فى لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس السياسة الناجحة بحدة الخطاب، بل بعمق الحساب، ولا تُبنى العلاقات على العواطف أو الخصومات، بل على إدراكٍ واقعى لموازين القوة، وحدود الممكن، وكلفة الصدام، ويُقاس التقدم السياسى بالقدرة على تحويل الخصوم إلى شركاء، وتصفير المشكلات إلى أدنى مستوياتها. من هذه الزاوية، يمكن قراءة التحول الجارى فى العلاقات المصرية-التركية، بوصفه عودةً للعقل الاستراتيجى، لا مجرد مصالحة دبلوماسية، واصطفافًا محسوبًا تفرضه جغرافيا مضطربة، وإقليمًا تتنازعه الأزمات، وتستنزفه مشاريع التفكيك. زيارة الرئيس التركى رجب طيب أردوغان إلى القاهرة دشنت مرحلة جديدة من العلاقات، ومثلت إعلانًا صريحًا عن فتح صفحة جديدة، تُدار فيها العلاقة بمنطق الدولة، لا رهانات التنظيمات، وبحساب المصالح الصلبة، لا أوهام مشروعات التنظيمات الإرهابية . لحظة سياسية فاصلة نحن أمام لحظة سياسية فاصلة دشّنت مرحلة جديدة فى مسار العلاقات المصرية-التركية، عنوانها الواقعية السياسية، وتغليب منطق الدولة، وبناء الشراكات على أساس المصالح المشتركة، لا الحسابات الأيديولوجية. والحقيقة أن الزيارة جاءت فى توقيت إقليمى بالغ الحساسية، تتسع فيه دوائر التهديد، وتتزاحم فيه الأزمات، من غزة إلى ليبيا، ومن شرق المتوسط إلى البحر الأحمر، بما يجعل أى تقارب بين قوتين إقليميتين بحجم مصر وتركيا حدثًا له ما بعده. الزيارة، فى جوهرها، تمثل مشروع شراكة حقيقية من أجل استقرار الشرق الأوسط، لا مجرد إعادة تطبيع للعلاقات. فالدول الكبرى، حين تعيد ضبط بوصلتها، لا تفعل ذلك بدافع المجاملة، بل استنادًا إلى قراءة دقيقة لموازين القوة، ولمخاطر الفراغ، ولتكلفة الصراع المفتوح. مصر وتركيا أدركتا أن استمرار القطيعة لا يخدم إلا أطرافًا ثالثة، وأن التنسيق أكثر جدوى من التنافس والصدام غير المباشر. وهنا تبرز حقيقة أساسية فى علم العلاقات الدولية: العلاقات بين الدول تُدار بالأعراف والمصالح، لا بالتحالف مع التنظيمات والجماعات. فالتنظيمات ذات الطابع الأيديولوجى، مهما بدا نفوذها مؤقتًا، ينتهى دورها الوظيفى مع تغير السياقات، ولا يمكن أن تكون مكوّنًا استراتيجيًا دائمًا فى علاقات الدول. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة الخلاف السابق بين القاهرة وأنقرة، حين كانت جماعة الإخوان الإرهابية سببًا رئيسيًا للتوتر. اليوم، تُغلق هذه الصفحة بهدوء، وتُفتح أخرى أكثر اتساقًا مع منطق الدولة المدنية الحديثة. حكمة الرئيس السيسى نجاح هذا التحول لا ينفصل عن إدارة الرئيس عبد الفتاح السيسى للخلاف مع تركيا بعقلانية وحكمة وصبر استراتيجى. لم تنجرّ القاهرة إلى ردود أفعال انفعالية، ولم تساوم على ثوابتها، لكنها فى الوقت ذاته تركت باب السياسة مفتوحًا، حتى نضجت الظروف، وتبدلت الحسابات، وسقطت الأوهام. وهكذا استعادت العلاقات عافيتها، لا دفعة واحدة، بل عبر مسار متدرج انتهى إلى ترقية كاملة للعلاقة سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، ومع تغير المعطيات الإقليمية والدولية، نجحت الدبلوماسية المصرية فى استعادة العلاقات وترفيعها تدريجيًا، وصولًا إلى شراكات اقتصادية، وتنسيق سياسى، وحوار أمنى يخدم مصالح الطرفين. هذا النجاح ليس معزولًا، بل يأتى فى سياق أوسع للسياسة الخارجية المصرية، التى نجحت خلال السنوات الأخيرة فى «تصفير» أو احتواء خلافاتها الإقليمية عبر حلول دبلوماسية هادئة، حيث بات مبدأ «المكسب للجميع» بديلًا عمليًا للصراعات الصفرية، وهو مبدأ يمنح مصر مساحة حركة أوسع، ويعيد تعريف دورها كركيزة توازن لا طرف استقطاب. الرمزية السياسية للتقارب ظهرت بوضوح.. فى الدبلوماسية، الرموز أحيانًا تختصر ما تعجز عنه البيانات المطوّلة. نشاهد ذلك فى مشهد إهداء الرئيس أردوغان سيارة للرئيس السيسى. قد يبدو التفصيل بسيطًا، لكنه فى لغة السياسة يحمل دلالات عميقة: رسالة ودّ، وإشارة إلى ثقة متبادلة، وتأكيد على أن العلاقة لم تعد محكومة ببرود الماضى، بل بروح جديدة قوامها الاحترام والتواصل المباشر بين الزعيمين. إن أهمية العلاقة المصرية-التركية تتجاوز الثنائية، لتطال استقرار الإقليم بأسره. فالتنسيق بين القاهرة وأنقرة عامل أمان فى شرق المتوسط، حيث تتشابك ملفات الطاقة، والملاحة، والنفوذ. وهو عنصر توازن فى معادلة معقدة تتداخل فيها مصالح دولية وإقليمية. كما أن هذا التقارب يضيف وزنًا سياسيًا عربيًا-إسلاميًا قادرًا على التصدى للمشروعات الإسرائيلية، التى تسعى إلى فرض وقائع جديدة بالقوة، سواء فى فلسطين أو فى محيطها الإقليمى. وقد جاءت الزيارة فى توقيت إقليمى شديد الحساسية، حيث تتقاطع نيران غزة، وتشابكات ليبيا، واضطرابات السودان، ومخاطر شرق المتوسط، بما يجعل أى تقارب بين قوتين إقليميتين بحجم مصر وتركيا عنصرًا كابحًا للفوضى، لا مجرد تحسين للعلاقات الثنائية. الاقتصاد محرك السياسة فى عالم اليوم، لم يعد الاقتصاد تابعًا للسياسة، بل صار محركها الأول. ومن هنا، لا يمكن فهم التقارب المصري-التركى إلا باعتباره انتقالًا واعيًا من إدارة الخلاف إلى بناء الشراكة، حيث يتقدم الاقتصاد ليقود، وتأتى السياسة إطارًا ضامنًا للاستقرار. الأرقام هنا ليست ديكورًا: تبادل تجارى يقترب من 9 مليارات دولار، وسقف طموح لبلوغه 15 مليارًا بحلول 2028، وشراكات إنتاجية تتجاوز منطق التجارة الاستهلاكية إلى التصنيع المشترك، ونقل التكنولوجيا، وتعميق سلاسل القيمة. منتدى الأعمال المصرى-التركى كان ترجمة عملية لهذا التوجه. فمصر لا تُقدم نفسها كسوق فقط، بل كمنصة إنتاج وتصدير، مدعومة بإصلاحات هيكلية، وبنية تحتية ضُخ فيها أكثر من 550 مليار دولار منذ 2014، ليس لعلاج اختناقات الحاضر، بل لتأسيس اقتصاد حديث قادر على جذب استثمارات طويلة الأمد. تجربة المستثمرين الأتراك فى المنسوجات لم تُطرح كنموذج ناجح فحسب، بل كبوابة لقطاعات أكثر تقدمًا: الكيماويات، والصناعات الصحية، والسيارات، والأجهزة المنزلية، بما يحول الشراكة إلى علاقة إنتاج، لا تبادل عابر. وفى ملفات الطاقة، يتجلى التفكير الاستراتيجى بعيد المدى: كهرباء، وطاقة متجددة، وهيدروجين أخضر، وطاقة نووية. هنا لا نتحدث عن تعاون فنى، بل عن إدراك مشترك بأن أمن الطاقة بات جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومى. والأمر ذاته ينطبق على ملف الزراعة والأمن الغذائى، فى عالم تتكسر فيه سلاسل الإمداد، وتتحول فيه الحبوب والمياه إلى أدوات ضغط، بما يجعل التعاون فى الحجر الزراعى، والرقمنة، ونظم الإنذار المبكر مسألة بقاء لا رفاه. سياسيًا، يمتد التفاهم المصرى-التركى إلى قلب الإقليم المشتعل. ففى فلسطين، موقف واضح بدعم وقف الحرب، ورفض التهجير القسرى، وفتح المعابر، والتمسك بحل الدولتين، وإدانة تقويض دور الأونروا. وفى ليبيا، دعم الحل السياسى ووحدة الدولة. وفى سوريا، تأكيد وحدة الأراضى، ومكافحة الإرهاب، ورفض الاعتداءات الإسرائيلية. وفى لبنان، دعم الدولة ومؤسساتها، وحصر السلاح بيدها. وفى ملفات السودان، والقرن الإفريقى، والبحر الأحمر، تتقاطع الرؤيتان عند فكرة مركزية: غياب الدولة يولّد الفوضى، والفراغ يغذى الإرهاب والتدخلات الأجنبية. وترفض القاهرة وأنقرة بوضوح أى وجود إسرائيلى فى القرن الإفريقى، باعتباره اختراقًا جيوسياسيًا مباشرًا لأمن البحر الأحمر وباب المندب، وتهديدًا صريحًا للتوازنات الإقليمية الهشة فى واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية. إعادة تشكيل خرائط النفوذ الاتفاق المصرى - التركى ينطلق من قناعة راسخة بأن محاولات التغلغل الإسرائيلى فى هذه المنطقة لا تنفصل عن استراتيجيات تطويق الأمن العربى والإفريقى، وإعادة تشكيل خرائط النفوذ عبر بوابة النزاعات الداخلية والدول الهشة. ومن هنا، جاء الرفض القاطع لأى اعتراف بما يُسمى إقليم «أرض الصومال»، بوصفه كيانًا انفصاليًا يهدد وحدة الصومال وسيادته، ويفتح الباب أمام تدويل أزماته واستغلالها لصالح أطراف خارجية. هذا التوافق لا يعكس مجرد تطابق مواقف، بل يؤسس لاتفاق جيوسياسى أوسع يحكم التحرك المشترك بين مصر وتركيا فى مواجهة التدخلات الإسرائيلية، ويؤكد أن حماية وحدة الصومال، ومنع تفكيكه، ليست مسألة تضامن سياسى فحسب، بل جزء أصيل من معادلة الأمن القومى الإقليمى، ومنع انتقال الفوضى إلى عمق البحر الأحمر والقرن الإفريقى. فى المحصلة، نحن أمام نموذج مكتمل لسياسة خارجية مصرية تقوم على الواقعية، والاتزان الاستراتيجى، وتصفير الخلافات دون التفريط فى الثوابت. فالعلاقة الجيدة بين مصر وتركيا ليست مكسبًا ثنائيًا فحسب، بل عامل استقرار للشرق الأوسط، وعنصر أمان لشرق المتوسط، وركيزة توازن فى مواجهة المشاريع الإسرائيلية الساعية إلى فرض وقائع بالقوة. هكذا يعود التاريخ إلى منطقه، وتستعيد الجغرافيا رشدها، حين تُدرك الدول أن الشراكة استثمار، وأن الصدام استنزاف، وأن المستقبل لا يُبنى بالقطيعة، بل بتعميق التعاون بين الدول الكبرى، حمايةً للمصالح، وصونًا لاستقرار الإقليم. محطات على مسار التقارب المصرى - التركى شهدت العلاقات المصرية - التركية خلال السنوات الأخيرة تحولاتٍ استراتيجية وصفها المحللون ب«العودة الكبرى»، التى بدأت بمسار تدريجى من التهدئة وإعادة التواصل حتى وصلت الى التعاون والشراكة. وقد جاءت هذه التحولات مدفوعة بمتغيرات إقليمية ودولية جعلت الطرفين يُغلبان منطق المنافع المشتركة والمصلحة الإقليمية، التى تجعل من التقارب المصرى - التركى ضرورة استراتيجية. فالقاهرة وأنقرة فاعلان مركزيان في معادلات شرق المتوسط والشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ويمتلك كل منهما أدوات تأثير سياسية واقتصادية وأمنية تمتد آثارها إلى ما وراء حدودهما المباشرة. ومع تصاعد الأزمات الإقليمية، من الصراعات المفتوحة إلى ضغوط الطاقة وسلاسل الإمداد، اكتسب التقارب المصرى - التركي أهمية خاصة، وقد مر هذا التقارب بسلسلة من المحطات الإيجابية نستعرض أهمها فى هذا الإنفوجراف. سياسيًا «من الجمود إلى الشراكة» بداية التقارب «2021»: فى أغسطس 2016، أعلن رئيس الوزراء التركى حينها رغبة بلاده فى تحسين العلاقات مع مصر. لتشكّل بعدها لقاءات نواب وزراء الخارجية بين القاهرة وأنقرة، التى عُقدت بكثافة عام 2021. مصافحة المونديال «2022»: فى نوفمبر 2022، شهد افتتاح كأس العالم فى قطر لحظة رمزية فارقة، عندما صافح الرئيس السيسى الرئيس التركى أردوغان، مما اعتبره المراقبون إشارة سياسية تحمل دلالاتٍ واضحة عن استعداد الطرفين لفتح صفحة جديدة. تبادل السفراء «2023»: فى 4 يوليو 2023، أعلنت مصر وتركيا رسميًا استعادة العلاقات الدبلوماسية بينهما لمستوى السفراء بعد 10 سنوات من القطيعة. وتم ترشيح عمرو الحمامى كسفير مصر بأنقرة، وصالح موطلو شن سفيرًا لتركيا لدى القاهرة. الزيارات الرئاسية «2024»: بدأت الزيارات الرئاسية المُتبادلة، حيث زار الرئيس أردوغان القاهرة فى فبراير 2024، كأول زيارة له منذ أكثر من عقد. وفى 4 سبتمبر 2024 قام الرئيس السيسى بزيارة رسمية لأنقرة، تلبية لدعوة من الرئيس أردوغان. اقتصاديًا «قاطرة العلاقات» اتفاقية التجارة الحرة: حافظت على استمرارية المصالح الاقتصادية بين مصر وتركيا، ولكن عامى 2025 و2026 شهدا تحولًا نوعيًا من مجرد «تبادل سلعى» «لتكامل صناعى ولوجيستى» شامل ليس فقط فى المنسوجات، بل فى مجالات متعددة. مذكرات التفاهم: 17 مذكرة تفاهم وقّعتها مصر وتركيا خلال زيارة الرئيس السيسى لأنقرة فى 2024 بمجالات عديدة. وفى 2025 تم توقيع بروتوكول تعاون فى مجال السياحة. والأربعاء الماضى وقّع الطرفان مجموعة من مذكرات التفاهم. الاستثمارات والتبادل التجارى: عدد الشركات التركية فى مصر نحو 1700 شركة بإجمالى استثمارات تجاوزت 3 مليارات دولار، أما التبادل التجارى فبلغ نحو 9 مليارات دولار فى 2024، وفى 2025 بلغت صادرات مصر لتركيا 3.2 مليار دولار ووارداتها 3.6 مليار دولار. منتدى الأعمال المصرى - التركى: انطلقت فعاليات المنتدى بمشاركة من كبار المسئولين وقادة مجتمع الأعمال فى البلدين وبحضور 400 شركة، وشهد المنتدى توقيع اتفاقيات لإنشاء «المدينة النسيجية المتكاملة»، ومصانع لإنتاج الأجهزة المنزلية.