جاء التعديل الوزارى الأخير ليؤسس لمرحلة مختلفة فى الأداء الحكومي، مرحلة لا تقتصر على تغيير بعض الحقائب، بل ترتكز على إعادة صياغة منهج العمل التنفيذى بالكامل، وفق سبع نقاط رئيسية حددها الرئيس عبد الفتاح السيسى كإطار حاكم لتحرك الحكومة خلال الفترة المقبلة. هذه التكليفات الجديدة لا تعكس فقط أولويات الدولة، بل تضع آلية واضحة للمساءلة والنتائج، بما يؤشر إلى انتقال العمل الحكومى إلى مستوى أكثر انضباطًا وتخطيطًا ومتابعة.. التكليف بقيام كل وزارة بإعداد خطة تفصيلية تتضمن المستهدفات، والإجراءات التنفيذية، والإطار الزمني، والتمويل اللازم، ومؤشرات قياس الأداء، يمثل تحولًا نوعيًا فى الإدارة الحكومية فالمطلوب لم يعد مجرد تنفيذ برامج عامة، بل تقديم خطط قابلة للقياس والتقييم المستمر. هذا التوجه يعنى أن كل وزارة ستكون محل متابعة دقيقة، وأن معيار النجاح سيكون تحقيق النتائج الفعلية، لا الاكتفاء بالإعلان عن المبادرات. وهى خطوة تعزز الشفافية وترسخ ثقافة المساءلة المؤسسية. واستحداث منصب نائب رئيس الوزراء للشئون الاقتصادية يعد من أبرز ملامح التعديل الهدف يتجاوز البعد الشكلى إلى ضرورة تحقيق تنسيق فعّال بين أعضاء المجموعة الاقتصادية، خاصة مع اقتراب انتهاء برنامج صندوق النقد الدولى بنهاية العام الجاري.. هذا المنصب يضطلع بدور محورى فى صياغة خطط مستقبلية متكاملة،و تحقيق الانسجام بين السياسات المالية والنقدية والاستثمارية، ووضع تصورات مدروسة لخفض الدين العام بآليات مبتكرة وآمنة.. وتشير هذه الخطوة إلى إدراك أهمية إدارة المرحلة الاقتصادية المقبلة برؤية موحدة تمنع تضارب السياسات وتُسرّع باتخاذ القرار.. كما أكدت التكليفات الرئاسية ضرورة مواصلة تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة بخطوات ملموسة، بما يعزز دور القطاع الخاص كشريك رئيسى فى التنمية.. وزيادة مشاركة القطاع الخاص تمثل ركيزة أساسية فى تحقيق النمو المستدام، وخلق فرص العمل، وتخفيف العبء عن الموازنة العامة.. التحدى هنا يكمن فى ترجمة الوثيقة إلى إجراءات عملية بجدول زمنى واضح يعزز ثقة المستثمرين. وللمرة الأولى، يتم التأكيد على إدخال مجالات فنية متقدمة ضمن أولويات الاقتصاد الوطني، خاصة فى مجال المعادن النادرة والصناعات المرتبطة بها، إلى جانب دعم الابتكار وتمويل الأبحاث.. هذا التوجه يعكس إدراكًا للتحولات العالمية فى الاقتصاد الصناعى والتكنولوجي، حيث تمثل المعادن النادرة عنصرًا حاسمًا فى صناعات المستقبل، من الطاقة المتجددة إلى التكنولوجيا المتقدمة. الرهان هنا هو الانتقال من اقتصاد تقليدى يعتمد على قطاعات محدودة، إلى اقتصاد أكثر تنوعًا قائمًا على المعرفة والتكنولوجيا.. كما وضعت التكليفات الجديدة تطوير منظومة التعليم والارتقاء بالخدمات الصحية فى صدارة أولويات الحكومة.فالاستثمار فى الإنسان يظل الركيزة الأساسية لأى تنمية مستدامة. التوجيهات الرئاسية شددت على إعلاء قيمة المواطنة وهو توجه يعكس أهمية البعد المجتمعى والسياسى فى استقرار الدولة، ويؤكد أن التنمية لا تنفصل عن ترسيخ قيم العدالة والمساواة.. وفى مجال الإعلام جاءت التكليفات الرئاسية بإيلاء أهمية خاصة للرأى العام وتبصيره بالحقائق بصورة مستمرة، مصحوبًا باستحداث وزارة دولة للإعلام فى التشكيل الجديد. وتهدف هذه الخطوة إلى تقديم خطاب مهنى مسئول، قادر على الوصول إلى مختلف فئات المجتمع، وتعزيز الشفافية فى عرض التحديات والإنجازات فى ظل عالم سريع التغير، أصبحت إدارة المعلومات والتواصل مع المواطنين عنصرًا أساسيًا فى بناء الثقة ودعم الاستقرار. التعديل الوزارى فى ضوء هذه التكليفات يعكس رؤية شاملة تتجاوز إدارة الملفات اليومية إلى بناء منظومة حكومية قائمة على التخطيط، والتنسيق، والشفافية، وتحقيق النتائج ويبقى التحدى الحقيقى أمام الحكومة هو تحويل هذه الركائز إلى واقع ملموس يشعر به المواطن فى حياته اليومية، سواء فى استقرار الأسعار، أو جودة الخدمات، أو فرص العمل.. فالمرحلة الجديدة ليست مرحلة شعارات، بل مرحلة أداء محسوب... ونتائج قابلة للقياس.