رغم التحديات الإقليمية والدولية، فإن ما تحقق على الأرض يبعث برسالة طمأنة وثقة فى المستقبل تدخل الدولة المصرية مرحلة جديدة من مسارها التنموي، مرحلة يغلب عليها التفاؤل المدروس، ويستند خطابها إلى أرقام واقعية ومؤشرات إيجابية، تعكس ما تحقق من إصلاحات اقتصادية وما تستهدفه الحكومة خلال الفترة المقبلة. المؤتمر الصحفى الأخير للدكتور مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، جاء ليؤكد أن الدولة لا تتوقف عند إدارة الأزمات، وإنما تتحرك بثبات نحو جنى ثمار ما تم تنفيذه على مدار السنوات الماضية. الرسالة هنا تتجاوز مجرد ترتيب أولويات فى الموازنة العامة، إلى إعادة تعريف مفهوم التنمية ذاته. فالدولة، بعد سنوات من الاستثمار المكثف فى البنية التحتية والطرق والموانئ والطاقة، تبدو وكأنها تدخل مرحلة جديدة عنوانها الأساسى «الاستثمار فى الإنسان». هذه المرحلة لا تنفى ما سبقها، بل تبنى عليه، وتستهدف تحويل ما تحقق من استقرار نسبى فى المؤشرات الكلية إلى تحسن ملموس فى جودة حياة المواطنين. أهم ما حمله حديث رئيس الوزراء هو الإعلان الواضح عن توجيه أولوية الخطط الاستثمارية للدولة خلال المرحلة المقبلة إلى مشروعى «حياة كريمة» ومنظومة التأمين الصحى الشامل. هذا التوجه يعكس إدراكًا عميقًا بأن الاستثمار الحقيقى هو الاستثمار فى الإنسان، وأن التنمية المستدامة تبدأ من تحسين مستوى معيشة المواطن وصحته وجودة الخدمات المقدمة له، خاصة فى القرى والمناطق الأكثر احتياجًا. مبادرة «حياة كريمة» تمثل أحد أكبر مشروعات التنمية الشاملة فى تاريخ الدولة المصرية. فنحن نتحدث عن إعادة بناء قرى كاملة، وليس مجرد تنفيذ مشروعات خدمية متفرقة. أكثر من 20 مليون مواطن يستفيدون من المرحلة الأولى وحدها، وهو رقم يضارع تعداد دول كاملة. هذه القرى تشهد تطويرًا متكاملًا يشمل شبكات المياه والصرف الصحى والغاز الطبيعى والاتصالات، إلى جانب الخدمات الصحية والتعليمية، بما ينعكس مباشرة على تحسين جودة الحياة وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. أما منظومة التأمين الصحى الشامل، فهى تشكل نقلة نوعية فى ملف العدالة الاجتماعية، وتجسد التزام الدولة بحق المواطن فى الحصول على خدمة طبية لائقة. ما تشهده محافظات الصعيد وغيرها من إجراء عمليات جراحية دقيقة داخل المحافظات نفسها، بعد سنوات من المعاناة مع السفر والعلاج خارج الإقليم، يؤكد أن الدولة نجحت فى ترجمة السياسات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن فى حياته اليومية. هذا التوجه الاجتماعى يتواكب مع تحسن ملحوظ فى المؤشرات الاقتصادية الكلية. تراجع نسبة الدين إلى الناتج المحلى الإجمالي، وتحقيق مؤشر مديرى المشتريات قراءة إيجابية للشهر الثانى على التوالي، يعكسان تحسن مناخ الأعمال وزيادة ثقة القطاع الخاص. كما أن الارتفاع الكبير فى تحويلات المصريين بالخارج يؤكد استمرار ثقة أبناء الوطن فى اقتصاد بلادهم ودعمهم لمسيرة التنمية. وفى قطاع السياحة، تحقق الدولة إنجازات لافتة بتجاوز عدد السائحين 19 مليون سائح، ونجاح المتحف المصرى الكبير فى جذب شرائح جديدة من الزائرين لم تكن تزور مصر من قبل. هذا النجاح لم يأتِ مصادفة، بل هو نتاج رؤية متكاملة لتطوير المقاصد السياحية وتحسين البنية التحتية وتبسيط الإجراءات، بما يعزز من تنافسية مصر على خريطة السياحة العالمية. الدولة المصرية تمضى بخطى ثابتة نحو مرحلة جديدة عنوانها «التنمية الشاملة». ورغم التحديات الإقليمية والدولية، فإن ما تحقق على الأرض يبعث برسالة طمأنة وثقة فى المستقبل. فحين تتكامل الإصلاحات الاقتصادية مع المشروعات الاجتماعية الكبرى، وحين يشعر المواطن بتحسن حقيقى فى مستوى الخدمات وجودة الحياة، تصبح التنمية واقعًا يوميًا، ويصبح التفاؤل خيارًا يستند إلى حقائق لا إلى وعود. فى النهاية، يمكن القول إن الدولة تنتقل بثبات من مرحلة «تحمل كلفة الإصلاح» إلى مرحلة «جنى ثمار التنمية». الطريق ما زال مليئًا بالتحديات الداخلية والخارجية، لكن التركيز على الإنسان - صحةً وكرامةً وجودة حياة - يظل الرهان الأذكى والأكثر استدامة. فالتنمية الحقيقية لا تُقاس فقط بالأرقام فى التقارير، بل بمدى شعور المواطن بالتحسن فى حياته اليومية، وهو ما تؤكده المشروعات القومية الكبرى التى تنفذها الحكومة، تحت توجيهات القيادة السياسية، بهدف رفع جودة الحياة فى كل محافظة وقرية، وضمان أن يشعر كل مواطن بثمار التنمية على أرض الواقع.