سحر خاص يسكن هذه الأيام التى تسبق الشهر الفضيل، وتتسلل روائح رمضان إلى القلوب، وتغمر الأرواح بنسمات إيمانية عذبة، وتتجلى روعة الاستعداد فى الحسين والسيدة، وتزدان الشوارع بالأنوار والبهجة، وترتدى أجمل ما عندها ترحيباً بالضيف الكريم. يتعانق عبير البخور مع همسات الدعاء، لتؤكد أن رمضان فى مصر «حاجة تانية»، قصة مختلفة ممزوجة بالإبداع والإيمان، وتعلمنا أن انتظار الشهر الكريم عبادة، وأن الفرح بمقدمه نور يسكن القلوب. المصريون لا يستقبلون رمضان بل يحتوونه، ويضيفون إليه من موائدهم العامرة ومن طقوسهم الحميمة التى تشبه الدعاء الجماعى، ويكبر الأطفال وهم يربطون بين الفانوس والفرح، بين المسحراتى والأمان، بين صوت القرآن ودفء البيت، ويتوارثون رمضان حكاية حب ممتدة. جاءت الأديان لتوقظ فى الإنسان إنسانيته، لتجعله أكثر رحمة، أكثر صفاء وبهجة وميلًا للحياة، وفى مصر يتجلّى هذا المعنى فى فن دينى مصرى، الإنشاد والموشحات والتلاوة التى تُبكى الحجر قبل البشر، فن لا يفصل بين الجمال والعبادة، ويجعلهما وجهين لنور واحد، تتوارثه أجيال بعد أجيال، على طقوس صلاة الفجر فى الشهر الكريم. رحم الله الشيخ على محمود، إمام المنشدين، الذى خرج من الجمالية ليصبح صوتًا من أصوات السماء على الأرض، كان قارئًا ومنشدًا ومطربًا للقلوب، وفى الحسين كان أذانه صلاة قائمة بذاتها، يختار لكل جمعة مقامًا لا يعود إليه إلا بعد عام، كأنما يُعلّم الناس أن التجديد عبادة، وأن الإبداع ذكرٌ آخر لله. ومن تحت عباءته خرجت أصوات خُلقت لتخلّد، طه الفشنى وكامل البهتيمى ومحمد الفيومى وزكريا أحمد، الذى حمل روح الإنشاد إلى عالم اللحن.. واكتشف الشيخ على محمود الصوت الذى صار لاحقًا وجدان أمة كاملة الشيخ محمد رفعت، وهكذا تتوارث الأرواح نورها. الله عليكِ يا مصر، إسلامك ليس غريبًا عن ترابك، بل يسرى فيك كما يسرى النيل، هادئًا وكريمًا ومعطاءً، إسلام يعرف أن الفرح لا يناقض الخشوع، وأن رمضان شهر حياة، وفيه تُصفّى القلوب، وتلين الأرواح، وتتحول الليالى إلى جسور بين الأرض والسماء. إنه شهر الرحمة التى وسعت كل شىء، شهر الأيدى المرفوعة رجاء وخشوعًا، وتدعو الله أن يرحم شهداءنا الأبرار، وأن يحفظ الله مصر من كل فكرٍ ظلامى يشوّه معنى الدين، وأن يردنا إلى الإسلام الذى عرفناه فى أصوات شيوخنا، وفى دموع أمهاتنا، وفى بساطة الدعاء عند الإفطار. إنها مصر التى قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم «أهلها فى رباط إلى يوم القيامة، مصر التى صدّرت علم الإسلام، وروحه، وجماله إلى الدنيا كلها، فمن يملك الجرأة ليشكك فى إيمانها»، ورحم الله صاحب هذه المقولة الشيخ الشعراوى.. وكل عام وأنتم بخير.