تتجه الأنظار إلى إسلام آباد، حيث تستعد العاصمة الباكستانية لاستضافة واحدة من أكثر جولات التفاوض حساسية بين الولاياتالمتحدةوإيران، في محاولة لتحويل هدنة مؤقتة إلى اتفاق دائم ينهي حربًا أربكت أسواق الطاقة العالمية وأعادت رسم خرائط التوتر في الشرق الأوسط. وبينما تتحرك الدبلوماسية بسرعة لاحتواء التصعيد، لا تزال الشكوك تسيطر على فرص نجاح هذه المباحثات، في ظل خلافات عميقة حول الملفات الأساسية، أبرزها البرنامج النووي الإيراني، ومضيق هرمز، واتساع رقعة المواجهة لتشمل جبهات أخرى مثل لبنان. وأوضحت التحركات الجارية، وفق تقديرات سياسية، لحظة اختبار حقيقية لقدرة الوسطاء على منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أطول، في وقت تحاول فيه كل الأطراف تحقيق أكبر قدر من المكاسب دون تقديم تنازلات حاسمة. اقرأ أيضًا| حرب إيران تعيد تشكيل الاقتصاد.. أوروبا تدفع الثمن وبكين وموسكو تجنيان المكاسب الحرب قبل التفاوض.. تصعيد واسع وهدنة مؤقتة كشفت المعطيات أن المباحثات المرتقبة تأتي بعد تصعيد عسكري غير مسبوق بدأ في 28 فبراير الماضي، حين شنت الولاياتالمتحدة وإسرائيل هجمات منسقة على إيران، استهدفت مواقع عسكرية ونووية ومنشآت مدنية، وأسفرت عن مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، إضافة إلى سقوط ما لا يقل عن ألفي قتيل خلال أسابيع القتال. وفي المقابل، أفادت تقارير وفقًا لوكالة "فرانس برس" الفرنسية، بأن طهران ردّت بإطلاق صواريخ ومسيّرات نحو إسرائيل وعدد من دول المنطقة، كما أقدمت على إغلاق مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز عالميًا، ما تسبب في قفزات كبيرة بأسعار الطاقة واضطرابات حادة في التجارة الدولية. وبوساطة باكستان، توصل الطرفان في 8 أبريل إلى هدنة لمدة أسبوعين تمتد حتى 22 أبريل، تمهيدًا لفتح باب التفاوض. باكستان.. الوسيط غير المتوقع في معادلة معقدة أفاد مراقبون بأن صعود دور باكستان كوسيط لم يأتِ من فراغ، بل يستند إلى شبكة علاقات متشابكة تجمعها بطهرانوواشنطن ودول إقليمية ودولية مؤثرة. فقد كانت إيران أول دولة تعترف بباكستان بعد استقلالها عام 1947، كما يرتبط البلدان بحدود مشتركة تصل إلى 900 كيلومتر، فضلًا عن روابط ثقافية عميقة. وفي الوقت نفسه، حافظت إسلام آباد على علاقات قوية مع واشنطن والرياض وبكين، حيث لعبت الصين دورًا مهمًا في دفع طهران نحو قبول وقف إطلاق النار، وفق تصريحات للرئيس الأمريكي دونالد ترامب ومسؤولين باكستانيين. وكشف مصدر مطّلع أن تدخل بكين في اللحظات الأخيرة كان حاسمًا في إنقاذ الهدنة من الانهيار. ملفات شائكة.. ماذا على طاولة التفاوض؟ أوضحت المعطيات أن الخلافات بين الطرفين لا تزال عميقة، حيث قدمت واشنطن مقترحًا من 15 بندًا يركز على تقليص اليورانيوم المخصب وإعادة فتح مضيق هرمز، بينما طرحت طهران خطة من 10 نقاط تطالب فيها بالسيطرة على المضيق وفرض رسوم على الملاحة ورفع جميع العقوبات ووقف العمليات العسكرية. كما برز الملف اللبناني كعقبة رئيسية، في ظل استمرار الضربات الإسرائيلية رغم الهدنة، وهو ما دفع طهران إلى التلويح بعدم المشاركة في المفاوضات. وفي هذا السياق، حذر الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان من أن استمرار الهجمات في لبنان يجعل أي مفاوضات "بلا معنى". في المقابل، حاول نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس تهدئة الموقف، مشيرًا إلى احتمال وجود "سوء فهم" بشأن شمول لبنان بالاتفاق. من يقود المفاوضات؟ أعلى مستوى منذ سنوات أشارت التوقعات إلى أن وفد الولاياتالمتحدة سيقوده جي دي فانس، إلى جانب مبعوثا ترامب ستيف ويتكوف، وجاريد كوشنر. ويمثل هذا التشكيل أعلى مستوى من التواصل بين واشنطنوطهران منذ مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015، التي قادها جون كيري. وكان ويتكوف قد أجرى بالفعل جولات تفاوض سابقة بوساطة عمانية مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، قبل أن تتوقف تلك المسارات مع اندلاع الحرب. في المقابل، لم تعلن إيران حتى الآن عن تشكيل وفدها، ما يزيد من حالة الغموض حول مشاركتها. إسلام آباد تحت الإغلاق.. مفاوضات خلف الأبواب المغلقة كشفت مصادر أن العاصمة الباكستانية تشهد إجراءات أمنية مشددة استعدادًا للمباحثات، حيث تم إخلاء فندق "سيرينا" القريب من وزارة الخارجية الباكستانية، وإعلان عطلة رسمية يومي الخميس والجمعة. ومن المتوقع أن تُجرى المفاوضات بشكل غير مباشر، عبر غرف منفصلة لكل وفد، مع قيام الوسطاء الباكستانيين بنقل الرسائل، على غرار المفاوضات السابقة التي استضافتها سلطنة عمان. كما انتشرت قوات الأمن في الشوارع، مع فرض تحويلات مرورية ونقاط تفتيش، فيما بدت المدينة أكثر هدوءًا من المعتاد. اقرأ أيضًا| بسبب تصعيد لبنان.. شكوك تحيط بمفاوضات أمريكاوإيران في باكستان