ستارمر وماكرون: ضرورة شمول لبنان في وقف إطلاق النار وحماية الملاحة في هرمز    مانشستر سيتي ينتصر على تشيلسي بثلاثية ويضيق الخناق على أرسنال    اتحاد السلة يعلن مواعيد مواجهات نصف نهائي ونهائي كأس مصر للسيدات    «بدوي» يوجه «تنمية للبترول» بتسريع وحدات الإنتاج لخفض فاتورة الاستيراد    بعد التراجع في 2025.. أسعار السيارات بمصر تعاود الصعود بقوة    بسبب الإقبال الكبير، مد معرض زهور الربيع بالمتحف الزراعي لنهاية مايو    استمرار تنفيذ أعمال التطوير والرصف بعدد من المناطق الحيوية بالإسماعيلية    حكام مباريات غد الاثنين في مجموعة الهبوط بالدوري الممتاز    وزارة الرياضة تعلن استعداداتها لاستقبال أعياد شم النسيم بمراكز الشباب    المشدد 15 سنة لمتهم بالشروع في قتل أفراد شرطة بالوراق    الأقصر.. «شمو» بمذاق فرعونى    «تجربة شخصية» يكشف مواهب الوادى الجديد    شمس النسيم!    ضربة موجعة لمافيا السوق السوداء.. ضبط 83 ألف لتر وقود ومازوت داخل تنكات سرية    حظر النشر في قضايا أثارت الجدل على مواقع التواصل الاجتماعي لحين انتهاء التحقيقات.. النيابة: القرار يأتي لسير العدالة وصونا لخصوصية الضحايا وأسرهم ومنعًا لتداول معلومات غير دقيقة تسيء للمجتمع    مصر التى فى خاطر العرب    رئيس اتحاد الطائرة: نثق في قدرة الأهلي على تنظيم بطولة إفريقيا بصورة مشرفة    التعليم في طريقه للتغيير.. حقوق الإنسان تدخل الفصول من أوسع أبوابها    أستاذ علوم سياسية ل الحياة اليوم: صراع إسرائيل وإيران حرب تكسير عظام    تفاصيل أعمال التأمين الطبي لعيد القيامة بكنيسة السيدة العذراء والقديس أبانوب بدهب    محبة المصريين    امرأة جاءها الحيض قبل صلاة الوتر.. ماذا تفعل؟.. أمين الفتوى يجيب    بدعم البنك الأفريقي للتنمية.. انطلاقة قوية لمشروعات الصرف الصحي بالأقصر    جامعة دمنهور تطلق حملة توعية لترسيخ ثقافة ترشيد الاستهلاك    بسبب أمريكا.. فرنسا ترفض نظام مايكروسوفت ويندوز    أطباء بلا حدود: غزة تواجه نمطا متعمدا من الإبادة وخنق الحياة    بيان مهم من الصحة بعد واقعة "سيدة الإسكندرية"    تشييع جثمان سيدة ألقت بنفسها من الطابق ال13 بالإسكندرية    الصحة اللبنانية: 2055 شهيدا و6588 مصابا جراء العدوان الإسرائيلي على البلاد منذ 2 مارس الماضي    الجامعة الدول العربية تدين بشدة مصادقة السلطات الإسرائيلية على إنشاء 34 مستوطنة جديدة في الضفة الغربية    معتز وائل يتوج بذهبية كأس العالم للخماسي الحديث    رئيس الوفد يزور الكاتدرائية لتهنئة البابا تواضروس بمناسبة عيد القيامة    أمير رمسيس وشاهيناز العقاد ضمن لجنة التحكيم بمهرجان هوليوود للفيلم العربي    انطلاق فعاليات التدريب المصرى الهندى المشترك "إعصار-4"    محافظ الجيزة: قوة مصر الحقيقية تكمن في وحدة شعبها وترابط نسيجها الوطني    " راشد " يكلف نائبه والسكرتير العام بمتابعة الموقف ميدانيا    إصابة 5 أشخاص في تصادم سيارتين ملاكي بالبحيرة    عميد طب أسيوط يعلن عن مشاركة فريق بحثي بقسم جراحة العظام ضمن فعاليات المؤتمر الدولي ال 70 بكوريا الجنوبية    الأزهر للفتوى: طلب الراحة بالانتحار وهم وكبيرة من كبائر الذنوب    الأوقاف: إزهاق الروح انسحاب من الدنيا ومن كبائر الذنوب    حزب الله ينفي صلته بمحاولة اغتيال حاخام في دمشق وسط اتهامات رسمية    الحرارة تصل 38 درجة.. الأرصاد تكشف مفاجآت طقس الأيام المقبلة    الرئيس مهنئًا مسيحيي مصر بعيد القيامة: سنظل دائمًا نموذجًا للوحدة الوطنية والتعايش الأخوي    منتخب الصالات يواجه الجزائر وديًا استعداد لكأس الأمم الأفريقية    وزارة الصحة توجه نصائح طبية ووقائية لتجنب أخطار التسمم الناتج عن تناول الأسماك المملحة    قلعة الفسيخ في مصر.. نبروه مركز رئيسي لإنتاج أكلة شم النسيم    هو في إيه؟.. واسكندرية ليه؟.. جرائم ازاوج أنذال تزهق أرواح الزوجات.. حادتتان مؤلمتان في أقل من شهر    سيد عبد الحفيظ بعد إلغاء جلسة الاستماع: عندنا مجلس إدارة يقدر يجيب حق الأهلي    رئيس جامعة المنوفية والمحافظ يزوران مقر الكنيسة الإنجيلية لتقديم التهنئة بعيد القيامة المجيد    تأجيل استئناف المتهم بقتل مالك مقهي أسوان على حكم إعدامه    بعد واقعة سيدة الإسكندرية، هل المنتحر خارج من رحمة الله؟ رد حاسم من عالم أزهري    مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير يطلق مسابقة للأعمال المصرية باسم خيري بشارة    «الصحة» ترفع الجاهزية بالمنشآت الطبية تزامنًا مع احتفالات عيد القيامة وشم النسيم    المونوريل يتيح 12000 فرصة عمل لتصميم وتنفيذ الأعمال المدنية    محافظ أسيوط: استمرار حملات النظافة ورفع المخلفات بشوارع مدينة أبوتيج    من التهدئة إلى الهيمنة.. إيران تعيد رسم أمن الخليج عبر "هرمز"    نائب محافظ الإسماعيلية يشهد قداس عيد القيامة المجيد بمطرانية الأقباط الأرثوذكس    هل السوشيال ميديا أصبحت بديلًا لطلب الحقوق؟ خبير أسري يرد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أغالب مجرى النهر: حادثة قتل تنبش أسرار الماضى وتُشرّح الذات الجزائرية
لا أحد يتكلّم غيرى إلا أننى سأتكلم بفم مغلق جمال الدين بن الشيخ


ممدوح فرّاج النابى
ينحو الروائى الجزائرى سعيد خطيبى فى روايته «أغالب مجرى النهر» (دار هاشيت أنطوان، نوفل 2025 - القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربيّة 2026) ذات المنحى الحكائى الشهر زادى، حيث يأتى اجترار الحكاية من قبل الشخصيتين الرئيسيتين الواقع عليهما فعل القهر مع اختلاف مسبباته، كوسيلة للشفاء من أوجاع الماضى، وخيابات الأصدقاء والأقارب، فتبدأ الرواية بحكاية البنت «عقيلة تومي» طبيبة العيون، وهى فى موضع اتهام بقتل زوجها الطبيب الشرعى مخلوف تومى، وتتخذ من الحكى (أو السرد) أداة لاكتشاف ذاتها، وعلاقتها بالآخرين، بعدما تمّ تقويضها بفعل ممارسات أُسرية قامت بها الأم التى تحتكم لأنساق العادات والتقاليد فى بيئتها الجنوبية، تارة، وتارة ثانية كمحاولة للتخلص من أنصال ذكورية الزوج السادى الذى مارس قهرًا عليها فى حياته، بالتحقير منها، ومعايرتها بعدم إنجاب الذكر، وبخيانتها كما اكتشف والدها قُرب نهاية الرواية، وكذلك بتوريطها فى عمليات سرقات قرنيّات الموتى، وبعد مماته باتهامها بأنها المسؤولة عن تسممه، إضافة إلى ممارسات وقمع السلطة لها أثناء التحقيق حتى تخيّلت نفسها أشبه «بشاه يتفحصها زبون عارية»، وهو ما انعكس عليها عند استلامها جثمانه فقابلته بحيادية (مجرد امرأة تحمل صفة زوجة) تتناسب مع بروده معها أثناء زواجهما.
واقع فادح.. شخصيات مشوّهة
تجتر الساردة فى الجزء الأوّل من الرواية المعنون ب «البنت» حكايتها داخل الدائرتين، التى لم تخرج منها سليمة، بل على العكس أصيبت بالكثير من الرضوض النفسيّة والبدنيّة، والتى انتهت بها إلى الحبس فى غرفة لا تتعدى مساحتها خمس خطوات طولاً وعرضًا، ووصلت بها فى مراحل مراهقتها لأن تكون مثليّة بعلاقتها مع صديقتها سلوى أو سالى، ومن ثم تأتى أهمية التصدير الذى استهل به السّارد حكايته «نحن نروى حكايات تؤنسنا، لأننا نجهل أنفسنا» (يمينة مشاكر).
هكذا تتأسّس بنية الرواية التى تستغرق أحداثها تقريبًا نصف قرن من تاريخ الجزائر الحديث، بدءًا من الحرب العالمية الثانية مرورًا بحرب التحرير وما أعقبها من تخوين وصراعات وصولاً إلى التسعينيات قبيل الانفجار الدامى، وإن كان الزمن المرجعى لا يتجاوز أيامًا قليلة تبدأ مع اعتقال عقيلة، وصولاً إلى قرب حلول انتخابات البلدية التى أشعلت أتون النيران، فتعالج قضايا إشكاليّة مُتعلّقة بسرقة الأعضاء وبيعها، والاعتداءات التى تتعرّض لها النساء بكافة أشكالها معنوية، وبدنية، والصراعات الأيديولوجية بعد حرب التحرير، وما حاق بالمناضلين مِن تهم التخوين، والتشكيك فى الهوية الوطنيّة، ثمّ بزوع التيارات الدينيّة المتشدّدة التى قلبت حياة القرية (الوطن) جحيمًا بما مارسته من عنف على المخالفين لأيديولوجيتها، فروّعت الناس، وأحرقت مقاهيهم، وعاقبت النساء السافرات، وغيرها من موضوعات أرقت المجتمع الجزائر فى تلك الحقبة الملتهبة عكسها على القرية وإن كان عينه على الوطن الكبير.
تتوزّع الحكاية عبر عنوانيْن متبادليْن على طول خط السّرد؛ هما البنت والأب، بالسّرد بالأنا مع تدخلات الرّاوى العليم. يراوح السّرد بين هاتين الحكايتيْن المتداخلتيْن، دون انفصام بينهما، حيث تأتى الثانية مفسّرة للأولى، وكاشفة للكثير من الثغرات والفجوات التى تركتها حكاية الابنة ك (قصة ريمة ابنة ميلود، وأسباب سجن ميلود، وسرقة عيادة عقيلة، وعدم إنجاب قمرة أولاد آخرين، وسر زيارة الأب إلى العاصمة، وابنه المجهول من ياقوت، وعلاقة مخلوف بريمة، وغيرها من الحكايات المبهمة والناقصة، وحكاية ثامر، وعلاقة الأب بالصحفى دودو) وبالأحرى التى أدت إلى هذا المصير المأساوى لها وله.
تكشف الرواية عن أثر هذا الواقع الفادح وأثره فى تشويه الشخصيات نفسيًّا وأخلاقيًّا؛ فالحياة الاجتماعيّة كأفراد أسرة وعلاقات أب وأبناء وزوج تبدو مُتفسّخة، يسودها الصّمت والعنف اللفظيّ والمعنويّ، فالأسرار التى تتكشّفُ رويدًا رويدًا تُنبى عن واقع فادح قاهر لشخوصه، وكأنّ كل شخص أشبه بسيزيف يحمل صخرته على كتفه، فى علاقة تبادليّة تربط بين الاجتماعيّ والسّياسيّ، وتأثير كل منهما على حياة الشخصيتين الرئيستيْن؛ البنت (عقيلة تومي) والأب (عزوز الخالدي) وما بينهما من تباين ثقافيّ واجتماعيّ، ومع هذا ففعل القهر يصيبهما معًا دون اعتراف بهذا الفارق المظهريّ؛ فالمكانة الثقافيّة لم تَحمِ عقيلة مِن تنكيل زوجها بها، ولا النضال أثناء حرب التحرير حمى الأب من التنكيل به من رفقاء السّلاح، كلاهما كان ضحيّة لاستبداديّة محضة؛ الأولى عبر استبدادية وأنانيّة الذكوريّة، والثانية نتيجة استبدادية الاستعمار والحرب ورجال السُّلْطة. اللافت أن السُّلْطة كانت قاهرة للاثنيْن؛ للبنت فى التحقيقات التى كشفت عن سوء معاملة، بالضغط عليها وابتزازها للاعتراف بجريمة لم تفعلها، وإن كانت تمنّت فى مخيلتها أن تقوم بها بضربه على الرأس أو شنقه بالحبل أو قطع أنفاسه، وقد صار فعل القتل هاجسًا يطاردها فى أحلام يقظتها ونومها، لكنها كانت عاجزة بسبب الخوف والقلق اللذين خلقهما التنشئة الاجتماعيّة القاسيّة لها، والقهر الذى مارسه الزوج بدون أسباب.
تكشف الحكايتان (الأب والابنة) عن صراع سياسى وأيديولوجيّ من جانب، وفساد اجتماعيّ وانهيار أخلاقيّ وقيميّ من جانب ثانٍ، كلاهما كان بمثابة الشرارة التى ستعصف بالأخضر واليابس فى العشريّة السوداء فى التسعينيات، بعدما تغوّلت الظلاميّة أو الجماعات المُتطرِّفة، التى فرضتْ أنساقها على المجتمع المُهيّأ تمامًا لحالة من الغيبوبة بفعل فساد أصحاب النفوذ سواء أكانوا رجالَ سياسة على نحو رفقاء حرب التحرير، أو فساد أخلاقى كما فى حالة الزوج الذى كان يتاجر فى الأعضاء البشرية، وينتهك حرمات الموتى من أجل الثراء، كما يتشعب السّرد فى حكايات عن الفساد والجهل؛ كتعرية لواقع متأزم.
يتوقف الزمن السردى فى الجزء الأول (يتكوّن من 17 فصلًا سرديًّا) عند زمن قبوع عقيلة فى الحبس رهن التحقيق، والإكراهات التى يُمارسها عليها المحقق جمال درقين، وهو زمن لا يستغرق إلا يومين، لكنه ينفتح ويتشعب عبر الاسترجاعات إلى أزمنة سابقة ومعاصرة، تعود إلى طفولتها ودراستها، ثم زواجها وعلاقتها بزوجها التى وصلت إلى حد الاحتقار، وتمنّى الموت له، وعملها كطبيبة عيون، واشتراكها مع زوجها فى تجارة القرنيات، كما يعود أيضًا إلى زمن قبل ولادتها زمن عمل أبيها فى المقاومة. رحلة حياتها المضطربة لخصتها فى جملة مؤثرة هكذا «قضيت حياتى فى الطب، ونسيت نصيبى من المرح» (ص: 55).
اكتشاف الذات والآخرين
أتاحت لها هذه البقعة الضيقة المُقبضة، الفرصة لاكتشاف وتأمّل ذاتها المجهضة (أو تعريتها) بفعل ذوات كثيرة كانت تعتبرهم الملاذ فكالوا لها الطعنات، والبدء فى مراجعة علاقتها بالآخرين، فتبدأ بأمها وعلاقتهما المتوترة، ومحاولات الحطّ من قدرها، وقسوة وجفاء معاملتها، وملاحقتها بألفاظها المؤنبة وكلماتها الشائنة، وأدعيتها بالشر عليها، وتبكيتها على تصرفاتها، وأمثالها الشعبية المُحبِطة، كانت سببًا فيما عانته الابنة لاحقًا من تشوهات نفسية، وأثر هذا سلبيًّا فى تكوين شخصيتها، وتربية ابنتها، فافتقدت ذاتها، وصارت خائفة وضعيفة اجتماعيًّا، مهزوزة والأسوأ أنها صارت أسيرة لزوجها الذى يعتدى عليها لفظيًّا وماديًّا بالصفع والضرب دون أدنى مقاومة أو ردة فعل منها تجاه تصرفاته.
كما تستعيد علاقتها بابنتها، وما أنتابها من حالات فتور، وتوتر، واستلاب، انعكست على طريقة تعاملها معها. فى المقابل حظيت بعلاقة قوية مع أبيها وإن كانت ترى أن مواقفه حيادية أمام أمها وأخيها الذى كان يسرق عيادتها، لكنها كانت أكثر تعلقًا به، ومتواطئة معه ضدّ ما يحدث له، والأهم أنها تعتز بمسيرته كرجل حرب شجاع، خُذل من الجميع مثلما خذلها زوجها.
ماض قديم ... ماض حيّ
أما الجزء الثانى من الحكاية فيأتى بعنوان «الأب» عزوز خالدى (ويتكوّن من 15 وحدة سرديّة يتمّ تبويبها عبر الحروف الأبجديّة) وهو يسرد بالراوى الأنا أيضًا عن الأب المخذول من أبنائه الذى خاض حربيْن دون أن يصاب برصاصة، أو تصيبه طعنة، وشاهد وصول الفرنسيين إلى البلاد وقاومهم حتى خرجوا مع الاستقلال، ثم تلقى الكثير من الطعنات من أصدقائه وأبنائه، ومن ثمّ نراه فى حالة تأسّى وهو يسرد عن نشأته فى بيئة فقيرة، وحياة ضنك عاشتها أسرته، فامتهن مهنًا صغيرة من أجل أن يقتات ويساعدها، إلى أن ارتحل إلى العاصمة مع بودو ليعمل عتالًا فى الميناء، وغيرها من أعمال.
وفى العاصمة تعرّفَ على شارلى شابلن، وقد ظفر بقبعته الشهيرة، ثم يسرد للمعاناة التى عاناها فى الحرب أثناء تطوعه فى الحرب، وقد عاد منها بوسام سلّمته له فرنسا، وجُرحٍ غَائرٍ فى معصمه، وعندما عاد اشترى سيارة ليعمل عليها، ثم زواجه من قمرة التى تصغره بعقديْن، وبعدها اشترك فى مقاومة الفرنسيين ولأنه رفض أن يفجر مقهى أخيه الذى كان فى الجبهة التى تناصر الفرنسيين، اتهموه بالخيانة أو أحد الحركى أثناء سنوات حرب التحرير، وصولاً إلى حبه لياقوت وقصة الطفل التى أنجبه منها، وانتظار براءته، ولكن بعد موت بودو فى حادث سير فقد الأمل فى تبرئة ساحته، وكذلك ابنته فى دعمها عند المسؤولين لبناء كلية الطب.
هذه هى الحكاية، لكن كيف كتبها، أو فرد قماشتها سعيد خطيبى، هنا يبرز دور الفنان أو الروائى الذى أجاد استخدام قماشته وقام بإعادة نسجها فى سياق سردى متقن، يشدّ القارئ منذ جملة الاستهلال التى حفّزت أفق توقع قارئها إلى نوعية النص، بانتمائه إلى النصوص التشويقيّة، عبر تقنية بوليسيّة خادعة تبدأ بها الرواية، فعناصر الجريمة متحقّقة، قتيل: الزوج (مخلوف تومي) ومتهمة: الزوجة (عقيلة تومي)، ومحقّق (جمال درقين)، إضافة إلى وجود عناصر اشتباه مثل السيارة رينو 4 صفراء اللون التى كانت تطارد الزوجة من قبل، وآثار تسمم فى جسده. وتزداد دائرة الاشتباه مع قيام الأب بدور المحقّق، وافتراض متهمين محتملين خاصة فى ظل وجود علاقة غير شرعية، وتردده على بيت بابا ياقوت، واختفاء السيارة الهوندا، والتخمينات الجيران الخاصة بالقتل، خيوط الأجواء البوليسية تتردد على أكثر من مستوى كسرقة الأشياء من عيادة عقيلة، دون معرفة السارق، والسيارة الصفراء الرينو 4 التى تتعقبها أثناء خروجها من العيادة، ومَن صاحب حمل ريمة، ومَن بلّغ عن شهلة البرق. كلها أسئلة كانت تحتاج إلى أجوبة، دون أن يقدّم الراوى إجابات، جعلت من القارئ مشاركًا فى تقديم تخمينات وفقًا للقرائن التى مررها فى الحكاية زيادة فى الإيهام، ليضع الجميع محل الشكّ والريبة.
لعبة السرد والزمن
يقدّم المؤلف مغامرة سرديّة فاتنة، يُشرّح فيها المجتمع الجزائرى قبل العشرية السوداء، بظروفه المترديّة التى دفعت الكثير من الأطباء للهجرة إلى الشمال أو فرنسا طمعًا فى رواتب أعلى، وصراعات العمل، وكذلك بعاداته، وثقافته التقليدية فى الأعراس والموت، والأطعمة المشهورة فى مناسبات الزواج والميلاد، وعادات الختان، وأنساقه الاجتماعيّة الحاكمة، وهيمنة الخرافة والشعوذة واللوذ بالمشايخ والأعمال السفليّة، وأمثاله الشعبيّة، والأوبئة التى تفتك بالفقراء الذين يداوون أنفسهم بالأعشاب والأدعيّة لأن جيوبهم مثقوبة، والعلاقات غير الرسمية، وما يتبعها من إجهاض، أو التخلّى عن الطفل بوضعه فى لفافة فى الشارع، وغيرها ... كاشفًا عن مكمن الداء، أو جرثومة التخلف التى استشرت فى البلاد ومهدت للعاصفة، فصارت «بلاد تمشى على رأسها» على حد وصف الأب، حتى صار المنع والتحريم هو الشعار السائد الذى رفعه أصحاب الأيديولوجيات الدينيّة، ثمّ تبنيهم العنف باقتحام مُلثّمِين للمتحف وتخريبهم لوحات فنية تصوّر نساء عاريات، وكذلك حادثة التهجُّم على بيت بابا ياقوت والاعتداء على مومسات، احتجاجًا منهم على ما يقترفنه من خطايا. وهو ما يتيح قراءة الرواية من نواحٍٍ عدة؛ أنثربولوجيّة، واجتماعيّة - سياسيّة، ونسويّة، وتاريخيّة.
كل هذا يأتى عبر بناء قائم على تداعى الأفكار، حيث الأحداث لا تأتى متسلسلة زمنيًّا، وإنما هى أشبه بنثار حكايات تتوالى وهو ما أسهم فى زيادة عنصر التشويق، ورغبة القارئ فى تتبع علاقات الشخصيات، بلغة تمتزج فيها اللغة المحلية الدارجة، مع الفصحى، مع الأغانى الشعبية والأمثال، فى تناسق وتناغم يكشف عن حيوية السّرد واستجابته لواقعه، مستعينًا بلعبة التداخلات الزمنيّة، حيث يوقف الزمن السردى عند لحظة الاعتقال، لينفتح على أزمنة أبعد منه زمنيًّا تستحضر شخوصها وأحداثها، وأحيانًا يلجأ إلى زمن استباقى كما تصف عقيلة رحلة أبيها إلى العاصمة، (ص: 81)، وتخيّل حياة ابنتها بعد وفاة أبيها الذى «سيُفقدها نصف شغفها بالعيش» (ص: 105)، ومن ثم اعتمد على سرد بوليفونى (مُتعدّد)، قدّم به كل مِن الراوييْن الرئيسيين الحكاية أو الأحداث من وجهة نظره باستثناء الزوج «مخلوف تومي» الذى غاب صوته عن السرد، وحضر عبر مخيلة الزوجة تارة والأب تارة ثانية الذى يكشف عن طفولته وعائلته وعلاقته بأبيه، ومع الأسف صورته تحضر عند الطرفين مشوّهة.
المتحكم الرئيسى فى حركة السّرد هما الابنة التى سردت عن علاقتها بالجميع (الأم / الزوج / الأخ / شهلة البرق / وابنتها، وريمة التى تضاجع مجهولين وتريد الإجهاض / وثامر الذى تعرَّفت عليه فى حافلة خط العاصمة كان يقوم بجمع الأجرة، وعلاقتها بصديقتها سلوى التى فتحت عيونها على جسدها ومتطلباته واحتياجاته)، ثم الأب الذى أفصح عما أضمرته الابنة فى حكايتها بتفاصيل جديدة، وأحداث كشفت عن تحولات المجتمع والشخصيات، وما أعقبه من تغيّر المصائر (ابنه / شهلة البرق رفيقة المقاومة / وياقوت، والصحفى بودو رفيقه فى الحرب العالمية وحرب التحرير، وقد تمّ اتهامه أيضًا بالعمالة وسافر إلى فرنسا ثم عاد ليعمل فى تليفزيون البلاد، كما منحت الأخ ميلود صوتًا سرديًّا قليلاً عبر المونولوج، ثم جاءت صورت من منظور الابنة، وعلاقتها به، وعمله معها فى العيادة، وعاداته فى الطعام والشراب، ثم خطبته لفتاة لم تكتمل، وحالة الصمت التى منى بها، ثم بكثير من التفاصيل من منظور الأب، وكان تقديمه له بمثابة إعادة اكتشاف جديد لابنه الذى لم يكن يعرفه من قبل، وعرفه بعد حادثة مقتل زوج الابنة.
ومن الألعاب السردية أن المؤلف جعل الأصوات أشبه بالجواب والقرار، فالأصوات متداخلة وغير منفصلة، فعند نقطة معينة ينتهى صوت الرّاوى، ليدخل صوت الرّاوى الآخر وكأنه يكمل حلقة السرد، فمثلًا بينما يسرد ميلود عن نفسه وعلاقته بأخته فى الطفولة، وتبدّل حياته، يتوقف سرده الذى جاء ببنط مغاير، لتدخل عقيلة فى السّرد مباشرة، دون فاصل، سوء تغيّر بنط الكتابة، والضمير العائد عليها لتُكمل الحكاية من وجهة نظرها، نفس الحال يتكرّر عند سؤال المحقّق جمال درقين عن علاقتها بشهلة البرق، وعلاقة أبيها بها، تنتهى أسئلة المحقّق، لتبدأ عقيلة بالروى عن شخصية شهلة البرق منذ اتهامها بتفجير مقهى، وهروبها من السجن، وصولاً إلى مجيئها إلى عيادتها طلبًا لزرع قرنية، ثم فى الجزء الثانى (الأب) تكتمل صورة شهلة ونضالها إلى هروبها من السجن. كما أن السرد لا يسير على وتيرة واحدة تتطلبها تقنية تعدّد الرّواة، وإنما تتقاطع مع السّرد المذوّد سرودًا متعدّدة ما بين الحوارات، وتيار الوعى، والرسائل، وشهادات نضال وتعزية، ورسوم الطفلة، واليوميات والاعترافات كاعترافات ميلود عن قصة ابنته.
كل هذا خلق حيوية فى حركة السّرد وديمومته، وما زاد من هذه الحيوية هو دائريّة السّرد، حيث يبدو فى أحد وجوهه دائريًّا، فإذا كانت الابنة يُحقّق معها كمتهمة فى قتل زوجها، فالأب كذلك يتمُّ التحقيق معه على يد الشرطى إدريس باده، باعتباره خائنًا وعميلاً للاستعمار، ويخضع لذات الانتهازية التى مارسها المحقّق مع ابنته، فغرض المحقّق هو إثبات التهمّة عليه، ومن ثمّ توالت الاتهامات ضدّه من التحريض على طمس بصر شهلة البرق بتكليف ابنته الطبيبة بالقيام بهذا، ثمّ تحفظه على ممتلكات ثقافيّة كإخفاء قبعة شارلى شابلن بعد تعرّض متحف المدينة للحرق، ونهب مقتنياته، ومثلما لم يغفر زوج عقيلة لها تأخرها فى الإنجاب، ثم إنجابها لأنثى بدلا من ذكر، لم يغفر رفقاء الحرب للأب عصيانه أوامرهم بتفجير مقهى أخيه، ومثلما هو له ابن مجهول (مليك) نَتج من علاقة غير شرعية مع ياقوت، صار لابنه ميلود ابنة (ريمة) من علاقة غير شرعية مع امرأة قادمة من الريف متزوجة، تتجلى دائرة السرد بصورة واضحة فى تشابك العلاقات بين شخصيات الرواية.
فالشخصيات الثانويّة ليست منفصلة عن بعضها أو تسبح فى جزر منفصلة، بل ثمة روابط وصلات تربط بينها وبين الشخصيات الأساسيّة، وتظهر دائريّة السّرد فى استثمار بعض المقولات التى تتردد من قبل بعض الشخصيات، وتعيد أخرى تدويرها على نحو جملة «راقبى زوجك» التى كانت تقولها الأم لابنتها، يستعيدها الأب فى حكايته عن ابنته وهو يسرد عن توتر علاقتها بأمها، وبالمثل دعاؤها عليها «يا رب يجينى خبرك مدهوسة بسيارة»،ويتكرّر الأمر عند ميلود فيردد عبارة «العين ما تعلو على الحاجب»،وقد سبق أن قالها فى سياق آخر عن عدم رفضه لأوامر أخته التى يعمل معها فى العيادة، ثم كررها عندما أراد أن يتوسط لعودة ريمة لبيت ياقوت بعد حملها.
تنتهى الرواية دون أن يتحقّق للأب المخذول أمله فى استعادة حقه بالتبرئة هو وزملاؤه من تهمة العمالة والخيانة، ولا معرفة قاتل زوج ابنته، لكن كشفت الغطاء عن الكثير من الحقائق التى لم يكن يعرفها كحقيقة زوج ابنته مخلوف تومى الذى لم يكن يعرفه، فهو الأب غير الشرعى لطفل ريمة ابنة ميلود، وهو نفسه الذى بلّغ عن ميلود بسرقة الكُلية، وحبس على إثرها ستة أشهر، وكذلك تخفق أحلام عقيلة فى بناء كلية للطب بعد وفاة الصحفى بودو، ولم يتحقّق لها الصفاء بعدما تخلّصت من قيود الزوج المُستبِد، فالأحداث كانت تشير إلى اقتراب موعد الانتخابات البلدية التى سيتصدر فيها الإسلاميون المشهد، وتبدأ صفحة دموية فى تاريخ الجزائر الحديث؛ فالخذلان وعدم الصفاء إشارة إلى الكابوس الذى بدأت بوادره تلوح مع قرب انتخابات البلدية، وما أعقبها من عشرية سواء أطاحت بالأخضر واليابس؛ لأنهم غالبوا مجرى النهر.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.