ضمن منافسات القائمة القصيرة ل الجائزة العالمية للرواية العربية 2026، تبرز رواية "أغالب مجرى النهر" للكاتب الجزائري سعيد خطيبي، الصادرة عن دار نوفل، كعمل سردي يغوص في أعماق النفس البشرية ويكشف صراعاتها الخفية. وتدور أحداث الرواية في بلدة بوسعادة الجزائرية، مسقط رأس الكاتب، إذ لا تكتفي بسرد تقليدي، بل تقدم رحلة تأملية داخل الوعي الفردي والجماعي، تتشابك فيها الذكريات مع الحاضر، والتجارب الشخصية مع الضغوط الاجتماعية، ليغدو كل فصل نافذة على عالم داخلي معقد، تتجلى فيه صراعات التمزق بين الرغبات والمكابدة، والهشاشة والصلابة، والخوف والمقاومة. وتضم الرواية، 15 فصلًا، يُختتم كل منها في غرفة التحقيق بنهايات مشوقة، ما يمنح السرد إيقاعًا متسارعًا مشحونًا بالغموض والتوتر. وفي محور الأحداث، تظهر شخصية "عقيلة تومي"، طبيبة العيون، المحتجزة على خلفية اتهام غامض، قبل أن تنكشف خيوط أكثر تعقيدًا تتعلق بوفاة زوجها في حادث غامض يتبين لاحقًا أنه نتيجة تسمم، ما يضفي بعدًا بوليسيًا يعيد تشكيل توقعات القارئ مع كل فصل. وتحمل الشخصيات، من البطلة إلى أسرتها والمحقق جمال درقين، طبقات نفسية متعددة، تطرح تساؤلات مستمرة حول الحدود بين الضحية والجاني، والخطأ والضرورة، في سرد يتجاوز الحكاية إلى استكشاف القيم الإنسانية في مواجهة واقع معقد. وتمتد الرواية، إلى التاريخ الجزائري، مستحضرة الثورة وحرب التحرير من خلال شخصية الأب الذي وُجهت إليه تهمة العمالة ظلمًا، ما يضيف بعدًا إنسانيًا وسياسيًا يعكس صراع الفرد مع التاريخ. وتوظف الرواية "النهر" كرمز، لا بوصفه مجرى مائيًا، بل باعتباره تعبيرًا عن السباحة عكس التيار، حيث يعكس الفعل "أغالب" دلالة الاستمرارية والمقاومة. وفي تصريحات سابقة، أشار خطيبي، إلى أن فكرة العمل استُلهمت من صديق طفولة فقد بصره مبكرًا، وكان يمكن إنقاذه بعملية زرع قرنية، مؤكدًا أن الرواية تتجاوز التجربة الشخصية لطرح أسئلة حول قيمة الحياة والتمسك بالأمل. وأوضح أن كتابة الرواية استغرقت أكثر من عامين، وأنجزها متنقلًا بين الجزائر ومدن أوروبية، ما أتاح له بناء سرد يجمع بين الواقعية والتأمل النفسي. وتدور أحداث العمل بين فضاءات متعددة، من بينها مشرحة وعيادة وغرفة تحقيق، حيث تُستجوب امرأة متهمة بقتل زوجها، بينما يسعى مناضلون قدامى إلى رفع تهم قديمة، في تداخل بين الخاص والعام. وعلى غلاف الرواية، نقرأ أنها توثق لنحو نصف قرن من تاريخ الجزائر، من الحرب العالمية الثانية حتى التسعينيات، متناولة قضايا اجتماعية مسكوتًا عنها، مثل فجوة الأجيال، والزيجات الفاشلة، والتبرع بالأعضاء، في سرد يرصد اغتراب الإنسان داخل أزماته. ويُعد سعيد خطيبي (مواليد 1984) أحد أبرز الأصوات الروائية في الجزائر، وحاصل على جائزة الشيخ زايد للكتاب عن روايته «نهاية الصحراء»، وقد تُرجمت أعماله إلى عدة لغات.