في عالم تتقاطع فيه الحروب مع أسواق الطاقة تبدو روسيا وكأنها المستفيد غير المباشر من صراع بعيد جغرافيًا، قريب اقتصاديًا، فمع ارتفاع أسعار النفط بسبب التوترات فى الشرق الأوسط، عاد الجدل حول ما إذا كان اقتصاد روسيا بقيادة فلاديمير بوتين قد وجد طوق نجاة جديدًا، لكن خلف هذه الصورة تتكشف رواية أكثر تعقيدًا؛ اقتصاد صمد أمام العقوبات، نعم، لكنه اليوم يقف على حافة «منطقة الخطر» حيث يصبح البقاء ممكنًا، لكن التعافى يكاد يكون مستحيلًا. يقول بعض المحللين إن الرئيس الروسى الرابح الحقيقى من الحرب على إيران، إذ إن ارتفاع أسعار النفط يعزز الصادرات الروسية. لكن هل هذا صحيح فعلًا؟ ووفقًا للكاتب البريطانى سيمون ويلسون بمجلة «The Money Week»، قبل صدمة النفط الناجمة عن الحرب الإيرانية –والتى تعنى ارتفاعًا حادًا فى أسعار النفط وزيادة فى إيرادات الكرملين – كانت الأمور تبدو فى أسوأ حالاتها منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية فى فبراير 2022، فى ذلك الوقت توقع العديد من السياسيين والاقتصاديين الغربيين انهيار الاقتصاد الروسى تحت ضغط العقوبات والانهيار المالى. وقال الرئيس الأمريكى آنذاك جو بايدن بعد شهر من بدء الحرب إن «الاقتصاد الروسى فى طريقه للانكماش إلى النصف، كان يحتل المرتبة الحادية عشرة بين أكبر اقتصادات العالم قبل الحرب مع أوكرانيا، وقريبًا لن يكون حتى ضمن أكبر 20 اقتصادًا». لكن بحلول 2025 ارتقى الاقتصاد الروسي ليصبح تاسع أكبر اقتصاد فى العالم، متجاوزًا كندا والبرازيل، ومحتلًا المركز الرابع أوروبيًا بعد المملكة المتحدة وفرنسا وإيطاليا، واستجابةً للعقوبات، زادت روسيا الإنفاق الحكومى على آلتها الحربية، مما أدى إلى انتعاش اقتصادى غير متوقع، وثبت خطأ التوقعات بانهيار الاقتصاد. فقد أعقب ركود طفيف بنسبة 1.4% فى عام 2022 نمو إيجابى قوى فى الفترة 2023-2024، ساهم فيه جزئيًا ارتفاع أسعار النفط، وجزئيًا زيادة الإنفاق المتعلق بالحرب ونمو الائتمان للشركات. كما أن فائض الحساب الجارى المستمر ساعد فى تخفيف أثر تجميد ما يقرب من نصف احتياطيات روسيا الدولية، كما يوضح أستاذ الاقتصاد ماريك دابروفسكى بمركز أبحاث بروجيل. وبشكل عام، أظهر الاقتصاد الروسى بعد عام 2022 مرونة لافتة. ◄ اقرأ أيضًا | فى ظل الحرب الأخطر اقتصاديًا فى تاريخ العالم.. الترشيد.. طوق «نجاة» ◄ العقوبات الغربية باختصار تمتلك روسيا موارد ومنتجات ترغب دول أخرى فى شرائها. إذا كان السعر مناسب، فستتم هذه التجارة، وإن كان ذلك سيجرى ببيع النفط والغاز الروسيين بأسعار أقل من أسعار ما قبل الحرب. أما العقوبات الغربية التى حظيت بدعم دول لا تمثل سوى أقل من نصف اقتصاد العالم فكانت واضحة المعالم، وبطيئة، ويسهل الالتفاف عليها عبر دول ثالثة، نظرًا لضعف تطبيق العقوبات الثانوية، وكان دور الصين حاسمًا فى زيادة الواردات والصادرات الروسية، إذ حلت محل أوروبا كأكبر شريك تجارى لروسيا، هذا بالإضافة إلى أن النظام الروسى كان مستعدًا للحرب؛ فقد خطط للعقوبات لسنوات، وراكم الدولارات، وعندما حانت لحظة الحسم أجبر العديد من الشركات الأجنبية على بيع كياناتها الروسية بأسعار زهيدة، كما أن إنشاء اقتصاد حرب فعليًا لم يسهم في تعزيز النمو فحسب، بل رسخ أيضًا شبكة من مؤيدى النظام بين الطبقة التجارية. على مدى السنوات الأربع الماضية نما الاقتصاد الروسى، ولكن فقط بسبب «الاستنزاف التدريجي» للصناعة المدنية لتلبية الزيادة الهائلة فى الإنتاج العسكرى، وفقًا لما ذكره موقع «War on the Rocks». وتعتقد المخابرات الألمانية أن الحرب تستحوذ على 10% من الناتج المحلى الإجمالي وأكثر من 50% من الإنفاق الحكومى، ويرجع المركز الروسى لتحليل الاقتصاد الكلى والتنبؤات قصيرة الأجل من 60% إلى 65% من الزيادة فى الإنتاج الصناعى الروسى بين عامي 2022 و2024 إلى القطاعات الأكثر تورطًا فى الحرب الأوكرانية، بينما يظهر تراجعًا فى الصناعات غير المرتبطة بها. ◄ ركود اقتصادي دخل الاقتصاد الروسى فى حالة ركود، وبلغت ديون الحكومة 320 مليار دولار، تراجع النمو بشكل حاد العام الماضى من 4% فى عام 2024 إلى أقل من 1% فى الربع الأخير من عام 2025، وأعلن الرئيس بوتين مؤخرًا أن الناتج المحلى الإجمالى انخفض بنسبة 2.1% فى السنة المنتهية فى يناير، مع انخفاض الإنتاج الصناعى بنسبة 0.8%، على الرغم من بقاء معدل البطالة منخفضًا عند 2.2%، بينما ظل التضخم دون 6%. ويشك العديد من المحللين الغربيين فى أن الواقع أسوأ من ذلك، وتقول الكاتبة ألكسندرا بروكوبينكو فى مجلة «الإيكونوميست»: «لن ينهار الاقتصاد، لكنه لن يتعافى أيضًا، لقد دخل ما يسميه متسلقو الجبال منطقة الموت: الارتفاع الذى يزيد عن 8000 متر، حيث يستهلك الجسم البشرى نفسه أسرع من قدرته على التعافي»، تحافظ روسيا على «توازن سلبى»، لديها القدرة على التماسك على حساب تدمير قدراتها المستقبلية بشكل مطرد. ◄ الفائز الحقيقي من الواضح أنه لا أحد يعلم إلى متى سيظل سعر النفط مرتفعًا عن مستويات ما قبل الحرب، لكن بوتين نفسه الذى يوصف أحيانًا فى الأسابيع الأخيرة بأنه «الفائز الحقيقى» فى الصراع الدائر بين الولاياتالمتحدةوإيران لا يحتفل ببزوغ فجر نموذج جديد للإنفاق السخى، فقد دعا هذا الأسبوع شركات النفط والغاز إلى استخدام العائدات الإضافية من الارتفاع الحالى فى أسعار المواد الهيدروكربونية العالمية لخفض أعباء ديونها وسداد التزاماتها للبنوك المحلية. إذًا، وفقًا للمجلة البريطانية «The Money Week» هل روسيا هى الرابح الحقيقى من حرب إيران؟ على المدى القصير، من حيث ارتفاع العائدات النفطية، قد يبدو ذلك صحيحًا، لكن الصورة الأشمل تقول غير ذلك؛ روسيا تصمد. لقد منحتها الحرب وقتًا إضافيًا، لكنها عمّقت اعتمادها على نموذج اقتصادى قائم على الحرب، وعلى سوق طاقة متقلب، لقد أخرت العواقب، لكنها لم تُلغها، وكما هو الحال مع أى متسلق فى «منطقة الموت»، فإن السؤال لم يعد ما إذا كانت روسيا قادرة على الاستمرار، بل إلى متى يمكنها البقاء قبل أن يصبح الهبوط حتميًا؟!.