فى الشرق الأوسط، حيث تتقاطع خرائط المصالح مع خطوط النار، تبرز لحظات يُصبح فيها صوت الدولة العاقلة أثمن من ضجيج السلاح. وفى مثل هذه اللحظات، تعود القاهرة لتشغل موقعها التقليدى فى هندسة التوازنات الإقليمية؛ لا باعتبارها مراقبًا بعيدًا عن المشهد، بل فاعلًا سياسيًا يمتلك القدرة على فتح قنوات الحوار حين تنغلق، وإعادة السياسة إلى موقعها الطبيعى حين تتقدم لغة القوة على حساب العقل، فالدور المصرى فى الإقليم لم يكن يومًا مجرد حضور دبلوماسى، بل كان على الدوام تعبيرًا عن فلسفة دولة ترى أن استقرار المنطقة جزءٌ من أمنها القومى. وفى هذا السياق، تبدو التحركات المصرية الراهنة فى ظل التصعيد المرتبط بالحرب حول إيران امتدادًا طبيعيًا لهذا النهج، فالقاهرة التى كانت فى قلب الجهود الدولية والإقليمية لوقف الحرب فى غزة وفتح مسارات التهدئة، تتحرك اليوم بالمنطق ذاته.. منطق الدولة التى تدرك أن الشرق الأوسط لا يحتمل حربًا إضافية ولا دوائر جديدة من الفوضى وصراعات الهيمنة. تمتلك مصر رصيدًا كبيرًا من الثقة عند كل أطراف الأزمة، وهذا الرصيد لم يتكون من فراغ، بل من سجل طويل من الوساطات والتحركات الدبلوماسية التى جعلت القاهرة طرفًا مقبولًا لدى الجميع حتى فى أكثر الملفات حساسيةً وتعقيدًا، فالدولة التى حافظت على قنوات اتصال مفتوحة مع مختلف القوى الإقليمية، وامتنعت عن الانزلاق إلى سياسات الاستقطاب الحاد، استطاعت أن تبنى لنفسها صورة الوسيط القادر على الاستماع للجميع دون أن يفقد استقلال قراره. حضور مصرى متواصل ومن هنا يمكن فهم الحضور المصرى المتواصل فى جهود احتواء التصعيد، سواء فى القضية الفلسطينية أو فى الأزمة الإيرانية الراهنة. فالقاهرة تتحرك وفق مقاربة سياسية ترى أن الحروب فى الشرق الأوسط غير قابلة للحلول العسكرية فلا أحد يملك الحسم العسكرى، وهى تدرك جيدًا أن العودة إلى مائدة المفاوضات حتمية مهما علت أصوات التصعيد، وهى مقاربة تستند إلى خبرة تاريخية عميقة، تعرف جيدًا أن الانتصارات العسكرية قد تغيّر موازين القوة مؤقتًا، لكنها لا تبنى سلامًا دائمًا. فى هذا السياق، جاء الاتصال الهاتفى المهم الذى تلقاه الرئيس عبد الفتاح السيسى من الرئيس الإيرانى مسعود بزشكيان، وهو اتصال يحمل فى طياته دلالات سياسية فى وقت شديد الحساسية والصعوبة، فقد عكس هذا الاتصال إدراكًا إقليميًا متزايدًا بأن القاهرة تظل واحدة من القنوات القليلة القادرة على دفع مسار التهدئة وإعادة الاعتبار للحلول الدبلوماسية. وخلال هذا الاتصال، كان الرئيس السيسى واضحًا وحاسمًا فى إدانة ما تقوم به إيران تجاه الأشقاء فى الخليج، وأعرب عن إدانة مصر القاطعة ورفضها المطلق لاستهداف إيران لدول الخليج والأردن والعراق الشقيقة. وهو موقف لا يندرج فقط فى إطار التضامن العربى، بل يعكس أيضًا رؤية استراتيجية ترى أن توسيع رقعة الصراع فى المنطقة سيقود إلى نتائج كارثية تطال الجميع بلا استثناء. فالدول التى تعرضت لهذه الهجمات، كما أكد الرئيس، لم تُؤيد الحرب ضد إيران ولم تشارك فيها، بل كانت على العكس من ذلك جزءًا من الجهود الداعية إلى خفض التصعيد ودعم المفاوضات الإيرانية – الأمريكية، بحثًا عن مخرج دبلوماسى للأزمة، ومن هنا جاء التأكيد المصرى على ضرورة إعلاء مبدأ حسن الجوار ووقف هذه الهجمات على وجه السرعة، باعتبار أن استمرارها لن يؤدى إلا إلى تعميق دائرة التوتر وإضعاف فرص الحل السياسى. ولم يخفِ الموقف المصرى قلقه العميق من التصعيد الراهن، إذ عبّر الرئيس السيسى عن أسف مصر البالغ لما تشهده المنطقة من توتر متصاعد، وعن قلقها من انعكاساته السلبية على استقرار الإقليم ومقدرات شعوبه، وهى عبارة تختصر رؤية القاهرة للمشهد الإقليمى بأكمله: فكل تصعيد جديد يضيف طبقة أخرى من الهشاشة إلى بنية إقليم يعانى أصلًا من اختلالات مزمنة. ومع كل تصعيد كبير فى الإقليم تتوجه كل الأطراف بالنظر إلى القاهرة باعتبارها العاصمة القادرة على إطفاء الحرائق، ولذلك لم تتوقف الجهود والاتصالات لوقف العمليات العسكرية والعودة إلى المسار التفاوضىى، مع التشديد على أهمية التحلى بالمرونة السياسية من جميع الأطراف. على الجانب الآخر، يعكس اتصال الرئيس الإيرانى تقديره لجهود مصر وللدور الذى يقوم به الرئيس السيسى فى محاولة احتواء التصعيد، مؤكدًا مشاركة بلاده فى جولات التفاوض بشأن البرنامج النووى الإيرانى، وحرصها على علاقات الأخوّة وحسن الجوار مع الدول العربية. وهى إشارات تعكس إدراكًا إيرانيًا أيضًا لأهمية المسار الدبلوماسى فى هذه اللحظة الحساسة. يمثّل الرئيس بزشكيان صوت العقل والحِكمة فى طهران وله تصريح سابق يعتذر فيه لدول الخليج عن الهجمات الإيرانية، ومن الواضح أنه يمثّل الجانب الذى يسعى للتهدئة داخل النظام الإيرانى، وهو ما يعطى اتصاله بالرئيس السيسى بُعدًا مهمًا فى ظل وجود تحركات للتهدئة وقنوات تفاوض مفتوحة بين إيران من جانبٍ والولاياتالمتحدة من جانبٍ آخر من أجل الوصول لصيغة مقبولة لوقف إطلاق النار. وخلال الاتصال كان الرئيس السيسى واضحًا فى إعلان استعداد مصر للاضطلاع بكل جهد ممكن للوساطة وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمة الراهنة، مع التشديد على ضرورة احترام قواعد القانون الدولى وميثاق الأممالمتحدة، وكذلك احترام سيادة الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل فى شئونها الداخلية. تحركات القاهرة فى الإقليم إن الدور المصرى فى الأزمة الإيرانية لا يمكن فصله عن الفلسفة السياسية التى حكمت تحركات القاهرة فى الإقليم طوال العقود الماضية: فلسفة تقوم على أن الأمن الإقليمى لا يُبنى على مراكمة الخصومات، بل على إدارة التوازنات الدقيقة بين القوى المختلفة. ولهذا ظلت مصر - حتى فى أكثر اللحظات تعقيدًا - تميل إلى السياسة باعتبارها فن منع الانفجار قبل أن يصبح احتواؤه مستحيلًا. من غزة إلى طهران، ومن ملفات التهدئة الفلسطينية إلى محاولات خفض التصعيد مع إيران، يتجلى الدور المصرى باعتباره أحد الأعمدة القليلة المتبقية فى بنية النظام الإقليمى العربى. فالدولة التى ترفض الانجرار إلى المغامرات العسكرية، وتتمسك بمنطق الحوار، وتصر على احترام قواعد القانون الدولى، إنما تؤدى دور العقل والحكمة فى إقليم استوطنته الاضطرابات والصراعات باختلاف أنواعها. فى لحظات الفوضى الإقليمية، أصبحت القاهرة عنوان الاتزان وصوت العقل السياسى فى منطقة اعتادت أن تتحرك فيها الأزمات بسرعة تفوق قدرة السياسة على اللحاق بها، تظل القاهرة تحاول - بخبرة التاريخ - أن تبقى باب التهدئة مفتوحًا، وأن تذكّر الجميع بأن السلام ليس ضعفًا، بل أعلى درجات القوة، وأن التهدئة ستكون فى صالح الجميع؛ لأنه لا أحد رابح من المواجهة العسكرية سواء طالت أو قصرت. والخاسر المؤكد هو المواطن الذى يدفع فاتورة انعدام الأمن والتضخم وارتفاع أسعار الطاقة وكل الإجراءات الاقتصادية الصعبة المترتبة على استمرار اشتعال الأزمة، وفى ذلك يتساوى الجميع سواء فى الولاياتالمتحدة أو الشرق الأوسط أو باقى مناطق العالم.