في الماضي، كانت رحلة المواطن الريفي لاستخراج ورقة رسمية أو إنهاء معاملة حكومية رحلة شاقة تستنزف الوقت والمال والجهد، بين طوابير طويلة في المدن ووسائل مواصلات وطرقات غير ممهدة، لكن المشهد تغيّر مع انطلاق مبادرة «حياة كريمة» التي غيرت علاقة المواطن بالخدمة الحكومية حيث مبانٍ حديثة، نظم رقمية، شباك واحد يجمع كل ما كان متفرقًا، ومسافة قصيرة تفصل بين البيت والخدمة، في هذا الملف نكشف التجربة الجديدة للمواطنين، ونرصد الانتقال من «كيف كانت» الحياة مليئة بالمعاناة، إلى «كيف أصبحت» أكثر كرامة وسلاسة وجودة. ◄ شباك واحد.. لجميع المعاملات وتقصير المسافات على السكان هدف رئيسي ◄ كفر الشيخ.. بنية متكاملة تقلّص المسافات ■ كتب: ضياء أبوكيلة عرفت قرى مركز مطوبس بمحافظة كفر الشيخ بأنها إحدى نقاط انطلاق الهجرة غير الشرعية قديمًا، وكان ذلك الوجه الآخر لفقر الخدمات الأساسية وصعوبة الوصول إليها، إدراج مطوبس ضمن المرحلة الأولى من «حياة كريمة» قلب المعادلة؛ إذ امتدت يد التعمير إلى القرى، واختفت تدريجيًا أسباب الهجرة المرتبطة بنقص الخدمات. وأوضح اللواء حاتم الهيدبي، رئيس مركز ومدينة مطوبس، أنه تم الانتهاء من إقامة 5 مجمعات خدمية في القرى الرئيسية: بنى بكار، برنبال، منية المرشد، البصراط، والجزيرة الخضراء. ولفت إلى أن كل مجمع يضم مبنى الوحدة المحلية ومكتب بريد ومكتب تموين ووحدة شئون اجتماعية وشهرًا عقاريًا وسجلًا مدنيًا، وجميع الجهات مميكنة ومجهزة وفق أحدث المعايير. وأضاف أن هذه المجمعات تخدم ما يقارب 300 ألف نسمة من سكان قرى مركز مطوبس، مع استمرار نهضة موازية فى قطاعات الصحة والتعليم والشباب والرياضة، وشبكات الطرق والكهرباء والمياه والاتصالات والغاز الطبيعي، ورغم بقاء بعض التجهيزات البسيطة تمهيدًا لتشغيل الشهر العقارى والسجل المدني بكامل طاقتهما، فإنّ الصورة العامة تبدو مختلفة تمامًا، فالخدمة القريبة والمتكاملة تُنجز فى زيارة واحدة، وتقلّص زمن المعاملة وتكلفتها، وتحدّ من دوافع الهجرة. قال رضا الشامي، المحامي: «أعيش فى قرية بنى بكار، وكنت أضطر إلى السفر يوميًا إلى مدينة مطوبس، التى تبعد عن قريتى نحو 10 كيلومترات، للحصول على أبسط الخدمات الغائبة تمامًا عن القرية، كنت أقطع جزءًا من هذه المسافة سيرًا على الأقدام، ثم أستقل وسيلة مواصلات قديمة تسلك طريقًا متهالكًا يمر وسط الأراضى الزراعية، مما كان يجعل الرحلة شاقة للغاية». ◄ اقرأ أيضًا | حياة كريمة .. طلباتك اوامر الرعاية الصحية «شرارة أمل» تُضىء القرى النائية وأكد رضا الشامى أن الوضع تغير مؤخرًا؛ إذ تم إنشاء مجمع خدمى متكامل داخل القرية، يقدّم مختلف الخدمات للمواطنين فى دقائق معدودة، بل يمكن للمواطن أن ينجز أكثر من خدمة خلال زيارة واحدة. ويذكر أنه جارٍ العمل تباعًا لاستكمال التجهيزات النهائية لبعض المكاتب داخل المجمعات، فيما تتوسع المشروعات المساندة من رصف طرق وتحديث شبكات كهرباء ومياه واتصالات، لترسيخ التحسن فى جودة الحياة اليومية. وساعد اكتمال حزمة الخدمات على تراجع دوافع الهجرة غير الشرعية التى ارتبطت تاريخيًا بنقص الخدمات والفرص فى القرى الساحلية؛ إذ صار الطريق الأقصر للحصول على الوثائق والمعاملات يبدأ وينتهى داخل القرية. ◄ المنوفية.. التحوّل الرقمي يغزو الريف ■ كتب: محمد الشامي حققت قرية شما التابعة لمركز أشمون بمحافظة المنوفية طفرة تنموية شاملة ضمن مبادرة «حياة كريمة»، حيث جرى تحسين البنية التحتية والخدمات الأساسية من تطوير شبكات المياه والصرف الصحى ورصف وتوسعة الطرق الداخلية لتيسير الحركة والنقل، إلى جانب تحسين شبكة الكهرباء والإنارة العامة، فضلاً عن دعم الخدمات التعليمية والصحية من خلال إنشاء وتطوير المدارس ورفع كفاءتها لتوفير بيئة تعليمية أفضل، وتجهيز الوحدات الصحية وتزويدها بالأطباء والأجهزة اللازمة لخدمة الأهالي.. وساهم تنفيذ مشروعات صغيرة ومتوسطة للشباب والنساء فى زيادة الدخل ورفع مستوى المعيشة والحد من الفقر.. وانتهت المبادرة من إنشاء أول مجمع خدمات حكومى بالقرية، يقع على بُعد 7 كيلومترات تقريبًا من مدينة أشمون، ويعد قلب منظومة الخدمات الحكومية داخل القرية، حيث يشمل السجل المدنى والشهر العقارى ومكتب التموين والبريد المطوّر ووحدة الشئون الاجتماعية ومقر الوحدة المحلية، إضافة إلى مركز تكنولوجى متطور.. ويقدم المبنى خدمات مميكنة عبر الشباك الإلكتروني، ما يرفع من جودة الخدمة ويسرّع إنجاز الإجراءات اليومية، فى خطوة حقيقية للتحول الرقمى بالريف.. وحظى المشروع بإشادة واسعة من أبناء القرية الذين أكدوا أنه وفر عليهم الوقت والجهد وقلّص الحاجة للسفر إلى المدينة لإنهاء المعاملات الضرورية.. واعتُمدت القرية أيضًا ضمن برنامج «القرية الخضراء» وحصلت على شهادة ترشيد للمجتمعات الريفية الخضراء وفق المعايير البيئية العالمية.. ويُعد المجمع واحدًا من بين 30 مشروعًا تنمويًا نُفذ فى قرية شما تحت مظلة المبادرة الرئاسية «حياة كريمة»، وتم الانتهاء من جميع منشآته ليبدأ فى تقديم الخدمات للأهالى وتسهيل إنهاء مصالحهم الحيوية دون الحاجة للانتقال إلى مدينة أشمون. ◄ الإسماعيلية.. مجموعة خدمات في مكان واحد ■ كتب: محمد عبادي فى قلب قرية الأبطال بمحافظة الإسماعيلية، يقدم مجمع الخدمات الحكومية نموذجًا واضحًا لتقريب الخدمة من المواطن تحت سقف واحد.. قبل إنشاء المجمع، كانت رحلة استخراج شهادة ميلاد أو دفع فاتورة أو الحصول على خدمة بريدية تستغرق وقتًا وجهدًا كبيرين، وتحمّل الأهالى أعباءً مادية ونفسية للسفر إلى المدن.. اليوم تغيّرت الصورة وأصبحت الخدمات الحكومية المتكاملة نقطة ارتكاز داخل القرية، ما خفّض زمن المعاملة وكلفتها، وأراح كبار السن والنساء والشباب على حد سواء.. تتوزع داخل المجمع منافذ متعددة لخدمات السجل المدنى والشهر العقارى والتموين والبريد، إضافة إلى الوحدة المحلية والمجلس المحلى ووحدة الشئون الاجتماعية، مع تجهيزات تكنولوجية تسهّل الدورة المستندية وتضمن جودة أداء الموظف وتيسير التعامل مع الجمهور.. ويسير هذا النموذج جنبًا إلى جنب مع التحول الرقمي، فيضمن تواكب البنية التحتية مع تحديث آليات العمل لتقديم خدمة لائقة وسريعة. تجربة قرية الأبطال تعكس أهداف «حياة كريمة» فى مدن القناة وهى إنقاص المسافات، وتوحيد منافذ الخدمة، ورفع الكفاءة، بما يخلق أثرًا مباشرًا على الحياة اليومية للأسر. وأظهرت التقييمات الأولية لأداء المجمع تحسنًا فى زمن الخدمة وتراجعًا فى عدد الرحلات إلى المدينة. فالمنظومة المميكنة تُسهل إجراءات مثل المدفوعات واستخراج المستندات، وتتيح تتبّعًا أدق لحركة المعاملات، ومع تزايد الوعى بالخدمات المتاحة، صار المجمع مركز جذب لمبادرات مجتمعية موازية فى التوعية والدعم القانوني، ما يعزز أثره خارج أسواره، وبذلك يكتمل المشهد من مبنى حديث، وأدوات رقمية، وفريق مُدرَّب، ومواطن يتلقى خدمة محترمة داخل قريته.. ويعتمد نجاح المجمع أيضًا على الشفافية؛ إذ يوفّر بيئة تُمكّن المواطن من متابعة معاملته بسهولة ومعرفة المستندات المطلوبة مسبقًا، ما يقلّل الازدحام ويحدّ من الرحلات المكررة. ومع تزايد ثقة الأهالى بالخدمة، بات المجمع واجهة حضارية للقرية تعكس صورة الجمهورية الجديدة فى تفاصيل الحياة اليومية. ◄ أسوان.. منظومة حديثة تخفّف الأعباء ■ كتب: محمد علي سليمان تُعد مشروعات مجمعات خدمات المواطنين فى محافظة أسوان إحدى ثمار المبادرة، حيث جرى الانتهاء من معظمها ودخلت مرحلة التشغيل التجريبي، للمساهِمة فى تخفيف أعباء تنقل المواطنين بين المصالح الحكومية المختلفة.. وفى قلب قرية المنشية الجديدة، على أطراف مركز كوم أمبو بمحافظة أسوان، لم يعد الأهالى بحاجة للتنقل بين القرى والمراكز لقضاء مصالحهم الحكومية، فالمكان الذى كان بالأمس أرضًا خاوية أصبح اليوم مجمعًا متكاملًا للخدمات، يختصر المسافات وينبض بالحياة.. وافتُتح المجمع الجديد ضمن المرحلة الأولى من المبادرة، ليخدم أكثر من 62 ألف مواطن من سكان القرية وتوابعها البالغ عددها 22 قرية فرعية، ويضم تحت سقفه مكتبا للسجل المدني، التموين، البريد، التضامن الاجتماعي، الشهر العقاري، وغيرها من الجهات التى كانت تستلزم أيامًا من التنقل والانتظار. وعبّر الأهالى عن شكرهم للرئيس عبد الفتاح السيسي، مؤكدين أن ما تحقق من إنجازات منذ توليه المسئولية لم يسبق له مثيل، مشيرين إلى التحول الكبير الذى شهدته القرية بعد سنوات من المعاناة فى الحصول على الخدمات الأساسية.. يذكر أنه فى السابق، كان الأهالى يضطرون للتوجه إلى مدينة كوم أمبو لاستخراج الأوراق الثبوتية من السجل المدنى وسط ازدحام شديد يستلزم تكرار الذهاب أكثر من مرة، أما اليوم فأصبح للقرية سجل مدنى مستقل، إلى جانب خدمات الشهر العقارى والمرافق الحيوية الأخرى، مما سهّل حياة المواطنين وخفّف عنهم مشقة التنقل. وفى هذا الصدد، أكد اللواء الدكتور إسماعيل كمال، محافظ أسوان، أن ما تحقق خلال المرحلة الأولى من مبادرة «حياة كريمة» هو إنجاز غير مسبوق، حيث تجاوزت المشروعات المنفذة حاجز 2000 مشروع تنموى وخدمي، بينها أكثر من 35 مشروعًا داخل قرية المنشية الجديدة وحدها. ◄ الأقصر.. مجمعات عصرية تعيد التوازن ■ كتب: محسن جود شهدت محافظة الأقصر إنشاء 17 مجمع خدمة حكومى بمركزى إسنا وأرمنت، معظمها بدأ التشغيل التجريبى بالفعل، لتخدم أكثر من 600 ألف مواطن من سكان المركزين، وتحدث نقلة نوعية فى حياة أبناء القرى. فبعد أن كان الأهالى يضطرون إلى السفر لعشرات الكيلومترات بين المدن والمراكز لإنهاء أوراق بسيطة، أصبحت هذه الخدمات الآن على بُعد دقائق من منازلهم. تضم المجمعات مراكز تكنولوجية لخدمة المواطنين، وسجلات مدنية، وشهراً عقارياً، ومكاتب تموين، ومكاتب بريد، ووحدات محلية، ومجالس محلية، ومكاتب للتضامن الاجتماعي. هذا الدمج أتاح للمواطنين إنجاز معاملاتهم بسهولة، ووفّر وقتهم وجهدهم، وخفّف من الأعباء المالية المرتبطة بالتنقل. وأكد المهندس عبد المطلب عمارة، محافظ الأقصر، أن الهدف من هذه المجمعات هو تحسين ظروف المعيشة والحياة اليومية للمواطن، مشيرًا إلى أن التشغيل التجريبى الذى بدأ فى قرى مثل النجوع والشغب بإسنا يقدّم الخدمات بشكل حضارى وراقٍ وبجودة عالية، مشددًا على أهمية حسن معاملة المواطنين وتعزيز شعورهم بالرضا. وشهدت المنطقة المحيطة بكل مجمع أعمال تطوير متكاملة؛ حيث أُنشئت نقاط إسعاف وشرطة، ورُصفت الطرق، وفُتحت شوارع جديدة. وفى بعض القرى مثل النجوع أُقيم مجمع للخدمات الزراعية يضم مكتب إرشاد زراعي، ووحدة بيطرية، وجمعية زراعية لتقديم خدمات متكاملة للمزارعين تشمل توفير الأسمدة والمبيدات، والرعاية البيطرية، والإرشاد الزراعي. وقال عثمان عريان، أحد أبناء إسنا، إن ما يشهده من تطوير فى إطار المبادرة لم يكن يحلم به من قبل، مضيفًا: «بعد أن كانت مدينة إسنا مركزًا مهجورًا، جاء انضمامها لمحافظة الأقصر ليبدأ التطوير، ثم جاءت مبادرة حياة كريمة لتنقل هذا التطوير إلى القرى، فأصبحنا نرى مجمعات حكومية تضم 7 مصالح تحت سقف واحد». وأوضح أن مجمع الكيمان مثلاً يضم مكاتب البريد والتموين والسجل المدنى والشهر العقارى إضافة إلى المركز التكنولوجى والوحدة المحلية، مشيرًا كذلك إلى إنشاء وتطوير مراكز شباب ومجمعات خدمية زراعية ومراكز إسعاف بالقرى. وخلال زيارته الأخيرة للأقصر، تفقد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، مجمع الخدمات بقرية الشغب بمركز إسنا، وأجرى حوارًا مع الموظفين حول دورة العمل والخدمات المقدمة، كما التقى عدداً من المواطنين الذين أشادوا بوجود المجمع فى قريتهم لخدمة القرى المجاورة، مؤكدين أنه وفّر عليهم الكثير من الوقت والجهد.