لم تكتف حكومة نتنياهو بقتل ما يزيد على 70 ألف شهيد و170 ألف مصاب وجريح، والآلاف من المفقودين فى غزة، وإنما أوعزت، مؤخرًا، وزارة الحرب بقيادة يسرائيل كاتس للجيش الإسرائيلى بالاستعداد لاحتمال العودة للحرب فى القطاع، بزعم استمرار الإجهاز على حركة «حماس». تصريح كاتس بمعاودة الحرب على غزة يعنى أنها توقفت، غير أن الواقع على الأرض يؤكد استمرارها، حتى الآن، رغم ما تم الاتفاق عليه من وقف لإطلاق النار فى العاشر من أكتوبر الماضى، برعاية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، عبر خطته للهدنة فى القطاع، خاصة أن الشهداء من بين الفلسطينيين فى غزة يسقطون، يوميًا؛ وصحيح أن أعدادهم قلَّت أو تقلص سقوط الشهداء خلال الأشهر القليلة الماضية، إلا أن الحرب ما تزال مستمرة فى القطاع. ومع استمرار الضغوط الأمريكية بضرورة الدخول الفورى فى المرحلة الثانية من اتفاق وقف الحرب فى غزة، فإن نتنياهو وحكومته يرفضون، بمزاعم عدة، أولها عدم عودة آخر جثمان لأسير إسرائيلى، وهو رفات الرقيب أول ران غويلى، إذ كشفت وسائل الإعلام العبرية خلال الأيام القليلة الحديث عن ضغوط مارسها ترامب على نتنياهو، خلال زيارة الأخير للولايات المتحدة، من أجل تنفيذ المرحلة الثانية والعمل على إعادة إعمار القطاع. فى وقت تدعى تل أبيب أن السماح بدخول المساعدات الإنسانية والغذائية والبضائع إلى غزة، باعتبارها أحد مكونات المرحلة الثانية للاتفاق، وبعدها إعادة إعمار القطاع، يعنى تمكين «حماس» فى أرجاء القطاع، دون نزع سلاحها، إذ تُصر إسرائيل على نزع سلاح المقاومة، وهو ما ترفضه، عناصر حركات المقاومة ككل فى القطاع. والشاهد أن إسرائيل تعترف - ضمنيًا - بقدرات الحركة العسكرية والسياسية فى آن واحد، رغم استهدافها لما يزيد عن 27 شهرًا كاملا؛ فقد أولت وسائل الإعلام العبرية الاهتمام بمحاولة «حماس» استعادة قدراتها فى غزة وإدخال عناصر وجيل جديد بين صفوفها من أجل استكمال مسيرة المقاومة فى القطاع، خاصة مع الاعتراف بأن «أبو عبيدة» الناطق باسم كتائب عز الدين القسام الذراع العسكرية للحركة، كان بمثابة أيقونة ورمز للمقاومة الفلسطينية. ومع إعلان الحركة عن استشهاد «أبو عبيدة»، قال عومرى حاييم، المعلق العسكرى بالقناة 14 العبرية، إن «هناك حدثًا بالغ الأهمية يجرى الآن بقطاع غزة وهو الإعلان عن اغتيال أبو عبيدة.. إنه كان بمثابة أيقونة أو رمز .. إن الصورة الذهنية له لدى الفلسطينيين تعنى الرمز للمعنويات والاستمرارية فى المقاومة»، هكذا وصف حاييم الناطق باسم كتائب القسام! والشاهد فى الأمر أنه رغم أكثر من عامين على تلك الحرب الصهيونية على قطاع غزة، فإن الاعتراف بقدرات المقاومة، ومهاجمة قادة ومسئولين عسكريين إسرائيليين سابقين لحكومة نتنياهو، تشير إلى أن تل أبيب تسير «بلا استراتيجية واضحة»؛ وعلى سبيل المثال ما صرح به الجنرال احتياط غادى آيزنكوت، رئيس أركان الجيش الأسبق، مؤخرًا، من أن بلاده مستمرة فى عملياتها العسكرية على القطاع، أو بالأحرى حربها على غزة دون أى أفق سياسى أو عسكرى، منوهًا إلى أن إسرائيل تزج بنفسها فى مأزق استراتيجى عميق لا تعرف كيف تخرج منه. والثابت أن كثيرا من الجنرالات السابقين، على رأسهم الجنرال «الباكى» إسحاق بريك، قد رأى أن اتفاق غزة الذى أعلنه الرئيس ترامب فى أكتوبر الماضى، كان بمثابة «طوق النجاة» لنتنياهو وحكومته من فخ جدوى الحرب على غزة، فقد أنقذه من براثن المقاومة الفلسطينية المستمرة فى القطاع، وحاول تجميل وجه إسرائيل، وهو ما اتفق معه الجنرال آيزنكوت، الذى كان عضوًا فى مجلس إدارة الحرب على غزة فى بدايتها، حيث رأى بعد تقديم استقالته منها، فى التاسع من يونيو 2024، أن تل أبيب تخوض أطول حروبها وأكثرها تعقيدًا، دون رؤية واضحة لنهايتها، خاصة أن نتنياهو قد زج ببلاده فى ما يصفه ب«ست جبهات قتال فى آن واحد». طرح الجنرال آيزنكوت الذى قتل ابنه وابن شقيقته فى الحرب على غزة سؤالا مهمًا على نتنياهو، كيف تنهى الحرب مع الاحتفاظ بما زعمه ب«تحقيق مكاسب سياسية وعسكرية»؛ وهو السؤال الذى يعنى تأزم الخلافات الإسرائيلية الداخلية بشأن جدوى استمرار الحرب، فى ظل الإخفاق الصهيونى الواضح فى تحقيق أهدافها، سواء المعلنة أو السرية، والممثلة فى القضاء على حركة «حماس» أو القضاء على شأفة المقاومة فى غزة، بالتوازى مع الاعتراف الإسرائيلى باستمرار قوة المقاومة فى القطاع.