لم تكن قرية قارون، الملاصقة لبحيرة قارون بمركز يوسف الصديق بمحافظة الفيوم، سوى واحدة من عشرات القرى التى عاشت سنوات طويلة على هامش الخريطة الخدمية، حيث كان الصبر هو الوسيلة الأساسية لمواجهة نقص الخدمات، وكانت تفاصيل الحياة اليومية تدار بمنطق التعود لا بمنطق الحق، الوصول إلى أبسط الاحتياجات كان مهمة شاقة، تتضاعف صعوبتها مع مرور الوقت. هذا المشهد تبدل جذريًا مع دخول مبادرة «حياة كريمة» إلى القرية، ليس بوصفها تدخلًا محدودًا، بل باعتبارها إعادة صياغة شاملة لمعنى العيش فى الريف، ونقطة تحول حقيقية فى حياة السكان. قبل تنفيذ المبادرة، عانى أهالى قارون من تهالك شبكات مياه الشرب، وغياب منظومة صرف صحى منظمة، وطرق ترابية تعيق الحركة وتتضاعف المعاناة خلال فصل الشتاء، إلى جانب وحدة صحية محدودة الإمكانات لا تلبى الاحتياجات الفعلية للسكان، كانت القرية تعتمد على جهود أهلها الذاتية، بينما تتراكم الأعباء عامًا بعد عام. اليوم، تغيرت الصورة بالكامل، فقد شهدت القرية تنفيذ مشروعات واسعة للبنية الأساسية، وعلى رأسها إحلال وتجديد شبكات مياه الشرب، وتوسيع نطاق الخدمة ليشمل مناطق كانت تعانى من ضعف الضغوط والانقطاع المتكرر، ونفذت منظومة صرف صحى متكاملة، أنهت سنوات من القلق البيئى والصحى، خاصة فى المناطق القريبة من البحيرة والمنازل القديمة. وقال عم محمد، أحد أبناء القرية الذى تجاوز الستين عامًا: «عشنا سنوات طويلة دون صرف صحى حقيقى، وكنا نتحمل الأمر باعتباره واقعًا مفروضًا، لكن ما حدث الآن أحدث فرقًا كبيرًا فى صحتنا وبيوتنا وحياتنا، وشعرنا لأول مرة بالأمان». ولم يتوقف التطوير عند مشروعات البنية التحتية، بل امتد إلى قطاع الصحة، حيث شملت مبادرة «حياة كريمة» تطوير ورفع كفاءة الوحدة الصحية بالقرية ضمن خطة شاملة لتطوير الوحدات الصحية بمركز يوسف الصديق، وتم دعم الوحدة بالتجهيزات الأساسية وتحسين بيئة تقديم الخدمة، ما أتاح للأهالى الحصول على خدمات طبية أولية، ومتابعة الحالات المزمنة، وخدمات الأمومة والطفولة داخل القرية، بدلا من الانتقال لمسافات طويلة.. وأعربت الحاجة فاطمة، ربة منزل، عن امتنانها قائلة: «فى السابق كنا نضطر للذهاب إلى مدينة يوسف الصديق أو الفيوم من أجل كشف بسيط، أما الآن فأصبحت الوحدة الصحية تعمل بشكل فعلى، وهو ما وفر علينا الجهد ويمنحنا شعورًا بالطمأنينة». وفى ملف الطرق، شهدت القرية تطويرًا ملحوظًا، حيث جرى رصف وتمهيد عدد من الطرق الداخلية والطرق الرابطة، ما سهل حركة الأهالى، وقلل زمن الانتقال، وفتح المجال أمام حركة التجارة والخدمات، خاصة للصيادين وأصحاب الأعمال اليومية الذين تعتمد أرزاقهم على سهولة التنقل.. أما الخدمات الحكومية، فقد أصبحت أقرب إلى المواطن بعد إنشاء وتطوير مجمعات خدمية على مستوى المركز، تخدم القرى التابعة له، ومن بينها قارون، وتضم خدمات التموين والتضامن الاجتماعى والبريد وغيرها من الخدمات التى كانت تمثل عبئًا يوميًا على الأهالى. وتحدث أحمد حسين، أحد شباب القرية بفخر عن تطور القرية قائلا: «أصبح من الممكن إنهاء الإجراءات والخدمات دون عناء التنقل، وهو ما جعل الناس تشعر بقيمة وقتها وكرامتها». ولم يكن أثر المبادرة ماديًا فقط، بل إن التغيير الأعمق كان نفسيًا واجتماعيًا، فقد تراجع شعور العزلة، وحل محله إحساس واضح بأن القرية أصبحت جزءًا من مشروع وطنى أكبر، وأن ما كان مؤجلًا لسنوات طويلة أصبح واقعًا ملموسًا. اليوم، يتحدث أهالى قارون عن نظافة الشوارع، وانتظام الخدمات، وتحسين الشكل العام للقرية، وكأن المكان استعاد روحه بعد سنوات من الإنهاك.