويلي الثقيل قد يقوض حتى المنتجين الأمريكيين أنفسهم، خاصة في ظل ازدهار الإنتاج المحلي. ومع ذلك، قد تغري بعض الشركات كلفة الاستخراج الأقل مقارنة بحقول أمريكية مثل حوض بيرميان. وأكد مهدوي، أن أي توسع نفطي واسع في فنزويلا سيكون: «كارثيًا على المناخ، وكارثيًا على البيئة»، حتى لو بدا في ظاهره مكسبًا سياسيًا أو اقتصاديًا قصير الأجل.