نعم، كانت القنابل والطوربيدات تجمعنا في بيت جدتي (3 ميدان قشتمر) نفس المكان الذي كتب عنه أستاذنا نجيب محفوظ لكن محفوظ كتب عن قشتمر (تحت) عند القهوة ولكنني أنا أكتب عن قشتمر (فوق) بيت جدتي.. وهو نفس المكان الذي فرقنا أو جعلنا نتباعد قليلا بعد ذلك. كانت تلك الليلة التي سوف أعيشها ما دام في العمر بقية.. كان أبي معنا في تلك الليلة عندما اتجهنا إلي بيت جدتي.. وبدأت الغارة وقرر أبي أن نبقي في البيت لكن علينا جميعا أن نتجه إلي الصالة مابين الحجرات.. وأن نجلس جميعا علي الأرض وألا يجلس أحدنا علي أي كنبة أو مقعد يرتفع عن الأرض.. مع إغلاق شبابيك الحجرات جميعها. وبدأت الغارة وبدأنا نتلو بعض آيات القرآن الكريم، ونحسب الدقائق تلو الدقائق.. فجأة » قفزت قلوبنا جميعا من مواقعها« طوربيد كبير سقط فوق قهوة قشتمر.. فوق طرف القهوة الذي هو في نفس الوقت طرق البيت الذي نحن فيه.. تطايرت الشظايا، وإذا بشظية كبيرة تقفز حتي وصلت إلي الدور الذي نحن فيه لتدخل من نافذة حجرة خالي زكي (ضابط بالبوليس في ذلك الوقت) ولتدخل أو لتقتحم البيت تعبر فوق رؤوسنا جميعا تعبر الصالة لتستقر في الحائط في نهاية الصالة.. لم نشعر نحن الصغار بها لكن أبي رحمه الله كان يدرك كل مايحدث ويرتفع صوته بآيات القرآن علها تنزل الهدوء علي قلبه وقلوبنا جميعا.. ثم كان الطوربيد الثاني.. الذي سقط في قلب ميدان قشتمر قريبا جدا من حديقة الأزبكية فصنع حفرة كبيرة بعد لحظات سمعنا سيارة المطافيء بأجراسها وإذا بها تسكت فجأة وانتبهت إلي أنها سقطت في الحفرة وتلتها سيارة الإسعاف التي تبعتها إلي نفس المصير.. وبعد وقت ما انتهت الغارة.. وأضأنا الأنوار.. ونظرنا إلي وجه أبي ورأسه.. لم يكن الشيب قد وصل إلي رأسه لكن الأنوار أظهرت لنا مالم نعرفه من قبل.. لقد اشتعل الشيب في رأس أبي كله.. نعم من هول ما أحسه وأدركه ولم نكن نحن ندرك إلا القليل جدا مما يحدث .. التقط أبي أنفاسه ثم قال: لم يعد لنا أن نبقي في هذا المكان بعد ذلك.. ليس لنا إلا أن نلجأ إلي الريف ريف مصر والذي يبدأ من دوران شبرا ويتصل حتي يذهب بنا إلي ميت برة التي هي مسقط رأسنا في المنوفية!..