قد لا يعرف الكثيرون ما هو ضوء السنكروترون، لكن عالمة الفيزياء المصرية الدكتورة جيهان كامل، المشرفة على خط الأشعة تحت الحمراء فى مركز «سيسامي» (SESAME) بالأردن، تستخدمه يوميًا لكشف أسرار المواد والآثار القديمة كالمومياوات الفرعونية، واللوحات الفنية العتيقة، دون الإضرار بها. وهذا الضوء الفريد يعد بمثابة مجهر لتكبير المواد الدقيقة بشكل هائل، ويفتح آفاقًا جديدة فى الطب والبيئة والطاقة وعلوم المواد وحفظ التراث الثقافي. وتمثل مصر باعتبارها عضوًا مؤسسًا فى «سيسامى» جزءًا أساسيًا من هذه المنصة العلمية الدولية، التي تهتم بأبحاث ضوء السنكروترون كقوة للتقدم تجمع بين الابتكار والتعاون الدولي وحماية التراث.. وانتهزت «آخرساعة» فرصة حصول الدكتورة جيهان كامل على جائزة «جون ويتلي» الأمريكية لعام 2025، تقديرًا لإسهاماتها فى بناء القدرات العلمية فى إفريقيا والشرق الأوسط وقيادة الباحثين فى مشاريع مستقبلية وأجرت معها الحوار التالى: ◄ ضوء «السنكروترون» يوضح ما لا تراه العين في المواد والطبيعة ◄ تمسكت بحبى للفيزياء رغم اعتقاد البعض أن هذا المجال حكر على الرجال ◄ إعداد الدكتوراه في الفيزياء الحيوية بإيطاليا محطة مفصلية بمسيرتي ■ أثناء تسلم الدكتورة جيهان كامل جائزة جون ويتلي في الجمعية الفيزيائية الأمريكية ◄ نهنئكِ بحصولكِ على جائزة «جون ويتلي» لعام 2025.. ماذا تمثل لكِ هذه الجائزة على الصعيدين الشخصي والمهني؟ - حصولى على جائزة «جون ويتلي» يحمل معنى عميقًا بالنسبة لى على المستويين الشخصى والمهني. على الصعيد الشخصى يُعد هذا التكريم اعترافًا متواضعًا وملهمًا بأن سنوات طويلة من العمل الجاد والمثابرة وجدت صداها خارج نطاق مجتمعى المباشر فى مصر والشرق الأوسط. أما على المستوى المهني، فتمثل هذه الجائزة شكلًا مهمًا من أشكال الاعتراف الدولي، إذ تشير إلى أن إسهاماتى البحثية محل تقدير وتُعد مؤثرة داخل المجتمع العلمى العالمى ليس فقط فى الشرق الأوسط، بل فى مناطق أخرى مثل أفريقيا، كما أنها تعزز موقعى كعالِمة تعمل على المستوى الدولي، وتُرسّخ لديّ الشعور بالمسئولية لمواصلة السعى نحو أبحاث علمية رصينة وذات أثر، إلى جانب الإسهام فى التعاون العلمى والإرشاد الأكاديمى وبناء القدرات عبر الحدود. وقد مُنحت الجائزة عن «إسهاماتى الاستثنائية فى بناء القدرات فى أفريقيا والشرق الأوسط ومناطق نامية أخرى، بما فى ذلك الريادة فى تدريب الباحثين على تقنيات خطوط الأشعة فى مصادر ضوء السنكروترون، ووضع الأسس اللازمة لإنشاء مرافق مستقبلية فى دول الجنوب العالمي». ◄ ما الذي شجعك لدراسة الفيزياء والسعي للحصول على درجة الدكتوراه في الفيزياء الحيوية في إيطاليا؟ - انجذبت إلى الفيزياء بدافع فضول عميق، وكذلك بدافع شخصى للغاية يتمثل فى تحدى الفكرة التى لا تزال شائعة لدى البعض، وهى أن الفيزياء ليست مكانًا مناسبًا للنساء. وبدلًا من أن تحبطنى هذه التصورات، دفعتنى إلى الإصرار والثقة فى شغفى بالمجال. كان اختيارى لإجراء دراسة الدكتوراه فى الفيزياء الحيوية بإيطاليا محطة مفصلية فى مسيرتي، فالعيش والعمل فى بلد جديد منحانى الثقة والاستقلالية، وتعرفت على المجتمع العلمى الدولى مبكرًا. وساعدنى ذلك على رؤية عملى فى سياق أوسع، وأسهم فى تطورى ليس فقط كعالِمة، بل أيضًا فى تشكيل هويتى كامرأة مصرية تعمل فى بيئة بحثية عالمية. ■ الدكتورة جيهان كامل تتابع عملها وأبحاثها العلمية ◄ كيف أسهمت نشأتكِ ودراستكِ في مصر في تشكيل مساركِ العلمى ومنهجكِ البحثي؟ - نشأتى ودراستى فى مصر كانت الأساس الذى بُنى عليه مسارى العلمى بأكمله، ففى مصر تلقيتُ التدريب الجوهري، وتعلمت الانضباط العلمى ومنهجية حل المشكلات، وتبلور شغفى الأول بالعلم. وكان التعليم الذى تلقيته فى جامعتى الأم هو حجر الأساس الذى مكّننى لاحقًا من الاندماج بثقة فى بيئات بحثية أكثر تقدمًا ودولية. إضافة إلى ذلك، فإن العمل فى ظل العديد من القيود والتحديات علّمنى تقدير الأساسيات، والاعتماد على النفس، والتعامل مع المشكلات بصبر، وهو النهج ذاته الذى ما زلت أتبعه حتى اليوم. ◄ ما أبرز التحديات التى واجهتكِ خلال رحلتكِ الأكاديمية والبحثية، سواء في مصر أو خارجها؟ - أستطيع القول إننى مثل غيرى من الباحثين واجهتُ عدة تحديات كبيرة، سواء فى مصر أو خارجها، ففى مصر أدت محدودية الموارد المالية والبشرية إلى أن أتعلم مبكرًا كيف أكون مرنة ومبدعة ومستقلة. أما بعد انتقالى إلى الخارج فقد واجهتنى مجموعة جديدة من التحديات، من بينها الاندماج فى ثقافة وبيئة بحثية مختلفتين، وبناء شبكات تعاون من الصفر، والتعامل مع معايير دولية صارمة. ومع ذلك، فإن الأساس القوى الذى بنيته فى مصر، المتمثل أساسًا فى الصلابة والقدرة على التحمل، ساعدنى على اكتساب المصداقية واتخاذ قرارات واعية ومدروسة بين زملاء كان معظمهم من الرجال. وبمرور الوقت، لم يسمح لى هذا الأساس بالمساهمة بفاعلية فى مجالى فحسب، بل إنه مكّننى أيضًا من تحدى الافتراضات القائمة على النوع الاجتماعي، وتولى أدوار قيادية، وإثبات أن النساء قادرات على القيادة والابتكار وصياغة مسار العلم على أعلى المستويات. ◄ ما الذي جذبكِ للعمل فى مركز «سيسامي» الدولى «SESAME»، وما طبيعة عملك كعالمة رئيسية ومشرفة على خط الأشعة تحت الحمراء؟ - بدأ ارتباطى الشخصى ب«سيسامي» عام 2005، عندما قدّمنى مشرفى المصرى فى جامعة حلوان (جامعة العاصمة حاليًا) إلى هذا الصرح العلمي، وأوضح لى أن مصر عضو مؤسس، وشجّعنى على حضور اجتماع مستخدمى «سيسامي»، وهو الاسم الذى تُعرف به المؤتمرات السنوية لمرافق السنكروترون، ومنذ تلك اللحظة، انجذبتُ إلى «سيسامي»، ليس فقط بسبب مهمته العلمية المتقدمة، بل أيضًا لأنه يجسد إحساسًا بالفخر والمسئولية الوطنية، ويُذكرنى بالدور الذى يمكن أن أؤديه كعالِمة مصرية فى الإسهام فى التعاون الإقليمى والدولى والتقدم العلمي. كما لفت انتباهي أن «سيسامي» هو مركز السنكروترون الوحيد فى الشرق الأوسط والمناطق المجاورة، رغم وجود أكثر من 50 مركزًا للسنكروترون حول العالم. ولا يقتصر دوره على الجانب العلمى فقط بل إنه يعالج قضايا وتحديات إقليمية أوسع، مثل الحد من هجرة العقول (وأنا مثال على ذلك، حيث أعادنى «سيسامي» إلى المنطقة)، وتعزيز تمثيل المرأة فى العلوم اعتمادًا على الكفاءة العلمية وليس النوع الاجتماعى فقط، فقد كنت المرأة العالِمة الوحيدة فى مركز «سيسامي» لمدة تسع سنوات تقريبًا. ومن خلال رفع الوعى لدى العلماء وصناع القرار والجمهور، يبرهن «سيسامي» على قدرة العلم على أن يكون قوة محايدة تُعزز التعاون المستدام والتنمية الاجتماعية والاقتصادية فى الشرق الأوسط. ◄ في أى إطار تركز دورك في مركز «سيسامي»؟ - تركّز دورى على خط الأشعة تحت الحمراء، الذى يستخدم الإشعاع القوى الصادر عن السنكروترون، فمنذ عام 2015 كنت مسئولة عن بناء الخط وتشغيله التجريبي، وهى عملية اكتملت فى عام 2017، ومنذ عام 2018 أقود تشغيله وتطويره والإشراف على جميع أنشطته، مع ضمان عمله وفق أعلى المعايير. ويخدم خط الأشعة تحت الحمراء مجتمعًا دوليًا من المستخدمين، ما يتيح للعلماء من مختلف أنحاء العالم الاستفادة من هذا الإشعاع القوى فى طيف واسع من التطبيقات، من العلوم الأساسية إلى الأبحاث التطبيقية، بما فى ذلك الطب، وعلوم المواد، والطاقة والبطاريات، ودراسات تلوث المياه والتربة، وتحليل وصون التراث الثقافي.. ويتيح لى الانخراط فى هذا العمل الإسهام ليس فقط فى أبحاث علمية متقدمة، بل أيضًا فى تعزيز التعاون بين باحثين من دول وتخصصات مختلفة. ◄ هل يمكنكِ شرح الأهمية العلمية لضوء السنكروترون وأبرز تطبيقاته العملية؟ يُعرف ضوء السنكروترون بأنه يوفّر بيئة علمية متقدمة ومفتوحة قادرة على جذب العلماء من مختلف التخصصات بسهولة، إذ يُعد من أقوى الأدوات التى نمتلكها لاستكشاف العالم من حولنا بدقة غير مسبوقة، إذا ما نظرنا إليه بوصفه «مجهرًا عملاقًا». ويُنتج هذا الضوء عندما تُسرّع الإلكترونات إلى سرعات قريبة من سرعة الضوء، وتُجبر على الانحناء فى مسار دائري، ما يؤدى إلى توليد حزمة ضوئية فائقة السطوع والدقة تمتد من الأشعة تحت الحمراء إلى الأشعة السينية. ويُعد ضوء السنكروترون من أقوى الأدوات العلمية المتاحة اليوم، ويمكن تشبيهه ب«مجهر عملاق» يتيح لنا استكشاف العالم من حولنا بدقة غير مسبوقة، وينتج هذا الضوء عندما تُسرَّع الإلكترونات إلى سرعات قريبة من سرعة الضوء، وتُجبر على الدوران فى مسار دائري، مولِّدة حزمة ضوئية فائقة السطوع تمتد من الأشعة تحت الحمراء إلى الأشعة السينية. ويستخدم العلماء هذا الضوء لدراسة كل شيء تقريبًا، من تصميم مواد وأدوية جديدة، إلى أبحاث الطاقة والبطاريات، ودراسة التلوث البيئي، والزراعة، وتغير المناخ، وحفظ التراث الفنى والأثري، دون إتلاف العينات. كما تمثل مراكز السنكروترون، مثل SESAME، منصات فريدة للتعاون الدولى وتبادل المعرفة. ◄ ما المشروعات البحثية التى تقودينها حاليًا، وما أبرز النتائج التى تحققت حتى الآن؟ فى خط الأشعة تحت الحمراء تتسم الأبحاث بتنوعها وإثارتها الشديدة، فعلى سبيل المثال، لديّ مشروع يدرس بقايا بشرية قديمة، من شعر وعظام وأسنان وجلد، من شرق البحر المتوسط والشرق الأدنى، لا سيما من قبرص وإيران وتركيا وسوريا والعراق، فى محاولة لفهم كيفية حفظها عبر الزمن. ويركّز خط آخر من الأبحاث على حماية تراثنا الثقافي، مثل المخطوطات الدينية واللوحات الجدارية والمنسوجات، من خلال تطوير مواد بوليمرية جديدة. وفى الوقت ذاته، هناك مشروعات تدرس تحديات صحية كبرى، مثل تسمم الحمل، وسرطان الجلد والثدي، وألزهايمر، وباركنسون، والتصلب المتعدد، والسكرى من النوع الثاني، بما فى ذلك مضاعفاته مثل قرحة القدم السكرية، إضافة إلى ذلك، يجرى تطوير مواد جديدة للبطاريات وأجهزة استشعار ضوئية للتطبيقات الصناعية. وما يبعث على الدهشة أن كل هذا يحدث تحت سقف واحد، جامعًا بين العلم المتقدم، والتأثير الواقعي، والتعاون الدولي. ◄ كيف يمكن لمصر الاستفادة من أبحاثكِ ومن عملكِ في مجالات البيئة، ودراسة المومياوات، وحفظ التراث، والطاقة؟ بوصفها عضوًا مؤسسًا فى مركز SESAME ومساهمًا منتظمًا من خلال عضويتها السنوية تتمتع مصر بموقع فريد يتيح لها الاستفادة من الأبحاث المتقدمة التى يُجريها المركز، فمصر غنية بالتراث الثقافى والآثار، وتاريخها يمتد لآلاف السنين. وعلى الرغم من تنفيذ العديد من المشروعات لدراسة هذا التراث والحفاظ عليه، فإن هناك دائمًا المزيد مما يمكن إنجازه. يوفر «سيسامي» الأدوات والخبرات لتعميق هذه الدراسات، سواء فى تحليل المومياوات القديمة، أو حماية المخطوطات، أو صون الآثار، غير أن الأثر يتجاوز التراث بكثير، إذ تمتد الأبحاث المتقدمة إلى مجالات الطب، وتصميم الأدوية، والدراسات البيئية، وتطبيقات الطاقة، وهى كلها مجالات ذات أهمية حاسمة لمصر. ومن خلال الاستفادة من إمكانات مركز «سيسامى»، يمكننا تطوير أبحاث الصحة، والتصدى للتلوث والتحديات البيئية وتغير المناخ، والإسهام فى تحقيق أهداف التنمية المستدامة التى تتبناها الأممالمتحدة. وباختصار فإن استثمار مصر فى SESAME لا يقتصر على دعم العلم فى الخارج، بل يهدف إلى إعادة البحث العلمى العالمى إلى الداخل، وتعزيز الابتكار، وضمان استفادة العلماء والمجتمع من فرص التعاون الدولي. ◄ برأيك، كيف يمكن لمصر تحقيق كل هذه الفوائد؟ - لتحقيق هذه الفوائد على نحو كامل، من الضرورى أن تضمن الجهات المعنية فى مصر تدفقًا سلسًا للمعلومات حول SESAME إلى العلماء فى جميع التخصصات والمناطق.. ومن خلال تشجيع الباحثين على التفاعل مع المركز، ودعم الوصول إلى إمكاناته، وتنظيم ورش عمل ومؤتمرات وبرامج تدريبية متخصصة، يمكن تعريف العلماء المصريين بقوة علم السنكروترون وتوظيفه بأفضل صورة ممكنة. وأود التأكيد على نقطة مهمة للغاية تتعلق بالموارد المالية، فبما أن مصر عضو كامل فى «سيسامي»، فإن العلماء والباحثين المصريين يحصلون على دعم كامل لإجراء أبحاثهم فى المركز، يشمل تغطية تكاليف السفر والإقامة والتنقل المحلي، بحيث لا تكون التكلفة عائقًا على الإطلاق، ويظل المعيار الأهم هو الكفاءة العلمية وجودة البحث وأهميته. ◄ كيف تنظرين إلى دور المرأة في العلوم، وما النصيحة التي تقدمينها للشابات المصريات الراغبات في العمل في العلوم الدقيقة؟ - غالبًا ما تفرض الأعراف الاجتماعية والثقافية قيودًا صارمة على النساء، ما يجعل الطريق فى مجال العلوم أكثر تحديًا، وحتى اليوم تواجه العديد من العالمات فى العالم العربى قيودًا تحد من قدرتهن على السفر دوليًا. ومع تجاوز الدور التقليدى فى البحث العلمى لم تعد النساء مجرد مساهمات فى إنتاج المعرفة، بل أصبحن يشكّلن التوجهات الاستراتيجية للعلوم والتكنولوجيا والسياسات العلمية. وعلى قدم المساواة مع الرجال، تُبرز النساء أدوار القيادة والحوكمة والأثر المؤسسى طويل المدى، ولديهن تأثير فى أولويات البحث الوطني، والبنى التحتية العلمية الكبرى، بل ويتجاوز ذلك إلى إطلاق مبادرات للدبلوماسية العلمية الدولية. وكما سبق أن قلت فإننى عندما التحقتُ ب«سيسامي»، كنتُ المرأة العالِمة الوحيدة هناك، وكان ذلك تحديًا كبيرًا وتجربة استثنائية فى آن واحد. وكنت أعلم أن عليّ أن أعمل باجتهاد على نحو استثنائي، ليس فقط لأصبح خبيرة فى مجالي، بل أيضًا لتجاوز الافتراضات والصور النمطية المنحازة، ولذا فإن نصيحتى للشابات بسيطة.. أقول لهن ارتفعن فوق الفوارق، وتحدَّين القواعد غير المقبولة، ونافسن بالصبر والثقة والمثابرة والانضباط الذاتى وقوة الإرادة، دون كراهية، ولكن بعزيمة راسخة، وبالتعاون الكامل مع الزملاء الرجال. ◄ ما رؤيتكِ لتطوير البحث العلمي في الشرق الأوسط، لا سيما في تقنيات ضوء السنكروترون؟ - أعتقد أن امتلاك رؤية لتطوير البحث العلمى فى الشرق الأوسط، خصوصًا فى تقنيات ضوء السنكروترون، أمر واضح ومباشر من حيث المبدأ، إلا أن التحدى الحقيقى يكمن فى التنفيذ وتحويل هذه الرؤية إلى نتائج ملموسة. ويتطلب التنفيذ جهودًا منسقة تشمل توسيع نطاق الوصول إلى المراكز، وتدريب الباحثين فى أنحاء المنطقة، وتعزيز المشروعات متعددة التخصصات، وضمان توفير الموارد والدعم للعلماء، لا سيما فى المراحل المبكرة من مسيرتهم، كما يستلزم تعاونًا بين الحكومات والمؤسسات والمجتمع العلمى الدولى لخلق أطر مستدامة للبحث والابتكار وتبادل المعرفة. ومن وجهة نظرى يتحقق النجاح من خلال الجمع بين الطموح والتخطيط الدقيق، والاستثمار فى رأس المال البشري، وترسيخ ثقافة تقدّر التميز العلمى والتعاون الإقليمي. وبهذه الطريقة يمكن للشرق الأوسط تحويل إمكاناته فى علم السنكروترون إلى تأثير واقعي، ليصبح مركزًا للتميز العلمي، تُنتَج فيه أبحاث عالمية المستوى محليًا، وتزدهر فيه الشراكات الدولية، وتسهم ابتكاراته فى التنمية المستدامة والسياسات والتقدم المجتمعى عالميًا. ◄ هل يمكنكِ مشاركة تجربة شخصية أو مشروع علمي يعكس شغفكِ بالعلم؟ - أنا فيزيائية، لكن العمل فى خط الأشعة تحت الحمراء فتح أمامى آفاقًا واسعة تجاوزت بكثير ما يُنظر إليه عادة على أنه «فيزياء تقليدية»، والمثير هو رؤية كيف يمكن توظيف الفيزياء فى مجالات غير متوقعة، مثل الطب، وحفظ التراث، والدراسات البيئية، وعلوم المواد، وغيرها. ومن التجارب التى تعكس شغفى بالعلم عملى على دراسة مومياوات مصرية قديمة كانت موجودة فى إسبانيا، ثم جُمعت فى مركز «سيسامي» بالأردن، حيث عملتُ إلى جانب فريق دولى من المملكة المتحدة ومالطا وإسبانيا، واستخدمنا ضوء السنكروترون بالأشعة تحت الحمراء لتحليل هذه البقايا بدقة عالية، ودراسة أنسجة الشعر والجلد لفهم حالتها الصحية وطرق حفظها ونمط الحياة قبل آلاف السنين. وما جعل هذه التجربة مميزة بالنسبة لى ليس العلم فقط، بل التعاون العابر للحدود ورؤية شغف العالم بتاريخنا المصري. كان التراث المصرى يُدرَس بخبرات ورؤى دولية فى فضاء علمى محايد مكرّس للبحث المتقدم، إلى جانب متعة العمل مع زملائى المصريين لفهم تاريخنا ومواد وأساليب التحنيط. إنها تجربة تجمع بين العلم الدقيق والانتماء الشخصى والوطنى والثقافى العميق. ◄ ما الرسالة التى تودّين توجيهها إلى الباحثين الشباب فى مصر حول المثابرة والسعي للتميز العلمي؟ - إذا كان بإمكانى توجيه رسالة واحدة إلى الباحثين الشباب فى مصر فستكون: لا تستهينوا أبدًا بقوة الإصرار، فطريق العلم ملىء بالتحديات، من محدودية الموارد إلى الضغوط الاجتماعية، لكن المثابرة والالتزام بالتميز يمكن أن يفتحا أبوابًا لم تتخيلوها.. اسعوا لإتقان مجالاتكم، وكونوا أكثر جرأة فى اغتنام الفرص الدولية، وتذكروا دائمًا أن العلم لا يتعلق بالمعرفة أو الإنجازات الشخصية فقط، بل بإحداث أثر حقيقى والمساهمة فى حلول ذات قيمة. التحديات موجودة دائمًا، صعودًا وهبوطًا، وعقبات وأبوابًا مغلقة، لكن هناك دائمًا يد ممدودة وطريق للمضى قدمًا. ومن المهم أن ندرك أن القواعد التى يضعها الآخرون وُجدت للإرشاد لا للتحديد. ◄ «SESAME».. ضوء البحث العلمي بالشرق الأوسط يقع مركز الأبحاث العلمى الدولى «SESAME» فى عمّان بالأردن، تأسس عام 2002 وبدأ تشغيله التجريبى فى 2017، ليكون أول منشأة من نوعها فى الشرق الأوسط مخصصة للبحث العلمى المتقدم، ويوفر المركز ما يعرف ب«ضوء السنكروترون»، وهو إشعاع قوى ودقيق يمتد من الأشعة تحت الحمراء حتى الأشعة السينية، يمكّن العلماء من دراسة المادة والطبيعة بتفاصيل لا توفرها أدوات أخرى. تشترك فى المركز عدة دول مؤسِّسة أبرزها مصر وإيران والعراق والأردن وباكستان وتركيا، ويشارك علماء من دول أخرى حول العالم، ما يجعله منصة للتعاون العلمى الإقليمى والدولي. ويستخدم المركز ضوء السنكروترون فى مجالات متنوعة تشمل الطب، وعلوم المواد والطاقة، والبيئة والزراعة، والحفاظ على التراث الثقافى والفنون، مثل دراسة المومياوات المصرية وتحليل المخطوطات والآثار. وبمشاركة مصر كعضو مؤسس يُتيح المركز تدريب الباحثين المصريين والمشاركة فى التجارب العالمية، ويهدف إلى تعزيز الابتكار، وبناء القدرات العلمية، والتعاون الدولي، وتحويل البحث العلمى إلى تأثيرات ملموسة فى المجتمع والتنمية المستدامة.